ترامب يهدد سلطنة عمان بالقصف.. ماذا وراء التصعيد الأمريكي المفاجئ ضد مسقط؟
وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديدًا مباشرًا إلى سلطنة عمان، قائلاً خلال مقابلة هاتفية مع «فوكس نيوز» إن الولايات المتحدة ستقصف عمان إذا «وقفت في الطريق»، بالتزامن مع مطالبة إيران برفع «راية الاستسلام البيضاء». وتؤكد رويترز أن التصريحات جاءت في اليوم الذي انتهت فيه مهلة الستين يومًا المخصصة للتوصل إلى اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران دون تحقيق اختراق.
التهديد لا يمكن النظر إليه باعتباره مترامب يهدد سلطنة عمان.. لماذا تحولت مسقط من وسيط بين واشنطن وطهران إلى هدف للتهديد؟
دخلت الحرب الأمريكيجرد جملة غاضبة عابرة، لأن عمان ليست طرفًا في الحرب، بل لعبت تاريخيًا دور الوسيط بين واشنطن وطهران، كما أن الولايات المتحدة نفسها وصفت علاقتها بمسقط مطلع 2026 بأنها شراكة تسعى الدولتان إلى تعميقها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
الأكثر لفتًا للانتباه أن تصريحات ترامب لا تستهدف إيران وحدها هذه المرة، وإنما تضغط على الوسيط الذي يحاول بناء مخرج من الأزمة.
ماذا قال ترامب عن إيران وعمان؟
طالب ترامب إيران بالاستسلام، وقال في حديثه لـ«فوكس نيوز» إنه يتعين عليها رفع الراية البيضاء، بينما أكد مجددًا أن الهدف الأساسي للولايات المتحدة هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
لكن العبارة الأكثر خطورة تعلقت بعمان. فقد هدد ترامب بضرب السلطنة إذا تدخلت بطريقة يعتبرها عائقًا أمام السياسة الأمريكية في مضيق هرمز. ولم تكن هذه المرة الأولى؛ إذ سبق أن هدد عمان بالقصف قبل نحو ثلاثة أشهر على خلفية الخلاف بشأن ترتيبات محتملة بين مسقط وطهران لتنظيم حركة الملاحة في المضيق.
وهنا تكمن أهمية التطور: نحن لسنا أمام زلة لسان منفردة، بل أمام تهديد تكرر في سياق خلاف سياسي محدد يتعلق بمن يملك حق إدارة حركة الملاحة في هرمز.

لماذا أصبحت سلطنة عمان في مرمى ترامب؟
جوهر الأزمة ليس خلافًا أمريكيًا عمانيًا تقليديًا، وإنما مضيق هرمز.
تجري عمان وإيران محادثات تستهدف استعادة حركة الشحن التجاري عبر المضيق، بينما تريد واشنطن ضمان حرية الملاحة وفق الشروط التي تفرضها عملياتها البحرية والحصار المفروض على إيران.
ويمثل المضيق شريانًا بالغ الحساسية للاقتصاد العالمي. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، كان يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا في 2024، بما يعادل نحو 20% من استهلاك السوائل البترولية عالميًا، كما مر عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وبالتالي، لم يعد الصراع يدور فقط حول البرنامج النووي الإيراني، بل حول سؤال استراتيجي أكبر:
من يتحكم عمليًا في بوابة الخليج إلى العالم؟
هرمز يتحول من ورقة إيرانية إلى محور الحرب
منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026 تعطلت حركة الملاحة عبر المضيق بصورة كبيرة، وأثّر ذلك في صادرات الطاقة وأسعار النفط والغاز. وتقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن تعطل هرمز أدى إلى انخفاض المخزونات العالمية، بينما تتوقع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 85 دولارًا للبرميل في الربع الثالث من 2026.
وفي المقابل، وسّعت القوات الأمريكية عملياتها البحرية، وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية عن اعتراض وإعادة توجيه سفن في إطار الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، إضافة إلى عمليات عسكرية لضمان الملاحة.
لهذا يصبح أي اتفاق عماني إيراني بشأن المضيق حساسًا للغاية بالنسبة لواشنطن، خصوصًا إذا رأت الإدارة الأمريكية أنه يمنح طهران اعترافًا عمليًا بحق فرض قواعد أو رسوم على حركة السفن.
ترامب لا يهدد عمان بقدر ما يهدد نموذج الوساطة العمانية
سلطنة عمان بنت جزءًا كبيرًا من نفوذها الإقليمي على قدرتها على الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع أطراف متخاصمة في الوقت نفسه.
والمفارقة أن واشنطن ومسقط عقدتا في يناير 2026 الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي الأمريكي العماني، وأكدتا التزامهما بتعميق الشراكة. كما شاركت عمان في يوليو في حوار أمني إقليمي نظمته القيادة المركزية الأمريكية وركز على التعاون الدفاعي وحرية التجارة عبر هرمز.
