سودانيون بالخارج يتحدثون عن عروض مالية للتحريض ضد مصر وتمجيد الدعم السريع.. ما علاقة الموساد؟
تثير روايات متداولة بين سودانيين بالخارج بشأن عروض مالية لنشر منشورات ومقاطع فيديو تهاجم مصر والجيش السوداني، مقابل الترويج لقوات الدعم السريع، تساؤلات جديدة حول الجهات التي تقف وراء حملات التحريض الإلكتروني ومحاولات إشعال الفتنة بين الشعبين المصري والسوداني، وسط اتهامات تطال شبكات تأثير خارجية وشبهات بشأن دور إسرائيلي محتمل في توظيف الانقسامات العربية.
وتشير الروايات إلى مبالغ قد تصل إلى 500 دولار مقابل المشاركة في أنشطة رقمية موجهة، وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل عن حقيقة تلك العروض، ومدى ارتباطها بشبكات التضليل التي سبق أن كشفت تحقيقات صحفية عن نشاطها في الفضاء السوداني.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه الاتهامات الموجهة إلى أجهزة استخبارات أجنبية، وفي مقدمتها الموساد الإسرائيلي، تكشف التحقيقات المنشورة عن وجود حملات منسقة مرتبطة بالصراع السوداني، دون أن تقدم حتى الآن دليلًا قاطعًا على مسؤولية الموساد عن عروض التحريض ضد مصر تحديدًا.
500 دولار مقابل مهاجمة مصر والإشادة بالدعم السريع.. ما حقيقة العروض؟
تتحدث روايات متداولة عن محاولات لاستقطاب سودانيين داخل البلاد وخارجها، بهدف إدارة حسابات وصفحات إلكترونية تنشر محتوى ينتقد مصر بصورة عدائية، ويهاجم الجيش السوداني، ويقدم قوات الدعم السريع في صورة إيجابية.
وتتضمن المزاعم عرض مقابل مالي يصل إلى 500 دولار شهريًا، نظير إعداد منشورات وتداول مقاطع فيديو وإعادة نشر رسائل محددة على منصات التواصل الاجتماعي.
وبحسب تلك الروايات، رفض بعض المستهدفين المشاركة، بينما يُزعم أن آخرين قبلوا العروض وقمةا بتنفيذ المطلوب منهم وهو مايفسر انتشار. لعض مشاركات العداء لمصر والاشادة بالمليشيات التي ترتكب الجرائم ضد السودانيين
تحقيق سوداني يكشف عروضًا مالية بين 300 و500 دولار
في المقابل، توجد وقائع موثقة تعزز أهمية التحقيق في ملف التمويل الرقمي المرتبط بالحرب السودانية.
ففي 7 مايو 2025، كشف «مرصد بيم» السوداني عن إعلان توظيف مثير للريبة، نشرته منصة تحمل اسم «بريدل 360»، ويعرض حوافز مالية تتراوح بين 300 و500 دولار لاستقطاب مراسلين ميدانيين في السودان.
وتوصل التحقيق إلى ارتباط الإعلان بشبكة حسابات منسقة على منصة إكس، دأبت على نشر روايات مؤيدة لقوات الدعم السريع وتقديم الدور الإماراتي في السودان بصورة إيجابية.
كما رصد المرصد تناقضات في بيانات الجهة التي نشرت الإعلان، وغموضًا بشأن القائمين عليها وطبيعة نشاطها الحقيقي.
ويمثل هذا التحقيق مؤشرًا مهمًا على وجود محاولات لاستقطاب أشخاص للعمل في بيئة إعلامية غير شفافة، لكنه لا يثبت أن الأموال خُصصت لمهاجمة مصر، أو أن جهاز الموساد كان وراء تلك العملية.

الموساد والفتنة بين مصر والسودان.. هل توجد حرب استخباراتية عبر الإنترنت؟
تضع حملات التحريض بين المصريين والسودانيين احتمالات التدخل الخارجي تحت المجهر، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية للسودان بالنسبة إلى مصر، وتأثير الحرب المستمرة على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ويثير تكرار الرسائل العدائية والاتهامات المتبادلة سؤالًا بشأن الجهات المستفيدة من تحويل الخلافات السياسية إلى خصومة شعبية واسعة.
وفي هذا السياق، يبرز اسم جهاز الموساد الإسرائيلي ضمن الاتهامات والتكهنات المتداولة بشأن محاولات استغلال الانقسامات الإقليمية.
لكن إثبات وجود حملة تضليل لا يعني تلقائيًا إثبات تبعيتها لجهاز استخبارات بعينه، إذ يتطلب تحديد الجهة المشغلة أدلة تقنية ومالية أو وثائق وشهادات يمكن التحقق منها.
