كوشنر يغادر إسرائيل بلا اتفاق.. نزع سلاح حماس والانسحاب يعطلان خطة ترامب لغزة
غادر جاريد كوشنر، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره، إسرائيل الاثنين 17 أغسطس 2026 دون تحقيق اختراق حاسم في الجهود الرامية إلى تنفيذ الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب في غزة، رغم يومين من المحادثات شملت لقاءً نادرًا مع قيادة حركة حماس في مصر واجتماعًا استمر قرابة أربع ساعات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس.
المشكلة الأساسية لم تعد في وجود تصور لإنهاء الحرب بقدر ما أصبحت في ترتيب خطوات التنفيذ: إسرائيل تريد نزع سلاح حماس قبل انسحاب قواتها وإعادة إعمار غزة، بينما تتمسك حماس بأن توقف إسرائيل هجماتها وتبدأ الانسحاب وتنفذ التزاماتها قبل المضي عمليًا في مسار نزع السلاح.
وهكذا عاد كوشنر من جولته دون اتفاق نهائي، لكنه خرج بتفاهمات فنية ومجموعات عمل جديدة، مع حديث أمريكي عن إمكانية ظهور أول تقدم ملموس خلال نحو شهر.
كوشنر يغادر إسرائيل دون اختراق.. ماذا حدث؟
التقى كوشنر نتنياهو في اجتماع استمر نحو أربع ساعات، بعد يوم واحد من اجتماعه في القاهرة مع خليل الحية، قائد حركة حماس، في محاولة لدفع خارطة الطريق الأمريكية المتعثرة إلى الأمام.
ووصف كوشنر لقاءه مع نتنياهو بأنه «جيد»، بينما قال إن ممثلي حماس أبدوا المواقف التي كان الجانب الأمريكي يريد سماعها، إلا أن هذه التصريحات الإيجابية لم تتحول إلى اتفاق نهائي بشأن ترتيب الانسحاب ونزع السلاح.
وهنا تظهر المفارقة: كل طرف يقول إنه مستعد للتحرك، لكنه يريد أن يبدأ الطرف الآخر أولًا.
العقدة الحقيقية.. من يتحرك أولًا؟
هذا هو جوهر الأزمة الحالية في خطة ترامب.
خارطة الطريق الأمريكية تربط بين نزع سلاح الفصائل وانسحاب القوات الإسرائيلية، على أن تنتقل إدارة غزة إلى جهة فلسطينية تكنوقراطية وتبدأ لاحقًا عملية إعادة الإعمار.
لكن إسرائيل تريد تغيير التسلسل عمليًا بحيث يسبق نزع السلاح الانسحاب.
موقف نتنياهو
نتنياهو يؤكد أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من غزة قبل نزع سلاح حماس بالكامل، بما يشمل الأسلحة والبنية العسكرية والأنفاق. كما أبلغ الجانب الأمريكي بأن الجيش سيحتفظ بحرية تنفيذ عمليات يعتبرها ضرورية لأمن إسرائيل.
موقف حماس
في المقابل، تقول حماس إن تنفيذ خارطة الطريق يجب أن يقترن بوقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب وتنفيذ الالتزامات السابقة لوقف إطلاق النار. وقالت الحركة عقب محادثاتها مع كوشنر إنها قبلت خارطة المرحلة التالية التي تتضمن وقفًا دائمًا لإطلاق النار وانسحابًا إسرائيليًا كاملًا والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار.
وبذلك يصبح الخلاف أقل ارتباطًا بصياغة الاتفاق وأكثر ارتباطًا بالسؤال الأصعب:
هل تسلم حماس سلاحها أولًا ثم تنسحب إسرائيل، أم يبدأ الانسحاب بالتوازي مع نزع السلاح؟

هل وافقت حماس فعلًا على نزع سلاحها؟
هذه النقطة تحتاج إلى قدر من الدقة بسبب اختلاف الصياغات التي خرجت من الأطراف.
قال مسؤولون مطلعون إن قادة حماس أبلغوا كوشنر خلال اجتماع مصر بالتزامهم بمسار نزع السلاح وتسليم إدارة غزة إلى حكومة فلسطينية تكنوقراطية، بينما لم يذكر البيان العلني الصادر عن الحركة بعد الاجتماع عبارة «نزع السلاح» بشكل صريح.
كما نقلت رويترز عن مسؤول في مجلس السلام أن نتنياهو أُبلغ بأن حماس التزمت بنزع سلاحها بالكامل ووقف إعادة التسلح وحفر الأنفاق.