ومن هنا تبدو رسالة ترامب شديدة القسوة:
يمكن لعمان أن تتوسط، ولكن ليس إذا أدت الوساطة إلى نتيجة تتعارض مع التصور الأمريكي لمستقبل هرمز.
وهذه نقطة قد تكون أخطر على مسقط من التهديد العسكري نفسه، لأنها تضرب المبدأ الذي قامت عليه سياستها الخارجية لعقود: الوساطة دون الانحياز الكامل لأي محور.

هل ترامب جاد في قصف سلطنة عمان؟
لا توجد مصادر معلنة تؤكد إلى بدء استعداد عسكري أمريكي لضرب عمان، بينما لا تزال القيادة المركزية الأمريكية تتعامل علنًا مع السلطنة باعتبارها شريكًا في ترتيبات الأمن الإقليمي.
ولذلك، الأرجح تحليليًا في المرحلة الحالية أن التهديد يمثل أداة ضغط تفاوضية وردعًا سياسيًا أكثر من كونه إعلانًا عن عملية عسكرية وشيكة.
لكن ذلك لا يعني أن التصريح بلا خطورة.
فعندما يصدر التهديد مرتين من رئيس الولايات المتحدة ضد دولة شريكة وتقع في قلب منطقة عمليات عسكرية، فإن احتمال سوء التقدير يرتفع حتى إذا كان الهدف الأصلي هو الضغط فقط.
ماذا يريد ترامب من هذا التصعيد؟
يمكن قراءة الخطاب الأمريكي على ثلاثة مستويات.
أولًا: إجبار إيران على التراجع
استخدام عبارة «الاستسلام» يعني أن ترامب يحاول تغيير طبيعة التفاوض من صفقة بين طرفين إلى تفاوض بين منتصر ومهزوم.
وهو ما يجعل تقديم تنازلات من الجانب الإيراني أكثر صعوبة سياسيًا، لأن طهران ستواجه عندها اتهامًا داخليًا بأنها استجابت لإملاءات أمريكية بعد الحرب.
ثانيًا: منع اتفاق عماني إيراني منفصل
واشنطن لا تريد أن تتحول مسقط إلى قناة تنتج اتفاقًا بشأن هرمز يمنح إيران مكاسب لم تستطع الحصول عليها مباشرة من الولايات المتحدة.
ومن ثم يمكن فهم التهديد باعتباره محاولة لوضع سقف مسبق لما تستطيع عمان التفاوض عليه.
ثالثًا: الضغط من أجل خفض تكلفة الحرب داخليًا
الحرب وتعطل هرمز تسببا في ضغوط على أسعار الطاقة، فيما تقترب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر. ترامب نفى أن تؤثر الانتخابات في قراراته بشأن إيران، لكن رويترز تشير إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والحرب غير الشعبية داخليًا يزيدان الضغط السياسي على إدارته.
مفارقة ترامب.. يطلب إنهاء الحرب ويهدد بفتح جبهة جديدة
هنا تظهر أهم مفارقة في التصريحات.
ترامب يقول إنه يريد إنهاء الحرب مع إيران، لكنه في الوقت نفسه يهدد باستخدام القوة ضد دولة ليست طرفًا في الحرب وتعمل كوسيط.
وإذا تحول التهديد نظريًا إلى عمل عسكري، فإن النتيجة لن تكون تقليص الحرب بل توسيعها من مواجهة أمريكية إيرانية إلى أزمة خليجية أوسع.
كما أن ذلك سيضع بقية دول الخليج أمام سؤال بالغ الحساسية بشأن طبيعة الضمانات والشراكات الأمنية مع واشنطن إذا أصبح خلاف سياسي حول الوساطة كافيًا لصدور تهديد عسكري ضد أحد الشركاء.
ماذا يعني التهديد للعلاقات الأمريكية الخليجية؟
المشكلة بالنسبة للدول الخليجية تتجاوز عمان.
فإذا كانت دولة تحافظ على علاقات استراتيجية مع واشنطن ويمكنها أن تتعرض لتهديد عسكري بسبب خلاف حول إدارة أزمة إقليمية، فقد تعيد دول أخرى حساباتها فيما يتعلق بدرجة الاعتماد على الولايات المتحدة.
ومن المحتمل أن يدفع ذلك ـ على المدى البعيد ـ بعض العواصم الخليجية إلى زيادة تنويع علاقاتها الدفاعية والسياسية، ليس بالضرورة على حساب واشنطن مباشرة، ولكن لتجنب الاعتماد الكامل على قوة واحدة.
وهذه نتيجة معاكسة تمامًا لهدف الولايات المتحدة في الاحتفاظ بدورها بوصفها الطرف الأمني الأكثر نفوذًا في الخليج.
