كانت الطفلة الرضيعة «إيمان» لا تزال في شهورها الأولى، تنام في أحضان والدتها، دون أن تدرك أن دقائق قليلة ستغير حياتها إلى الأبد. فقد استيقظت الصغيرة على اهتزاز جسد أمها، بعدما أقدم والدها على تسديد 12 طعنة لها في الرقبة، قبل أن تمتد الجريمة إلى الرضيعة نفسها.
القصة بدأت بخلافات زوجية متكررة، وانتهت بجريمة قتل مزدوجة، بعدما توجه الزوج إلى قسم الشرطة وأبلغ عن ارتكابه الواقعة، مدعيًا أن شكوكه في سلوك زوجته كانت وراء الجريمة، إلا أن التحقيقات كشفت رواية أخرى بشأن الدافع.
زواج بدأ سريعًا وانتهى بجريمة مأساوية
تعود بداية القصة إلى مطلع يوليو 2016، عندما تقدم «حازم»، البالغ من العمر 32 عامًا، والذي كان يعمل طباخًا بأحد المطاعم في منطقة المهندسين بالجيزة، لخطبة «سارة»، الحاصلة على بكالوريوس إعلام وتعمل بأحد المواقع الإخبارية.
وكان الزوج قد سبق له الزواج من أخرى، إلا أن زواجه الأول لم يستمر أكثر من شهر، قبل أن ينفصل عنها.
وبعد فترة خطوبة لم تتجاوز شهرًا، تزوج حازم من سارة، وانتقل الزوجان إلى شقة مستأجرة بمنطقة ترسا في أبو النمرس، بالطابق الخامس، وكانت الشقة تقع في مواجهة منزل أسرة الزوجة.
في بداية الزواج، بدت الحياة مستقرة، حيث كان الزوج يتوجه إلى عمله في أحد مطاعم المهندسين، بينما كانت سارة تجمع بين عملها في أحد المواقع الإخبارية ومسؤولياتها المنزلية.
لكن الاستقرار لم يستمر طويلًا، وبدأت الخلافات تظهر تدريجيًا بين الزوجين.
خلافات بسبب المصروفات والإنفاق
بحسب رواية أسرة سارة، بدأت المشكلات بسبب رفض الزوج الإنفاق بالشكل الكافي على زوجته، وعدم اهتمامه بمتابعة حملها لدى الأطباء، إلى جانب نشوب خلافات متكررة بينهما.
وقال شقيق المجني عليها، «عماد. ح»، إن شقيقته عاشت منذ بداية زواجها في خلافات مستمرة مع زوجها، مشيرًا إلى أنه كان يعتدي عليها بالضرب، ولا ينفق عليها بصورة كافية، كما اتهمه بسرقة أموالها.
وأضاف أن الزوج كان يمنح شقيقته نحو 600 جنيه شهريًا لتدبير احتياجات المنزل، من طعام وشراب وغاز وكهرباء وغيرها من المصروفات.
وحاولت أسرة الزوجة التدخل أكثر من مرة لإنهاء الخلافات وإصلاح العلاقة بين الطرفين، إلا أن المشكلات كانت تهدأ لفترة قصيرة قبل أن تعود من جديد.
الحمل زاد من حدة الخلافات
مع حمل سارة بطفلها الأول، استمرت الخلافات بين الزوجين، إلا أن الزوجة، بحسب رواية أسرتها، كانت حريصة على استمرار الزواج، ولم تكن تريد أن يأتي مولودها إلى الدنيا بعيدًا عن والده.
وبحسب أقوال شقيقها، ازدادت الخلافات بعدما علم الزوج أن الجنين أنثى، خاصة أنه كان يرغب في إنجاب ولد.
وأشار إلى أن أسرة الزوج كانت تنحاز إلى نجلها خلال الخلافات الزوجية، لافتًا إلى أن الزوج رفض، وفق روايته، تحمل تكاليف علاج زوجته يوم ولادتها، ما دفع أسرة سارة إلى تحمل نفقات الولادة.
«بنت إيه اللي أنت جايبها؟»
بعد ولادة الطفلة، أطلقت سارة عليها اسم «إيمان»، تيمّنًا باسم والدتها.
وبحسب رواية شقيق المجني عليها، لم تكن أسرة الزوج سعيدة بإنجاب طفلة، ونقل عن والدة الزوج قولها لابنها: «بنت إيه اللي أنت جايبها، روح ادفنها».