وبالتالي فإن القضية ليست إعلانًا بسيطًا عن «تسليم السلاح غدًا»، وإنما التزام تفاوضي يحتاج إلى آلية تنفيذ وضمانات وجدول زمني واتفاق متبادل على الخطوات الإسرائيلية المقابلة.
كوشنر يتحدث عن 30 يومًا.. ماذا يقصد؟
رغم عدم تحقيق اختراق، أبدى كوشنر تفاؤلًا بإمكانية بدء خطوات عملية قريبًا.
وقال إن تقدمًا قد يظهر خلال 30 يومًا تقريبًا في عملية إخراج بعض الأسلحة، وأن العمل على إغلاق أو ردم بعض الأنفاق يمكن أن يبدأ خلال فترة تتراوح بين 60 و90 يومًا.
ولا يمثل هذا الإعلان جدولًا زمنيًا ملزمًا حتى الآن، لكنه يكشف للمرة الأولى تقريبًا عن تصور أمريكي للانتقال من الاتفاق السياسي إلى خطوات ملموسة على الأرض.
ماذا يشمل نزع السلاح؟
بحسب مسؤول في مجلس السلام، فإن التصور المطروح يشمل الأسلحة الخفيفة والثقيلة وشبكة الأنفاق، وليس فقط الصواريخ أو الأسلحة الثقيلة.
وهذه النقطة تحديدًا قد تكون من أكثر جوانب الخطة تعقيدًا في التنفيذ.
إعادة إعمار غزة أصبحت ورقة ضغط
خرج اجتماع كوشنر ونتنياهو بتفاهم واضح في ملف آخر: إعادة إعمار غزة لن تبدأ قبل إحراز تقدم في نزع السلاح.
وقال كوشنر إن الولايات المتحدة ملتزمة بخطة إعادة بناء القطاع، لكنها لا تريد ضخ أموال ضخمة في عملية إعمار يمكن أن تتعرض لاحقًا للدمار إذا اندلع القتال من جديد.
وأكد مكتب نتنياهو أن عملية نزع السلاح يجب أن تتم سريعًا وأن تسبق إعادة الإعمار.
وهكذا تحولت أموال إعادة الإعمار من ملف إنساني واقتصادي فقط إلى أداة تفاوضية مرتبطة مباشرة بالترتيبات الأمنية.
ماذا اتفق كوشنر ونتنياهو عليه بالفعل؟
رغم غياب الاتفاق السياسي النهائي، أسفر الاجتماع عن إنشاء مسارين للعمل.
الأول هو مجموعة عمل لنزع السلاح وتجريد غزة من القدرات العسكرية، والثاني يتعلق بالصرف الصحي والمياه النظيفة والصحة العامة وغيرها من الاحتياجات المدنية للقطاع.
وهذه نتيجة ليست اختراقًا، لكنها تعني أن المحادثات لم تنهَر بالكامل.
لماذا تعتبر مجموعات العمل مهمة؟
لأن المفاوضات تنتقل بذلك من المبادئ العامة إلى التفاصيل التنفيذية:
كيف ستُجمع الأسلحة؟
من سيتولى تخزينها أو تدميرها؟
كيف سيجري التعامل مع الأنفاق؟
من سيؤكد أن نزع السلاح تم بالفعل؟
ومتى تبدأ إسرائيل الانسحاب المقابل؟
هذه التفاصيل هي التي ستحدد ما إذا كانت الخطة قابلة للتحول من وثيقة سياسية إلى واقع.
حكومة فلسطينية تكنوقراطية بدلًا من حماس
تنص الخارطة الأمريكية على انتقال الإدارة المدنية في غزة إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية، مع إنهاء دور حماس في حكم القطاع.
وبحسب مصادر مطلعة على لقاء القاهرة، أبلغ قادة حماس كوشنر بأنهم مستعدون لنقل مسؤوليات الحكم إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة وعدم التدخل في عملها بعد دخولها غزة.
وهذا يعني أن الخطة لا تستهدف السلاح وحده، وإنما تغيير بنية السلطة في غزة بعد الحرب.

نتنياهو لا يمنح كوشنر ما يريده بالكامل
رغم وصف الاجتماع بأنه «عميق وبناء»، لم تقدم إسرائيل التزامًا علنيًا بتنفيذ الانسحاب المنصوص عليه في الخطة الأمريكية.
وقالت وكالة أسوشيتد برس إن الجانب الإسرائيلي لم يقدم التزامًا ملموسًا بشأن الانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها الجيش في القطاع، والتي تقدر بنحو 60% من غزة حاليًا.
