بعد سرقة الأرض.. مستوطنون يقلدون الزفة الفلسطينية ويثيرون غضباً واسعاً
لم يعد الصراع بالنسبة لكثير من الفلسطينيين ونشطاء مواقع التواصل مقتصراً على الأرض والاستيطان والتهجير، بل امتد إلى معركة أخرى على الهوية والثقافة والتراث، بعدما أثار مقطع مصور متداول يظهر مجموعة من المستوطنين وهم يحاكون طقوساً قريبة من الزفة الفلسطينية التقليدية موجة واسعة من الانتقادات.
ويرى منتقدو المشهد أن ما يحدث يمثل صورة جديدة من صور الاستيلاء الثقافي: فبعد السيطرة على الأرض وإقامة المستوطنات، يأتي استخدام عناصر من الموروث الشعبي الفلسطيني وكأنها منفصلة عن أصحابها الأصليين وتاريخهم.
مستوطنون يقلدون الزفة الفلسطينية في فيديو متداول
يظهر في المقطع المتداول شخصان يمتطيان حصاناً أبيض ويضعان غطاءً على وجهيهما، بينما يحيط بهما عدد كبير من المحتفلين وسط التصفيق والرقص والموسيقى العربية.
وشبّه ناشطون المشهد مباشرة بطقوس الزفة الفلسطينية والمواكب المرتبطة بالأعراس الشعبية، معتبرين أن طريقة الاحتفال والرقص والموسيقى المستخدمة تستعير عناصر واضحة من الثقافة المحلية الفلسطينية.
الدبكة والزفة جزء من الموروث الفلسطيني
ترتبط الدبكة بصورة وثيقة بالمناسبات الفلسطينية، وخصوصاً الأعراس والتجمعات الاجتماعية، كما تحولت عبر العقود إلى رمز ثقافي للهوية الفلسطينية والصمود في مواجهة محاولات المحو الثقافي. وتصف تقارير ثقافية فرق الدبكة الفلسطينية باعتبارها وسيلة للحفاظ على الجذور والهوية ونقلها بين الأجيال.
كما تُستخدم الزفة والدبكة على نطاق واسع في حفلات الزفاف الفلسطينية والعربية، باعتبارهما جزءاً من طقوس الاحتفال التقليدية المرتبطة بالموسيقى والرقص الجماعي.

من سرقة الأرض إلى سرقة التراث
بالنسبة إلى منتقدي الاستيطان، فإن المشهد لا يمكن فصله عن السياق الأوسع في الضفة الغربية، حيث تتواصل النزاعات على الأراضي والوجود السكاني والهوية.
ويصف ناشطون استخدام المستوطنين لعناصر من الثقافة الفلسطينية بأنه امتداد رمزي للاستيلاء على المكان: تبدأ العملية بالأرض، ثم تمتد إلى الطعام والملابس والأغاني والرقصات والعادات الاجتماعية، قبل إعادة تقديمها وكأنها بلا جذور فلسطينية.
وهذا توصيف سياسي وثقافي يتبناه منتقدون، وليس حكماً قانونياً مستقلاً على كل ممارسة ثقافية بعينها.
عندما تتحول الهوية إلى ساحة صراع
ليست المسألة مجرد رقصة أو أغنية.
فالتراث بالنسبة إلى الفلسطينيين يمثل سجلاً حياً للوجود على الأرض، وينقل بين الأجيال تفاصيل الحياة اليومية والأعراس والمواسم والأزياء والطعام والموسيقى.
لذلك يرى ناشطون أن انتزاع الرمز الثقافي من سياقه الفلسطيني ثم إعادة استخدامه داخل المستوطنات لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تقليد بريء، خصوصاً في ظل صراع قائم أصلاً على الأرض والانتماء والرواية التاريخية.
