الثلاثاء، ٨ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٠:٤١ ص

دخل لتناول الإفطار وانتهى الأمر بجريمة مروعة.. قصة مقتل مايسة وطفلها

لم يكن سكان شارع فاطمة رشدي بمنطقة الهرم في الجيزة يتوقعون أن تتحول إحدى الشقق الهادئة في عام 1986 إلى مسرح لجريمة مروعة، بعدما عُثر داخلها على سيدة تدعى «مايسة» غارقة في دمائها، إثر تعرضها لـ15 طعنة متفرقة، بينما فارق طفلها الصغير «كريم»، الذي لم يتجاوز 5 سنوات، الحياة بعد تعرضه للذبح.

وبجوار الطفل، بقيت لعبته الصغيرة، التي كانت عبارة عن «قرد»، في مشهد زاد من قسوة الجريمة وأثار حالة من الصدمة بين سكان المنطقة.

جريمة مروعة تهز منطقة الهرم

مع انتشار خبر الجريمة، تحولت شقة مايسة إلى مسرح لعملية بحث مكثفة لكشف ملابسات ما حدث وتحديد هوية مرتكب الجريمة.

وخلال المعاينة الأولى لمسرح الحادث، عثرت أجهزة الأمن على حديد إحدى نوافذ الشقة مثنيًا إلى الداخل، وهو ما عزز في البداية فرضية تعرض المنزل للاقتحام من جانب مجهولين.

وبدأت تتردد روايات عن وجود عصابة ملثمة تستهدف الشقق، الأمر الذي تسبب في حالة من الخوف بين سكان الشارع، ودفع بعض الأهالي إلى التفكير في مغادرة منازلهم خشية تعرضهم لمصير مماثل.

لكن مع استمرار الفحص الدقيق لمسرح الجريمة، ظهرت تفاصيل أخرى دفعت المحققين إلى إعادة النظر في سيناريو الاقتحام.

صينية إفطار تكشف أول خيط في القضية

خلال المعاينة الفنية الدقيقة، لفتت إحدى التفاصيل انتباه اللواء محمد نور الدين، الذي كان وقتها برتبة مقدم ويعمل مفتشًا لمباحث قسمي بولاق الدكرور والهرم.

كانت هناك صينية إفطار داخل الشقة، تضم طبقًا من الفول والجبنة والبيض، إلى جانب كوبين من الشاي باللبن.

وبدا وجود كوبين من الشاي تحديدًا تفصيلة مهمة بالنسبة للمحققين، إذ طرح سؤالًا مباشرًا: لمن أعدت مايسة وجبة الإفطار؟

وأشارت هذه القرينة إلى أن من كان يجلس معها داخل الشقة ربما لم يكن شخصًا غريبًا اقتحم المنزل، وإنما شخصًا تعرفه الضحية وسمحت له بالدخول، بل وأعدت له الطعام والشراب.

ومن هنا، بدأ مسار التحقيق يتغير، وانتقلت عملية البحث من فرضية اقتحام مجهولين إلى فحص الأشخاص المقربين من مايسة وعلاقاتها بمن حولها.

التحقيقات تبدأ من دائرة المقربين

بدأت أجهزة البحث الجنائي في فحص أفراد عائلة مايسة والمقربين منها، وكان شقيقها من بين الأسماء التي دخلت دائرة الاشتباه في البداية.

وبحسب المعلومات الواردة في القضية، كانت هناك خلافات متكررة بين الشقيق وشقيقته، إذ كان يعترض على إقامتها بمفردها في شقة الهرم بعد وفاة زوجها، وكان يرغب في أن تنتقل للإقامة بالقرب من الأسرة في شبرا.

وكانت هذه المخاوف مرتبطة، وفق ما ورد في التحقيقات، بكونها أرملة شابة تعيش بمفردها مع طفلها.

وبالرغم من وجود الخلافات، فإن الفحص والتحريات انتهيا إلى استبعاد شقيقها من الجريمة.

بعد ذلك، اتجهت الشبهات إلى أهل الزوج، خاصة في ظل وجود خلافات مرتبطة بالميراث والشقة، إلا أن فحص هذه الدائرة لم يكشف عن القاتل أيضًا.

نقطة دم غريبة تقود إلى خيط جديد

وسط آثار الدماء التي ملأت أرجاء الشقة، ظهرت نقطة دم في الحوض وأخرى على السلم، وتبين للمحققين أنها ليست من دماء مايسة أو طفلها.

وأثارت هذه الآثار تساؤلات جديدة حول هوية الشخص الذي ارتكب الجريمة، خاصة أن وجود دماء مختلفة قد يعني أن الجاني تعرض لإصابة خلال تنفيذ الجريمة.

وبدأ المحققون في بناء فرضية جديدة، مفادها أن القاتل ربما أصيب أثناء مقاومة مايسة له، وهو ما دفعهم إلى البحث عن شخص من دائرة معارفها أو أقاربها ظهرت عليه إصابة أو آثار جرح في الفترة نفسها.

وخلال توسيع دائرة التحريات، ظهر اسم «أحمد صلاح الدين»، ابن خالة مايسة، الذي كشفت التحريات عن وجود قصة قديمة تربطه بها.

حب قديم يتحول إلى دافع للجريمة

كشفت التحريات أن أحمد كان يحب مايسة قبل زواجها، إلا أنه لم يتمكن من الارتباط بها بعدما رفضت أسرتها الزواج منه بسبب سلوكه.

ومع مرور السنوات، تزوجت مايسة من رجل آخر، قبل أن يتوفى زوجها وتعيش بمفردها مع طفلها الصغير.