وهذه إحدى أهم نقاط ضعف الجولة الأمريكية.
فكوشنر حصل من حماس، وفق المصادر الأمريكية، على تأكيدات بشأن نزع السلاح، لكنه لم يخرج في المقابل بإعلان إسرائيلي واضح عن موعد أو مراحل الانسحاب.
الانتخابات الإسرائيلية تدخل على خط مفاوضات غزة
لا يمكن فصل موقف نتنياهو عن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026.
فهو يواجه حملة انتخابية صعبة وائتلافًا يضم قوى تتبنى مواقف متشددة تجاه غزة، بينما تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن تقديم تنازلات كبيرة قبل الانتخابات سيكون سياسيًا بالغ الصعوبة بالنسبة إليه.
وهذا يعني أن كوشنر لا يتفاوض فقط مع الحسابات الأمنية الإسرائيلية، بل أيضًا مع الحسابات الانتخابية لنتنياهو.
هل يؤجل نتنياهو الاتفاق لما بعد الانتخابات؟
هذا أحد السيناريوهات الممكنة تحليليًا.
فأي انسحاب واسع من غزة قبل الانتخابات قد يستخدمه خصوم نتنياهو أو حلفاؤه الأكثر تشددًا ضده، بينما يسمح استمرار الوضع الحالي له بالقول إنه لم يتراجع عن شروطه الأمنية.
لكن التأخير يحمل مخاطرة أخرى: استمرار العمليات العسكرية قد يضعف الخطة الأمريكية نفسها ويقلل الثقة المتبادلة المطلوبة لتنفيذ نزع السلاح.
لماذا كان لقاء كوشنر مع خليل الحية مهمًا؟
اللقاء في مصر كان نادرًا بسبب طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وحماس، التي تصنفها واشنطن منظمة إرهابية.
واجتمع كوشنر مع خليل الحية بحضور مسؤولين ووسطاء إقليميين، وركز النقاش على خطوات نزع السلاح ونقل الحكم وترتيبات المرحلة المقبلة.
وكان الاجتماع ثاني لقاء معروف لكوشنر مع ممثلين عن حماس، بعدما شارك إلى جانب المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في اتصالات أكتوبر 2025 التي ساعدت في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن المتبقين.
مصر تعود إلى قلب مسار غزة
اختيار القاهرة لاستضافة اللقاء المباشر بين كوشنر وقيادة حماس يعكس استمرار الدور المصري في مسار الوساطة.
وشارك مسؤولون إقليميون في اللقاء، بينما أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لكوشنر أهمية تحقيق الاستقرار في غزة لخفض التوترات في المنطقة الأوسع، وفق مصادر مطلعة على المحادثات.
وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة لن تكون تفاوضًا أمريكيًا إسرائيليًا فلسطينيًا فقط، بل ستظل مصر وقطر وتركيا ودول المنطقة جزءًا رئيسيًا من محاولة ضمان التنفيذ.
أكثر من 1200 قتيل منذ وقف إطلاق النار
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر 2025، لم تتوقف أعمال العنف بالكامل.
ووفق بيانات نقلتها رويترز عن مسؤولي الصحة في غزة والجيش الإسرائيلي، قُتل أكثر من 1200 فلسطيني وأربعة جنود إسرائيليين منذ أكتوبر 2025.
وتكشف هذه الأرقام هشاشة وقف إطلاق النار، وتفسر سبب إصرار حماس على وقف الهجمات قبل تنفيذ التزامات إضافية، في مقابل إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بحرية العمل العسكري ضد ما تعتبره تهديدًا.
هل فشلت زيارة كوشنر؟
الجواب يعتمد على المقصود بكلمة «فشل».
إذا كان الهدف هو الحصول على اتفاق نهائي من نتنياهو وحماس وبدء التنفيذ فورًا، فإن الجولة لم تحقق ذلك. رويترز وصفت المحادثات بأنها انتهت دون اختراق، وأسوشيتد برس قالت إن إسرائيل لم تقدم التزامًا نهائيًا بالخطة.
أما إذا كان الهدف تضييق فجوة الخلاف ووضع آليات عمل، فقد تحققت بعض النتائج، أبرزها تأكيد الموقف الأمريكي بشأن نزع السلاح وإنشاء مجموعتي العمل والاستمرار في مناقشة الخطوات المتبادلة.
ولهذا يمكن وصف النتيجة بأنها:
تقدم تقني محدود دون اختراق سياسي.