ماذا كشفت تحقيقات مرصد بيم عن حسابات إسرائيلية وإماراتية؟
في 10 يونيو 2024، نشر «مرصد بيم» تحقيقًا تناول شبكة وصفها بأنها «إسرائيلية إماراتية» على منصة إكس، شاركت في تداول روايات تهاجم الجيش السوداني وتربطه بتنظيمات متطرفة.
ورصد التحقيق إعادة استخدام مقاطع فيديو خارج سياقها، وتداول ادعاءات غير مسندة بأدلة كافية، إلى جانب أنماط متشابهة في نشر المحتوى وتضخيمه.
كما أشار إلى أن عددًا من الحسابات المشاركة في تداول هذه الروايات كان إسرائيليًا أو إماراتيًا.
وتكشف هذه النتائج عن نشاط رقمي يستحق التدقيق، لكنها لا تكفي بمفردها لتأكيد وجود توجيه مباشر من الموساد أو إثبات أن الشبكة نفسها تقف وراء الحملات المعادية لمصر.
تصريحات منسوبة إلى نتنياهو تعيد الجدل حول تفتيت العالم العربي
يتزامن الحديث عن الحرب الرقمية مع تداول تصريحات منسوبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تحدث فيها عن أن إسرائيل واجهت عالمًا عربيًا موحدًا عند تأسيسها، وأنه جرى تفريقه تدريجيًا.
وأثارت هذه التصريحات المتداولة نقاشًا بشأن الاستفادة الاستراتيجية لإسرائيل من الانقسامات العربية.
ومع ذلك، فإن توثيق الصياغة الدقيقة للتصريحات وسياقها الكامل من التسجيل الأصلي يظل ضروريًا، كما أن تصريحات سياسية بشأن العلاقات الإقليمية لا تشكل بمفردها دليلًا على إدارة عملية استخباراتية محددة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستفيد أطراف خارجية من تصاعد العداء بين المصريين والسودانيين؟ وكيف يمكن كشف الجهات التي تدير حملات التضليل بدلًا من الاكتفاء بتبادل الاتهامات؟
لماذا تستهدف حملات التضليل العلاقات المصرية السودانية؟
تمثل العلاقات بين مصر والسودان إحدى أهم الروابط التاريخية والاجتماعية في المنطقة، بحكم الجوار الجغرافي والامتداد الأسري والثقافي والمصالح المشتركة.
وقد ضاعفت الحرب السودانية من أهمية تلك العلاقة، بعدما أصبحت مصر مقصدًا رئيسيًا لأعداد كبيرة من السودانيين الفارين من القتال.
وفي مثل هذه الظروف، يمكن للمحتوى التحريضي أن يحوّل أزمة سياسية أو خلافًا بشأن موقف من الحرب إلى حالة عداء مجتمعي يصعب احتواؤها.
حملات تستهدف السودانيين داخل مصر
وفي أغسطس 2026، نشر «مرصد بيم» تحقيقًا آخر تناول انتشار حملات تحريض وتضليل ضد اللاجئين السودانيين في مصر.
ورصد التحقيق حسابات وصفحات استخدمت صورًا ومقاطع مجتزأة ومعلومات مضللة لنشر خطاب عدائي تجاه السودانيين، إلى جانب وسوم تحرض على ترحيل اللاجئين.
وتكشف هذه الوقائع أن المحتوى التحريضي لا يستهدف طرفًا واحدًا؛ فهناك حملات تهاجم مصر، وأخرى تستهدف السودانيين المقيمين على أراضيها.
ورغم اختلاف مصادر الرسائل وأهداف ناشريها، فإن النتيجة المحتملة واحدة: زيادة التوتر بين مجتمعين تجمعهما مصالح وعلاقات تتجاوز الخلافات السياسية.
كيف تتحول منشورات مجهولة إلى حرب إلكترونية بين مصر والسودان؟
تعتمد حملات التضليل المنسقة على استغلال سرعة انتشار الأخبار والمقاطع المصورة، خصوصًا عندما تتناول قضايا تمس الهوية الوطنية أو القوات المسلحة أو أوضاع اللاجئين.
إعادة نشر مقاطع قديمة باعتبارها أحداثًا جديدة
قد تستخدم بعض الحسابات فيديوهات من سنوات سابقة، مع إضافة عناوين جديدة تربطها بمصر أو السودان أو تطورات الحرب الجارية.
وعندما تنتشر هذه المواد دون تحقق، يمكن أن تخلق انطباعًا زائفًا بوقوع أحداث لم تحدث بالصورة المروجة.