الأرض والهوية وجهان للصراع نفسه
تزداد حساسية هذه المشاهد لأن الضفة الغربية شهدت على مدار سنوات مواجهات مرتبطة بتوسع المستوطنات وعنف المستوطنين ضد تجمعات فلسطينية، بما في ذلك اعتداءات طالت ممتلكات ومناسبات اجتماعية. ففي 2023، وثقت الجزيرة مثلاً هجوماً لمستوطنين على بلدة ترمسعيا أدى إلى إحراق منشأة كانت عائلة فلسطينية تستخدمها استعداداً لحفل زفاف.
ومن هنا يرى منتقدون أن تقليد مظاهر الأعراس الفلسطينية بينما يعيش الفلسطينيون في الوقت نفسه تحت ضغط الاستيطان يحمل مفارقة سياسية وثقافية حادة.
مستوطنون بملامح فلسطينية.. لكن من دون الفلسطينيين
المفارقة التي أثارت غضباً واسعاً بين المتابعين هي أن المشهد يحاكي صورة فلسطينية مألوفة: حصان، زفة، موسيقى عربية، تصفيق ورقص جماعي.
لكن الفلسطيني، وفق هذا النقد، يغيب عن المشهد بينما تُستخدم عناصر تراثه.
ويرى ناشطون أن هذه العملية تصنع نسخة مفصولة عن أصحابها: الاحتفاظ بالموسيقى والرقص والملامح المحلية، مع إقصاء التاريخ الفلسطيني الذي أنتجها.
الطعام والملابس والرقص.. معركة أخرى على الرواية
لا يقتصر الجدل المتعلق بالتراث الفلسطيني على الرقص.
فعلى مدار سنوات دار نقاش واسع حول نسبة أطعمة وأزياء وأعمال فنية وموسيقية من المنطقة إلى هويات وطنية مختلفة، وهو نقاش يتداخل فيه التاريخ المشترك لبلاد الشام مع الصراع السياسي الحديث.
لكن منتقدي إسرائيل يرون أن القضية تصبح أكثر حساسية عندما تأتي هذه الممارسات من مستوطنين يعيشون في أراضٍ فلسطينية محتلة، لأنهم يعتبرونها جزءاً من عملية أكبر لإعادة تعريف هوية المكان.
سرقة الأرض لا تمحو أصحابها
يرى الفلسطينيون المدافعون عن تراثهم أن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، وإنما ترتبط باللغة والموسيقى والزي والطعام والعادات والذاكرة الجماعية.
ومن هذا المنظور، فإن الحفاظ على الدبكة والزفة والأغنية الشعبية لا يمثل مجرد اهتمام بالفنون، بل دفاعاً عن رواية ثقافية وهوية يقول أصحابها إنها مهددة بالمحو.
تقليد التراث لا يصنع جذوراً جديدة
قد يستطيع أي شخص تقليد رقصة أو ارتداء زي أو تشغيل أغنية، لكن منتقدي هذه الظاهرة يؤكدون أن تقليد عناصر الثقافة لا يمنح بالضرورة امتلاكاً لتاريخها أو جذورها.
ويختصر هذا الموقف الرسالة التي انتشرت مع الفيديو المتداول: يمكن الاستيلاء على الأرض، ويمكن تقليد التراث، لكن ذلك لا يمحو هوية أصحاب الأرض ولا التاريخ الذي أنتج هذا التراث.
فيديو يعيد فتح ملف سرقة التراث الفلسطيني
المشهد المتداول فتح مرة أخرى نقاشاً يتجاوز الحفل نفسه إلى السؤال الأكبر: ماذا يحدث عندما يصبح التراث جزءاً من صراع سياسي على الأرض والهوية؟
بالنسبة إلى منتقدي الاستيطان، فإن الصورة واضحة: الصراع لم يعد فقط على من يسيطر على الأرض، بل أيضاً على من يملك روايتها وذاكرتها وثقافتها.
ولهذا تحول فيديو قصير لاحتفال داخل مستوطنة إلى مادة سياسية وثقافية واسعة التداول، باعتباره لدى هؤلاء مثالاً على معركة فلسطينية أخرى: معركة حماية التراث من المحو وإعادة النسب.