نقطة الخلاف أخطر من مجرد السلاح
في الظاهر، يتفاوض الطرفان حول البنادق والصواريخ والأنفاق.
لكن في العمق، الخلاف يتعلق بـمن يثق بمن أولًا.
حماس تخشى أن تتخلى عن قدرتها العسكرية ثم تبقى القوات الإسرائيلية داخل غزة.
وإسرائيل تقول إنها تخشى الانسحاب ثم إعادة بناء حماس لقدراتها العسكرية.
والمشكلة أن خطة ترامب تتطلب أن يقدم الطرفان خطوات متزامنة تقريبًا، بينما يريد كل طرف ضمان تنفيذ الآخر قبل أن يقدم تنازله الأساسي.
وهذه هي الحلقة التي لم يستطع كوشنر كسرها خلال جولته.
السيناريو الأول.. بدء نزع محدود للسلاح خلال 30 يومًا
إذا تمكن الوسطاء من تحويل تصريحات حماس إلى إجراءات ملموسة، فقد تبدأ عملية محدودة لتسليم أو تخزين بعض الأسلحة، تتبعها خطوات إسرائيلية مقابلة.
وتحدث كوشنر بالفعل عن إمكانية رؤية تقدم في ملف الأسلحة خلال شهر تقريبًا.
وسيكون ذلك أول اختبار حقيقي لمدى استعداد الجانبين لتنفيذ الخطة.
السيناريو الثاني.. انسحاب إسرائيلي محدود مقابل خطوات من حماس
وفق مصادر نقلت عنها Axios، يريد مجلس السلام أن تقابل إسرائيل أي خطوات ملموسة لنزع السلاح بخطوات من جانبها، من بينها السماح بانتشار قوة استقرار دولية، والبدء في الإعمار ببعض المناطق، ومناقشة عمليات انسحاب أولية للقوات الإسرائيلية.
وهذا السيناريو يمثل أقرب تطبيق عملي لفكرة «الخطوات المتبادلة».
السيناريو الثالث.. تجميد الاتفاق حتى الانتخابات الإسرائيلية
إذا رفض نتنياهو تقديم التزامات بشأن الانسحاب، وظلت حماس تربط التنفيذ بهذه الخطوة، فقد تبقى المفاوضات معلقة حتى اقتراب الانتخابات الإسرائيلية أو انتهائها.
وهو سيناريو يمكن أن يجعل كل تفاهمات كوشنر الحالية عرضة للتآكل مع استمرار العمليات العسكرية وانعدام الثقة.
السيناريو الرابع.. انهيار الخطة واستئناف الحرب على نطاق أوسع
يبقى هذا السيناريو الأخطر.
إذا فشلت ترتيبات نزع السلاح وتصاعدت الضربات الإسرائيلية أو حاولت حماس إعادة بناء قدراتها العسكرية، فقد ينهار وقف إطلاق النار بصورة أوسع.
ولهذا تحاول واشنطن تحويل التفاهمات الحالية إلى خطوات عملية قبل أن يفقد المسار السياسي زخمه.
كوشنر لم يحل المعضلة لكنه كشفها بوضوح
جولة جاريد كوشنر بين القاهرة والقدس لم تنتج اتفاقًا نهائيًا، لكنها كشفت بوضوح نقطة الصدام التي ستقرر مستقبل حرب غزة.
حماس مطالبة بالتخلي عن سلاحها وبنيتها العسكرية، وإسرائيل مطالبة بالانسحاب، لكن كل جانب يريد ضمان تنفيذ التزام الطرف الآخر أولًا.
كوشنر خرج بتفاؤل عن إمكانية بدء خطوات تخص الأسلحة خلال 30 يومًا والأنفاق خلال 60 إلى 90 يومًا، كما تم الاتفاق على مجموعات عمل لنزع السلاح والصحة العامة، لكن نتنياهو لم يقدم حتى الآن التزامًا علنيًا بالانسحاب وفق الجدول الذي تريده حماس.
لذلك فإن المعركة المقبلة ليست على صياغة خطة جديدة، بل على تحديد من سيخطو الخطوة الأولى.
وإذا لم تنجح واشنطن والوسطاء في بناء آلية تجعل نزع السلاح والانسحاب عمليتين متوازيتين وقابلتين للتحقق، فقد تبقى خطة ترامب معلقة بين موافقة مشروطة من حماس ورفض إسرائيلي لطريقة تنفيذها، فيما تظل إعادة إعمار غزة ومستقبل نحو مليوني فلسطيني مرتبطين بنتيجة هذا الصراع السياسي والأمني.