تضخيم الخلافات بواسطة حسابات منسقة
يتمثل الأسلوب الآخر في نشر الرسائل نفسها عبر حسابات متعددة، أو استخدام وسوم موحدة وتوقيتات متقاربة لزيادة وصول المحتوى.
وقد يوحي ذلك بوجود غضب شعبي واسع، بينما يحتاج إثبات حجم التأييد الحقيقي إلى تحليل مستقل لطبيعة الحسابات وأنماط تفاعلها.
تحويل النقد السياسي إلى عداء بين الشعوب
تزداد خطورة هذه الحملات عندما تنتقل من انتقاد قرار سياسي أو مؤسسة رسمية إلى تعميم الاتهامات على المصريين أو السودانيين باعتبارهم شعبًا واحدًا مسؤولًا عن مواقف الحكومات والأطراف المتحاربة.
وهنا يصبح التلاعب بالمشاعر وسيلة لتوسيع الخلاف، وإشراك أعداد أكبر من المستخدمين في نشر الرسائل العدائية.

الدعم السريع والحرب الإعلامية.. من يصنع الرواية على مواقع التواصل؟
لم تعد الحرب السودانية مقتصرة على المواجهات العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل امتدت إلى صراع موازٍ على الروايات والمعلومات والصور المتداولة.
وكشفت تحقيقات صحفية عن شبكات تعمل لصالح سرديات متعارضة، بما فيها شبكات تؤيد الجيش السوداني وأخرى تروج لمواقف الدعم السريع.
وتكمن الخطورة في تقديم الدعاية السياسية والعسكرية باعتبارها أخبارًا محايدة، أو استخدام واجهات إعلامية مجهولة المصدر لإضفاء المصداقية على روايات غير موثقة.
ومع اتساع دور المنصات الرقمية، تصبح معرفة الجهة الممولة للمحتوى أمرًا لا يقل أهمية عن التحقق من صحة المعلومات المنشورة.
من المستفيد من إشعال الفتنة بين مصر والسودان؟
لا يمكن اختزال جميع الخلافات المصرية السودانية في مؤامرة خارجية واحدة، كما لا يصح افتراض أن كل منشور غاضب يصدر عن حساب تابع لجهة استخباراتية.
فالمواقف السياسية المختلفة، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن الحرب والنزوح، عوامل قد تولد توترات حقيقية بين بعض المستخدمين.
لكن ذلك لا ينفي احتمال استغلال هذه الخلافات من خلال حملات منظمة تسعى إلى تضخيمها وتوجيهها.
وتبرز هنا أهمية تحديد مصادر التمويل، وتتبع الحسابات المتشابهة، وفحص المواد المصورة، والكشف عن الجهات التي تحاول توجيه النقاش العام دون الإفصاح عن هويتها.
مصر والسودان أكبر من حملات التحريض والحسابات المجهولة
مهما بلغت حدة الخلافات حول الحرب السودانية أو المواقف السياسية الإقليمية، فإن العلاقات بين الشعبين المصري والسوداني لا ينبغي أن تصبح رهينة حسابات مجهولة أو منشورات تستهدف إثارة الغضب.
فالسوداني الذي يبحث عن الأمان بعيدًا عن الحرب ليس مسؤولًا عن محتوى تحريضي ينشره شخص آخر، كما أن المصري الذي يعبر عن رأيه في قضية سياسية لا يمثل بالضرورة موقف المجتمع المصري بأكمله.
والتمييز بين النقد المشروع والتضليل المتعمد يمثل الخطوة الأولى لمنع تحوّل الاختلاف إلى خصومة شعبية مفتوحة.
لا تمنحوا صناع الفتنة فرصة لتفريق الشعبين
إن أخطر ما يمكن أن تحققه حملات التحريض ليس مجرد انتشار منشور كاذب أو فيديو مضلل، بل نجاحها في تحويل مشاعر الغضب المؤقتة إلى قناعة راسخة بالعداء بين شعبين.
ومن هنا، تصبح مواجهة التضليل مسؤولية مشتركة تبدأ من التحقق من مصدر الخبر، والتوقف عن إعادة نشر الاتهامات غير الموثقة، والمطالبة بكشف الجهات التي تمول حملات التأثير الرقمي.
فإذا كانت هناك جهات تسعى إلى إشعال الفتنة بين مصر والسودان، فإن إفشال محاولاتها يبدأ برفض الكراهية، وكشف المعلومات المضللة، وعدم الخلط بين الشعوب والصراعات السياسية.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل مشاركة لمنشور مسيء: من يقف وراء هذه الرسالة، وما الدليل على صحتها، ومن المستفيد من انتشارها؟
فالكلمة التي تُكتب في لحظة غضب قد تحقق هدفًا لم يكن صاحبها يعرف أنه يخدمه.