واستمرت الخلافات بين الزوجين بعد ولادة الطفلة، في ظل مشكلات مالية وأسرية متكررة.
يوم الجريمة.. مشادة تنتهي بـ12 طعنة
في الجمعة الأولى من يوليو 2017، كانت الساعة تقترب من التاسعة والنصف صباحًا، عندما حاولت سارة إيقاظ زوجها من النوم للذهاب إلى عمله.
إلا أن الزوج رفض الاستيقاظ، ونشبت بينهما مشادة كلامية.
وبعد انتهاء الخلاف، تركت سارة زوجها وعادت إلى غرفة النوم، حيث استلقت للنوم إلى جوار طفلتها الرضيعة التي كانت بين أحضانها.
وبحسب ما ورد في التحقيقات، انتظر الزوج نحو 45 دقيقة، حتى تأكد من استغراق زوجته في النوم، ثم توجه إلى غرفة النوم حاملًا سكينًا.
وأقدم على تسديد 12 طعنة إلى رقبة زوجته، بينما كانت رضيعتها نائمة في أحضانها.
الجريمة لم تتوقف عند الأم
لم تنته الجريمة بمقتل سارة، إذ أقدم الزوج كذلك على قتل طفلته الرضيعة «إيمان».
وبعد ارتكاب الجريمة، حمل الزوج السكين الملطخ بالدماء وتوجه إلى قسم الشرطة، وأبلغ عن ارتكابه الجريمة.
وخلال أقواله الأولى، حاول المتهم تبرير ما فعله بالحديث عن شكوكه في سلوك زوجته.
إلا أن تلك الرواية لم تصمد أمام ما توصلت إليه التحقيقات والتحريات.
التحقيقات تكشف الدافع الحقيقي
كشفت التحقيقات، وفق ما ورد في القضية، أن أقوال المتهم بشأن شكه في سلوك زوجته لم تتفق مع نتائج التحريات أو أقوال الشهود.
وأكدت التحريات وأقوال المحيطين بالأسرة حسن سمعة الزوجة، بينما كشفت التحقيقات عن وجود خلافات مالية وزوجية متواصلة بين الزوجين، خاصة فيما يتعلق بمصروفات المنزل، على مدار نحو 6 أشهر.
وانتهت النيابة إلى أن الخلافات المالية كانت الدافع وراء الجريمة، وليس الشك في سلوك الزوجة كما ادعى المتهم.
كما سجلت النيابة اعترافات تفصيلية للمتهم بشأن ارتكاب الواقعة، ووجهت إليه تهمة القتل العمد.
تمثيل الجريمة أمام النيابة
أمرت النيابة باقتياد المتهم إلى مسرح الجريمة لتمثيل الواقعة بالصوت والصورة، وذلك أمام شريف جودة، وكيل أول نيابة حوادث جنوب الجيزة.
وخلال إجراءات التحقيق، قررت النيابة حبس المتهم 4 أيام على ذمة التحقيقات، مع طلب تحريات المباحث النهائية حول ملابسات الواقعة ودوافع ارتكابها.
تقرير مستشفى الصحة النفسية يحسم الحالة العقلية
في تطور لاحق، قررت نيابة حوادث جنوب الجيزة الكلية عرض المتهم على مستشفى الصحة النفسية بالعباسية، للوقوف على مدى سلامته العقلية والنفسية وقت ارتكاب الجريمة.
وأودع المتهم المستشفى، وخضع للفحص بمعرفة لجنة طبية ثلاثية، التي تولت تقييم حالته النفسية والعقلية.
وبحسب التقرير الطبي الذي تسلمته النيابة، تبين أن المتهم كان يعاني من اضطرابات سلوكية وعقلية حادة، وانتهى التقرير إلى عدم مسؤوليته الجنائية عن تصرفاته وقت ارتكاب الجريمة.
وتسلمت نيابة حوادث جنوب الجيزة تقرير اللجنة الطبية الثلاثية بعد انتهاء فترة إيداع المتهم بالمستشفى وفحص حالته، لتستكمل إجراءاتها القانونية في القضية.
وهكذا كشفت أوراق القضية عن نهاية مأساوية لأسرة بدأت حياتها الزوجية بصورة طبيعية، قبل أن تتحول الخلافات المتراكمة إلى جريمة مزدوجة، راح ضحيتها أم وطفلتها الرضيعة.