إيران المستفيد السياسي الأول من تهديد عمان؟
رغم أن التهديد موجّه إلى عمان، فإن طهران قد تكون المستفيد السياسي الأكبر منه.
إيران تستطيع استخدام التصريح لتقديم نفسها أمام دول الخليج باعتبار أن الصراع لم يعد فقط مواجهة أمريكية إيرانية، وأن واشنطن يمكن أن تهدد حتى الدول التي تحاول التوسط.
وقد سبق لطهران أن أعلنت تضامنها مع عمان بعد تهديد أمريكي سابق، معتبرة أن تهديد دولة عضو في الأمم المتحدة يمثل تصعيدًا خطيرًا.
وكلما ازدادت الفجوة بين مسقط وواشنطن، أصبحت قدرة إيران على التفاوض مع عمان بصورة منفصلة أكبر.
ماذا عن القانون الدولي؟
تنص المادة 2 الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة على امتناع الدول عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي دولة أخرى أو استقلالها السياسي. كما يقر الميثاق حق الدفاع عن النفس عند وقوع هجوم مسلح وفق المادة 51.
لذلك فإن التهديد العلني بضرب عمان يثير إشكالية قانونية جدية في ضوء مبدأ حظر التهديد باستخدام القوة، خصوصًا إذا لم يكن مرتبطًا بدفاع عن النفس في مواجهة هجوم مسلح عماني.
أما التقييم القانوني النهائي لأي استخدام فعلي للقوة فسيتوقف على الظروف والمبررات التي ستقدمها واشنطن وقتها.
الأسواق لم تصدق حتى الآن أن القصف وشيك
رغم حدة تصريحات ترامب، لم تشهد أسعار النفط قفزة مماثلة لحجم التهديد فور صدوره. وأفادت رويترز بأن خام برنت تحرك حول 88.58 دولارًا للبرميل خلال تعاملات الاثنين، في إشارة إلى أن الأسواق كانت قد استوعبت بالفعل قدرًا كبيرًا من مخاطر تعطل الإمدادات.
وهذا مؤشر مهم.
فالأسواق، حتى الآن، تتعامل مع تصريحات ترامب باعتبارها تصعيدًا تفاوضيًا داخل حرب قائمة أكثر من كونها إعلانًا عن جبهة أمريكية عمانية جديدة.
لكن أي انتقال من الكلام إلى تحرك عسكري أمريكي ضد الأراضي العمانية سيغير هذه المعادلة فورًا، لأن الصراع حينها سيمتد مباشرة إلى الضفة الجنوبية لمضيق هرمز.
السيناريوهات المقبلة.. ماذا يمكن أن يحدث؟
السيناريو الأكثر ترجيحًا: استمرار الضغط الأمريكي على مسقط مع إبقاء قنواتها مع طهران مفتوحة، ومحاولة تعديل أي تفاهم بشأن هرمز بحيث تقبله واشنطن.
السيناريو الثاني: تتراجع عمان مؤقتًا عن بعض مقترحاتها وتترك واشنطن وطهران تواجهان بعضهما مباشرة، وهو ما سيقلل فرص التوصل إلى تسوية سريعة.
السيناريو الثالث: تتجاهل مسقط الضغط وتستمر في تفاهماتها مع إيران، لتبدأ أزمة سياسية أمريكية عمانية قد تشمل ضغوطًا اقتصادية وأمنية قبل الوصول إلى أي خيار عسكري.
أما القصف المباشر لعمان فيظل، بناءً على المعطيات العلنية الحالية، السيناريو الأقل ترجيحًا، لكنه لم يعد قابلًا للاستبعاد نظريًا بعد تكرار التهديد من ترامب.
المعركة أصبحت على من يملك مفاتيح هرمز
ما يجري أكبر من مجرد تهديد أمريكي لعمان.
الصراع دخل مرحلة أصبحت فيها السيطرة السياسية والأمنية على مضيق هرمز جزءًا من شروط إنهاء الحرب نفسها.
إيران تريد الاحتفاظ بدورها في إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والولايات المتحدة تريد ضمان أن تستطيع التجارة الدولية المرور دون خضوع لشروط إيرانية، بينما تحاول عمان إيجاد صيغة تمنع تحول المضيق إلى ساحة حرب دائمة.
تهديد ترامب لمسقط يكشف أن هامش الوساطة يضيق بسرعة، وأن واشنطن انتقلت من الضغط على الخصم الإيراني إلى الضغط حتى على الوسيط عندما تعتقد أن تسويته قد تمنح طهران مكاسب.
ولهذا فإن أخطر ما في تصريح ترامب ليس احتمال قصف عمان غدًا، وإنما أن الدولة التي كانت تمثل أحد آخر الجسور بين واشنطن وطهران أصبحت هي نفسها جزءًا من المواجهة.


