بعد خلافات طويلة.. المياه تعود إلى مجاريها بين ترامب وماسك وتكريم علمي في البيت الأبيض
بعد أشهر من التوتر والخلافات العلنية، تبدو العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والملياردير إيلون ماسك وكأنها دخلت مرحلة جديدة من التقارب، مع عودة ماسك إلى البيت الأبيض وظهوره مجددًا ضمن دوائر الإدارة الأمريكية، وصولًا إلى قرار ترامب منحه الميدالية الوطنية للعلوم، وهي أرفع تكريم أمريكي يُمنح للعلماء والمهندسين.
ومن المقرر أن يشارك ترامب اليوم الخميس في فعالية علمية بالبيت الأبيض تركز على مستقبل البحث العلمي وتمويل الابتكار، على أن يمنح خلالها الميدالية الوطنية للعلوم لكل من إيلون ماسك، والمؤسس المشارك لجوجل سيرغي برين، ورئيس إنفيديا جنسن هوانغ، ورئيسة شركة إيه إم دي ليزا سو.
من الخصومة إلى التكريم
تأتي هذه الخطوة بعد فترة شهدت خلافًا علنيًا بين ترامب وماسك، خاصة بعد مغادرة الأخير موقعه الحكومي المرتبط بجهود خفض الإنفاق، ثم دخولهما في مواجهة سياسية وإعلامية حول عدد من سياسات الإدارة.
لكن المشهد تغير تدريجيًا خلال الأسابيع الأخيرة، إذ عاد ماسك للمشاركة في اجتماعات بالبيت الأبيض، كما أصبح جزءًا من مشروع استشاري تابع للبنتاغون لدراسة مستقبل الحروب والتكنولوجيا العسكرية، في مؤشر واضح على عودته إلى دوائر صنع القرار في واشنطن.

تكريم ماسك.. رسالة تتجاوز المصالحة الشخصية
تكريم ماسك بالميدالية الوطنية للعلوم لا يبدو مجرد خطوة رمزية في مسار المصالحة مع ترامب، بل يعكس أيضًا تقدير الإدارة الأمريكية للدور الذي لعبته شركاته في مجالات الفضاء والاتصالات والطاقة والتكنولوجيا.
فشركة سبيس إكس رسخت مكانتها في صناعة الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، بينما توسعت شبكة ستارلينك لتوفير الإنترنت عبر الأقمار الصناعية في مناطق واسعة حول العالم.
كما لعبت تسلا دورًا رئيسيًا في تحويل السيارات الكهربائية إلى سوق صناعية ضخمة، في وقت توسع فيه ماسك في الذكاء الاصطناعي عبر مشروعاته الجديدة.
ورغم أن البيت الأبيض لم ينشر حتى الآن صياغة تفصيلية لأسباب منح ماسك الميدالية، فإن اختياره إلى جانب أبرز قادة التكنولوجيا الأمريكيين يحمل رسالة واضحة بأن الإدارة تريد وضع القطاع الخاص ورجال التكنولوجيا في قلب مشروعها لإعادة صياغة مستقبل البحث العلمي الأمريكي.
برين وهوانغ وليزا سو إلى جانب ماسك
لا يقتصر التكريم على ماسك وحده.
فالميدالية الوطنية للعلوم ستمنح أيضًا إلى سيرغي برين، أحد مؤسسي جوجل، وإلى جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، وإلى ليزا سو، الرئيسة التنفيذية لشركة إيه إم دي.
ويعكس اختيار هذه الأسماء الأربعة تركيز الإدارة الأمريكية على مجالات الذكاء الاصطناعي والرقائق والحوسبة والفضاء، وهي القطاعات التي أصبحت أساس المنافسة التكنولوجية العالمية.
ديل ونادالا يحصلان على وسام التكنولوجيا والابتكار
وفي الفعالية نفسها، سيحصل مايكل ديل، الرئيس التنفيذي لشركة ديل تكنولوجيز، وساتيا نادالا، الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت، على الميدالية الوطنية للتكنولوجيا والابتكار، وهي أعلى جائزة أمريكية في مجال الإنجاز التكنولوجي.
وبذلك تجمع الفعالية أسماء تمثل أكبر الشركات المؤثرة في التكنولوجيا الأمريكية، من الحوسبة السحابية والرقائق إلى الفضاء والذكاء الاصطناعي.