وبالنسبة للمتهم، بدا أن وفاة الزوج وعيش مايسة بمفردها قد أعادا إحياء آماله القديمة في الارتباط بها، إلا أن مشاعرها تجاهه لم تتغير، إذ كانت تعتبره أحد أقاربها.

ومع تضييق الخناق عليه ومواجهته بما توصلت إليه أجهزة الأمن من أدلة وقرائن، بدأت تفاصيل الجريمة تتكشف.

جلسة إفطار تنتهي بجريمة قتل

بحسب اعترافات المتهم، توجه أحمد إلى شقة مايسة، واستقبلته بصورة طبيعية، ثم أعدت له وجبة الإفطار.

وجلس الاثنان معًا، وتناولا الطعام، وشربا الشاي باللبن، في مشهد لم يكن يوحي بما سيحدث بعد ذلك.

وخلال الجلسة، حاول المتهم التودد إلى مايسة، إلا أنها رفضت محاولاته، ومع إصراره شعرت بأن نواياه تجاهها لم تعد طبيعية.

ودخلت مايسة إلى غرفة نومها وارتدت بنطالًا في محاولة للحفاظ على سترها والابتعاد عنه، إلا أن المتهم لحق بها، وفقًا لما ورد في اعترافاته.

15 طعنة تنهي حياة مايسة

حاول المتهم الاعتداء على مايسة، إلا أنها قاومته بشدة، وتمسكت بالدفاع عن نفسها، خاصة مع وجود طفلها الصغير داخل المنزل.

وخلال المقاومة، استل المتهم سكينًا وانهال عليها بالطعنات، حتى أصيبت بـ15 طعنة متفرقة وسقطت غارقة في دمائها.

لكن الجريمة لم تتوقف عند مقتل مايسة، إذ كان طفلها كريم موجودًا داخل الشقة وشاهد ما جرى أمام عينيه.

الطفل كريم يتحول إلى شاهد يجب إسكاتُه

كان كريم، الذي لم يتجاوز 5 سنوات، شاهدًا على ما حدث لأمه، وبدأ في الصراخ بعد أن رأى والدته تسقط أمامه.

وبحسب رواية القضية، خشي المتهم أن يكشف الطفل تفاصيل الجريمة، فقرر التخلص منه أيضًا.

وأقدم على ذبح الطفل، الذي فارق الحياة بجوار والدته، بينما بقيت لعبته الصغيرة، «القرد»، بين يديه، في مشهد مأساوي ظل حاضرًا في تفاصيل القضية.

حديد النافذة.. الخدعة التي أربكت المحققين

ظل وجود حديد النافذة المثني إلى الداخل لغزًا أمام المحققين، خاصة أنه كان أحد أبرز الأدلة التي دعمت في البداية فرضية اقتحام الشقة من الخارج.

لكن عند مواجهة المتهم بهذه التفصيلة، كشف عن سبب انثناء الحديد.

فبعد ارتكاب الجريمة، أصيب بحالة من الارتباك، وحاول مغادرة الشقة، إلا أنه لم يتمكن في البداية من العثور على مفتاح «الكالون» الإضافي للباب، فاعتقد أنه أصبح محاصرًا بالداخل.

وأمام هذا الموقف، اتجه إلى النافذة وحاول الهروب منها، وشد حديدها بقوة حتى انثنى إلى الداخل.

وبعد ذلك تمكن من فتح باب الشقة والخروج، لتتحول محاولة هروبه المرتبكة إلى خدعة غير مقصودة أربكت التحقيقات في بدايتها، وجعلت المشهد يوحي بأن مجهولًا اقتحم المنزل من النافذة.

لكن تفاصيل الإفطار وآثار الدماء قادت المحققين إلى الحقيقة.

6 صفحات بخط المتهم توثق تفاصيل الجريمة

لم تتوقف القضية عند الاعترافات التي أدلى بها المتهم خلال التحقيقات، إذ كتب اعترافًا تفصيليًا بخط يده في 6 صفحات.

وروى خلالها تفاصيل علاقته بمايسة، وقصة حبه القديم لها، والظروف التي سبقت الجريمة، وصولًا إلى الاعتداء عليها وقتلها ثم التخلص من طفلها.

وبذلك اكتملت أمام جهات التحقيق صورة الجريمة، بدءًا من دخول المتهم إلى الشقة وجلوسه مع الضحية على مائدة الإفطار، وصولًا إلى ارتكاب الجريمة ومحاولة الهروب عبر النافذة.

الإعدام شنقًا.. نهاية القضية أمام المحكمة

انتهت القضية أمام المحكمة بصدور حكم بالإعدام شنقًا على المتهم، بعد إدانته بارتكاب الجريمة.

وفي جلسة النطق بالحكم، عاش والد مايسة واحدة من أقسى لحظات حياته، بعدما فقد ابنته وحفيده في واقعة واحدة.

وبحسب ما رواه اللواء محمد نور الدين، كان الأب في حالة انهيار تام أمام المحكمة، مؤكدًا أن ابنته كانت ضحية، وأنها قاومت قاتلها حتى النهاية دفاعًا عن نفسها.

وهكذا كشفت تفاصيل القضية أن المشهد الذي بدا في البداية وكأنه جريمة اقتحام نفذتها عصابة مجهولة، كان يخفي وراءه قاتلًا من دائرة معارف الضحية، وأن تفصيلة بسيطة على صينية إفطار ساعدت المحققين على تغيير مسار التحقيق والوصول إلى الحقيقة.