صور الأطفال بوابة للنصب الإلكتروني.. حقيقة صورة رضيع انتشرت لجمع التفاعل والتبرعات في مصر
انتشرت خلال الفترة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر صورة تُظهر رضيعًا وعلى ظهره آثار جراحة واضحة، مصحوبة بعبارات عاطفية تحث المستخدمين على الدعاء والتعليق والمشاركة، وفي بعض النسخ يجري ربط الصور المشابهة بطلبات تبرع أو تحويل أموال لعلاج أطفال مرضى.
وتثير هذه المنشورات تعاطف آلاف المستخدمين، خاصة عندما تستخدم عبارات تحمل ضغطًا دينيًا أو نفسيًا، من قبيل: «الطفل أمانة في رقبتك» أو «لا تغلق الصفحة قبل أن تكتب ربنا يشفيه»، دون تقديم معلومات يمكن التحقق منها بشأن اسم الطفل أو المستشفى أو تشخيصه الطبي.
ما حقيقة صورة الطفل المتداولة في مصر؟
أظهر فحص الصورة المرفقة أنها لم تُنشر باعتبارها حالة مصرية واحدة موثقة، بل جرى تداولها عبر حسابات ومنصات مختلفة، مصحوبة بعبارات عربية وإنجليزية وإسبانية، مع تغيير قصة المنشور من حساب إلى آخر.
وعثر البحث على منشورات متعددة تستخدم العبارة الإنجليزية نفسها: «لقد خضع لعملية جراحية وسيكون الدعاء له أمرًا جميلًا»، كما ظهرت الصورة أو العبارة ضمن مجموعات وصفحات غير مرتبطة ببعضها. وانتشرت كذلك منشورات عربية تستخدم صيغة «طفل مريض أمانة في رقبتك» من دون بيانات طبية أو هوية واضحة للحالة.
الصورة ليست دليلًا على حالة مصرية حديثة
تكرار الصورة بالقصص نفسها تقريبًا وبلغات مختلفة، وعبر حسابات من دول متعددة، يعني أنها ليست دليلًا موثوقًا على وجود حالة علاجية مصرية حديثة كما قد توحي بعض المنشورات.
ولم يظهر خلال التحقق مصدر طبي أصلي موثوق يوضح اسم الطفل أو دولته أو المستشفى الذي أُجريت فيه الجراحة أو تاريخ التقاط الصورة. لذلك لا يمكن الجزم بهوية الطفل أو نوع العملية اعتمادًا على الصورة وحدها.
كما لا يوجد في الصورة المرفقة نفسها رقم حساب أو طلب مباشر لتحويل أموال، وبالتالي لا يصح اتهام كل من أعاد نشرها بالنصب؛ فقد يكون بعض المستخدمين قد شاركوها بحسن نية. لكن ربطها بأي حملة تبرعات يجعل الحملة غير موثقة ما لم تُقدم مستندات رسمية قابلة للتحقق.
صورة واحدة تُستخدم في قصص وبلدان مختلفة
توضح نتائج البحث أن الصورة والعبارات المصاحبة لها أعيد تدويرها منذ أكثر من عام داخل مجموعات على فيسبوك، فتارة تُنشر لطلب الدعاء، وتارة تُقدم على أنها لطفل خضع لعملية خطيرة، بينما لا تتضمن المنشورات اسمًا كاملًا أو جهة علاجية يمكن التواصل معها.
ماذا تكشف اللغات المختلفة؟
تظهر لقطة شاشة نتائج البحث المنشورة بالصورة ذاتها مصحوبة بنصوص عربية وإنجليزية وإسبانية، وهو مؤشر واضح على انتقال الصورة من حساب إلى آخر وإعادة صياغة قصتها وفق جمهور كل صفحة.
هذا التدوير لا يثبت وحده أن الصورة مزيفة أو أن الطفل لم يخضع لجراحة، لكنه يكشف أن الادعاءات المصاحبة لها غير ثابتة، وأن نسبتها إلى طفل محدد أو أسرة مصرية تحتاج إلى أدلة مستقلة.
كيف تتحول منشورات الدعاء إلى وسيلة لجمع الأموال؟
تبدأ بعض الصفحات بنشر صورة مؤثرة لجذب التعليقات والمشاركات وزيادة انتشار الحساب. وبعد تكوين عدد كبير من المتابعين، قد تظهر طلبات لتحويل التبرعات إلى محفظة إلكترونية أو حساب شخصي، دون وجود مستشفى أو جمعية أهلية تشرف على جمع الأموال.