ترامب يضع القطاع الخاص في المقدمة
الاحتفال يأتي ضمن توجه أوسع لإدارة ترامب لإعادة هيكلة منظومة البحث العلمي الأمريكية.
ففي يوليو الماضي، قدم مستشار البيت الأبيض للعلوم والتكنولوجيا مايكل كراتسيوس تقريرًا بعنوان «العلم: عصر ذهبي جديد»، دعا فيه إلى منح الباحثين مساحة أكبر، وتقليل القيود البيروقراطية، وزيادة دور القطاع الخاص في تمويل وتطوير الابتكار.
ويرى التقرير أن الولايات المتحدة تحتاج إلى إعادة بناء منظومتها العلمية بما يناسب عصر الذكاء الاصطناعي والمنافسة التكنولوجية مع القوى الكبرى.
الذكاء الاصطناعي في قلب المشروع الأمريكي
أطلقت إدارة ترامب كذلك «مهمة جينيسيس»، وهي مبادرة وطنية تهدف إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع الاكتشافات العلمية، وربط المختبرات الحكومية والجامعات والشركات الخاصة في مشروعات مشتركة.
وتراهن الإدارة على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يغير طريقة إجراء الأبحاث العلمية جذريًا، من اكتشاف الأدوية إلى تصميم المواد الجديدة والطاقة والفيزياء.
عائلة ترامب والميدالية نفسها
يحمل التكريم أيضًا مفارقة عائلية لافتة.
فقد حصل جون جورج ترامب، عم الرئيس الأمريكي وأستاذ الهندسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، على الميدالية الوطنية للعلوم عام 1983 من الرئيس رونالد ريغان، تقديرًا لإسهاماته في تطبيقات الإشعاع عالي الجهد في الطب والصناعة والفيزياء.
وبعد أكثر من أربعة عقود، يعود اسم ترامب ليرتبط بالجائزة مرة أخرى، ولكن هذه المرة من موقع الرئيس الذي يمنحها لأبرز قادة التكنولوجيا في أمريكا.
هل انتهى خلاف ترامب وماسك؟
سياسيًا، يصعب القول إن كل الخلافات السابقة اختفت نهائيًا، لكن المؤشرات الحالية تشير بوضوح إلى عودة قوية للتقارب.
ماسك شارك مؤخرًا في فعاليات داخل البيت الأبيض، وحضر عشاء الدولة الذي أقامه ترامب للرئيس الصيني شي جين بينغ، كما عاد للتعاون مع الإدارة في ملفات الذكاء الاصطناعي والدفاع.
ومن ثم فإن منحه الميدالية الوطنية للعلوم يمثل أقوى إشارة حتى الآن إلى أن مرحلة القطيعة بين الرجلين أصبحت في الماضي.
المصالح بتتصالح وعودة العلاقات العلاقة
العلاقة بين ترامب وماسك لم تكن تقليدية منذ البداية.
فهي جمعت بين السياسة والتكنولوجيا والمال والنفوذ، ولهذا كان من الطبيعي أن تتحرك وفق المصالح أكثر من العلاقات الشخصية.
ترامب يحتاج إلى رموز التكنولوجيا الأمريكية في معركته للحفاظ على التفوق الأمريكي في الذكاء الاصطناعي والفضاء والرقائق.
وماسك، في المقابل، يدير شركات تعتمد بدرجات مختلفة على عقود حكومية وقرارات تنظيمية وسياسات دفاعية وفضائية.
لذلك فإن عودة العلاقة بين الطرفين تبدو منطقية من زاوية المصالح المتبادلة.
من الخلاف إلى صورة المصالحة
قبل عام فقط، كان الحديث يدور عن نهاية العلاقة بين ترامب وماسك.
أما اليوم، فإن ماسك يعود إلى البيت الأبيض ليحصل من ترامب شخصيًا على أرفع تكريم علمي في الولايات المتحدة.
وإذا كان الخلاف السابق قد كشف هشاشة العلاقة بين رجلين يتمتعان بشخصيتين شديدتي الحضور، فإن التطورات الأخيرة تؤكد أن المصالح والتكنولوجيا والسياسة أعادت المياه إلى مجاريها.







