«لا ده أنتم كفرة بقى».. حتى السواد طلع مغشوش ..ضبط مصنع فلفل أسود مزيف ببني سويف
«لا ده أنتم كفرة بقى».. ربما تكون إحدى العبارات التي تخطر على ذهنك فور قراءة تفاصيل واقعة غش جديدة، بعدما وصلت الحيلة هذه المرة إلى الفلفل الأسود نفسه؛ إذ ضبطت الجهات الرقابية في بني سويف منشأة غير مرخصة تصنع حبيبات من العجين وتصبغها باللون الأسود لتبدو للمستهلك وكأنها حبوب فلفل حقيقية.
الواقعة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى مشهد ساخر، لكنها تحمل في حقيقتها خطرًا صحيًا واقتصاديًا، خاصة مع كشف الجهات الرقابية عن استخدام الدقيق المدعم المخصص للمخابز البلدية في التصنيع، وضبط كمية إجمالية من الخامات والمنتجات تقترب من طن كامل.
عجين يتحول إلى فلفل أسود
بدأت الواقعة بحملة نفذها فرع الهيئة القومية لسلامة الغذاء في بني سويف بالتعاون مع جهاز حماية المستهلك.
وكشفت المعاينة أن المنشأة تعمل دون ترخيص، وأن القائمين عليها يصنعون حبيبات كروية من العجين، ثم تتم صبغها بألوان صناعية سوداء حتى تكتسب الشكل القريب من حبوب الفلفل الأسود قبل طرحها في الأسواق
أي أن المستهلك الذي يعتقد أنه يشتري توابل طبيعية كان من الممكن أن يحصل فعليًا على عجين مصبوغ لا علاقة له بالفلفل.

الدقيق المدعم يدخل عملية الغش
المفاجأة الثانية أن الحملة رصدت استخدام الدقيق المدعم المخصص لإنتاج الخبز البلدي في تصنيع هذه الحبيبات.
وهنا تجمع الواقعة بين أكثر من مخالفة؛ غش منتج غذائي، واستغلال سلعة مدعمة في غير الغرض المخصصة له، إلى جانب تشغيل منشأة غذائية دون التراخيص اللازمة.
ضبط 996 كيلو من الخامات والمنتج
لم تكن الكميات المضبوطة محدودة.
بحسب الهيئة والتغطيات المنشورة، تم التحفظ على مستلزمات الإنتاج والخامات ومواد الصباغة والمنتجات النهائية، بإجمالي بلغ نحو 996 كيلوجرامًا، أي ما يقترب من طن.
وتم تحرير محاضر تتعلق بالغش التجاري وعدم الترخيص واستخدام المنتجات المدعمة في غير الأغراض المخصصة لها، مع اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المسؤولين عن المنشأة.
خلاط أسمنت داخل منشأة الفلفل؟
وزادت غرابة الواقعة بعدما ذكرت تقارير محلية أن المنشأة كانت تستخدم خلاط أسمنت في عملية خلط المكونات أثناء تصنيع المنتج المغشوش.
لكن هذه الجزئية وردت في التغطيات المحلية، بينما البيان الأساسي المنشور عن الهيئة القومية لسلامة الغذاء ركز على العجين والدقيق المدعم والألوان الصناعية، لذلك من الأدق التعامل مع استخدام خلاط الأسمنت كمعلومة منسوبة إلى تلك التقارير وليس باعتبارها جزءًا مؤكدًا من البيان الرسمي.
هل استُخدمت «مواد رصف طرق»؟
انتشرت بعض الصياغات التي تتحدث عن استخدام مواد مرتبطة برصف الطرق لإكساب المنتج اللون الأسود.
لكن ما أمكن توثيقه في البيان الحالي هو استخدام ألوان صناعية باللون الأسود مع العجين والدقيق المدعم.
وهناك واقعة أخرى في بني سويف خلال يونيو الماضي تحدثت تقارير بشأنها عن استخدام صبغات و«ورنيش» ومواد مجهولة المصدر في فلفل أسود مغشوش، لكنها واقعة مختلفة وبلغت الكمية المضبوطة فيها 12.5 طن.

لماذا يمثل هذا النوع من الغش خطرًا؟
المشكلة لا تتوقف عند دفع المستهلك أموالًا في منتج مزيف.
عندما تدخل صبغات أو مواد غير مخصصة للاستخدام الغذائي إلى الطعام، يصبح تحديد مستوى الأمان مستحيلًا دون تحليل معملي، كما أن التصنيع في منشأة غير مرخصة يعني عدم وجود ضمان للالتزام بشروط النظافة أو التخزين أو سلامة الخامات.
ولهذا فإن ضبط المنتج قبل وصول مزيد من الكميات إلى الأسواق يمثل جانبًا مهمًا في حماية المستهلك.
«حتى السواد غشوه»
الواقعة أثارت حالة كبيرة من السخرية بسبب غرابة الفكرة نفسها؛ فالفلفل الأسود، أحد أكثر التوابل بساطة وانتشارًا، تحول إلى منتج يمكن تقليده من العجين واللون الأسود.
والأغرب أن الدقيق المستخدم في الغش كان، وفق الجهات الرقابية، من الدقيق المدعم الذي يفترض أن يذهب إلى إنتاج الخبز للمواطنين.
ومن هنا ربما تأتي العبارة الساخرة الأقرب للمشهد: حتى السواد نفسه طلع مغشوشًا.
لكن وراء السخرية حقيقة أكثر جدية؛ فكلما تطورت وسائل الغش بهذا الشكل، أصبح المستهلك بحاجة أكبر إلى شراء المواد الغذائية من مصادر معروفة، بينما تزداد مسؤولية الرقابة في تتبع المنتجات التي يمكن تقليدها أو إعادة تصنيعها بعيدًا عن أعين الجهات المختصة.
التحقيقات مستمرة
تم اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المنشأة والمسؤولين عنها، مع تحرير محاضر بالمخالفات المضبوطة وإحالتها إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات، تبقى الواقعة واحدة من أغرب قضايا الغش الغذائي التي شهدتها الأسواق مؤخرًا: عجين ودقيق مدعم وصبغة سوداء.. والنتيجة فلفل أسود لا يمت للفلفل بصلة.