وتحذر منصة فيسبوك رسميًا من «احتيال التبرعات»، موضحة أن المحتالين قد ينشئون حسابات تنتحل صفة جمعيات خيرية أو دور أيتام أو شخصيات دينية ثم يطلبون الأموال من المستخدمين.
استغلال المشاعر بدلًا من تقديم الأدلة
يعتمد هذا النوع من الاحتيال على ما يُعرف بالهندسة الاجتماعية، أي استغلال الثقة والخوف والتعاطف لدفع الضحية إلى إرسال المال أو تقديم بياناتها دون وقت كافٍ للتحقق. ويشير الإنتربول إلى أن المحتالين يستخدمون وسائل التواصل لبناء الثقة واستغلالها بهدف الحصول على الأموال أو المعلومات.
ومن أبرز العبارات المستخدمة:
- «الحالة لا تحتمل التأخير».
- «تبرع ولو بجنيه».
- «أمانة في رقبتك يوم القيامة».
- «المبلغ المتبقي يجب جمعه اليوم».
- «لا تتصل بالمستشفى حرصًا على حالة الأسرة».
- «التحويل متاح على محفظة شخصية فقط».
علامات تكشف حملات التبرعات المشبوهة
غياب اسم الطفل والمستشفى
طلب التبرع دون إعلان الاسم الكامل للحالة أو اسم المستشفى أو الطبيب المعالج يجعل التحقق شبه مستحيل، خاصة عندما يكتفي المنشور بصورة مؤثرة ورقم محفظة إلكترونية.
استخدام حساب شخصي لاستقبال الأموال
لا يعني استخدام حساب شخصي أن الحالة وهمية بالضرورة، لكنه يستوجب تدقيقًا أكبر، ومعرفة صلة صاحب الحساب بالطفل، والحصول على مستند يثبت أن الأموال ستُوجه إلى العلاج.
رفض الدفع المباشر إلى جهة العلاج
من العلامات المثيرة للشك رفض صاحب المنشور دفع المتبرع قيمة العلاج مباشرة إلى المستشفى أو الصيدلية، وإصراره على تحويل الأموال إلى حساب أو محفظة محددة.
صور قديمة أو مأخوذة من الإنترنت
يستغل المحتال صورة حقيقية لحالة مرضية، لكنه يغير اسم الطفل والبلد والتشخيص، ثم ينشرها باعتبارها حالة جديدة. وتنصح جهات حماية المستهلك بعدم افتراض أن طلبات التبرع المنشورة على وسائل التواصل حقيقية، والتحقق من الجهة والمستفيد قبل الدفع.
كيف تتبرع بأمان لحالات علاج الأطفال؟
ينبغي طلب تقرير طبي حديث يحمل اسم المريض واسم المستشفى وختم الجهة العلاجية، مع التأكد من أن بيانات المستند تتطابق مع صاحب الحملة.
ويُفضل دفع قيمة العلاج مباشرة إلى المستشفى أو إلى جمعية أهلية معلنة ومعروفة، والحصول على إيصال يوضح الجهة التي تلقت المبلغ والغرض منه.
كما يجب البحث عن الصورة عبر أدوات البحث العكسي، وفحص تاريخ إنشاء الحساب، ومراجعة المنشورات القديمة لمعرفة ما إذا كان ينشر حالات متعددة بأرقام تحويل مختلفة.
جمع التبرعات في مصر يخضع لضوابط قانونية
ينظم قانون ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019 عمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية وجمع التبرعات، ويتضمن عقوبات على جمع الأموال بالمخالفة لأحكام القانون، مع إلزام المحكوم عليه برد الأموال التي جمعها في الحالات التي ينطبق عليها النص القانوني.
ولا يعني ذلك أن كل طلب مساعدة فردي يمثل جريمة تلقائيًا، لكن تقديم معلومات كاذبة أو استخدام صور مسروقة للحصول على أموال قد ينقل الأمر من طلب مساعدة إلى شبهة احتيال تستوجب الإبلاغ والتحقيق.
نتيجة التحقق من الصورة
الصورة المتداولة ليست مرتبطة بمصدر مصري موثق، ولا توجد أدلة تثبت أنها تخص طفلًا مصريًا يحتاج حاليًا إلى تبرعات.
كما أنها ظهرت في منشورات متعددة بلغات وقصص مختلفة، ولم يتوصل البحث إلى هوية الطفل أو المستشفى أو المصدر الأول للصورة.
وبناءً عليه، فإن أي منشور يستخدم هذه الصورة لجمع الأموال يجب التعامل معه باعتباره طلب تبرع غير موثق إلى أن يقدم صاحبه تقارير طبية حديثة، وبيانات المستشفى، وهوية المستفيد، وطريقة دفع رسمية يمكن مراجعتها.


