تلعب التغذية دورًا مهمًا في الحفاظ على مستويات السكر في الدم، إذ لا يقتصر التحكم في الغلوكوز على تقليل تناول الحلويات والسكريات، بل يشمل أيضًا اختيار الأطعمة والمكونات التي تساعد على اتباع نظام غذائي متوازن يدعم الصحة العامة.
وتشير بعض الدراسات إلى أن عددًا من التوابل والأعشاب، من بينها القرفة والزنجبيل والكركم والحلبة، قد يمتلك فوائد محتملة في تحسين مستويات السكر في الدم وبعض المؤشرات المرتبطة به، مثل سكر الصيام والهيموغلوبين السكري.
ووفقًا لما أورده موقع «هيلث»، فإن الأبحاث المتعلقة بهذه التوابل أظهرت نتائج واعدة في بعض الحالات، لكن درجة التأثير تختلف بحسب الكميات المستخدمة، ومدة تناولها، والحالة الصحية لكل شخص، فضلًا عن اختلاف النتائج بين الدراسات. ولا يمكن الاعتماد على هذه المكونات بديلًا عن الأدوية أو العلاج الذي يصفه الطبيب.
القرفة.. هل تساعد على خفض مستويات السكر في الدم؟
تُعد القرفة من التوابل التي تحظى باهتمام الباحثين بسبب تأثيرها المحتمل في تنظيم مستويات الغلوكوز، إذ تشير بعض الدراسات إلى أنها قد تساعد على تحسين استجابة الجسم للإنسولين، وهو الهرمون المسؤول عن تنظيم انتقال السكر من الدم إلى الخلايا للاستفادة منه في إنتاج الطاقة.
وتناولت إحدى الدراسات المنشورة عام 2024 تأثير القرفة لدى أشخاص كانت مستويات السكر لديهم أعلى من الطبيعي، حيث تناول المشاركون 4 غرامات من القرفة يوميًا لمدة أربعة أسابيع، مع متابعة مستويات الغلوكوز باستخدام أجهزة المراقبة المستمرة.
وأظهرت النتائج انخفاضًا في مستويات السكر على مدار اليوم، إلى جانب تراجع حدة الارتفاعات المفاجئة لدى المشاركين، وهو ما يشير إلى احتمال أن يكون للقرفة دور مساعد في تحسين التحكم في الغلوكوز لدى بعض الأشخاص.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن القرفة علاج لمرض السكري، كما أن تأثيرها قد يختلف من شخص إلى آخر، ولا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى فاعليتها والجرعات المناسبة.
أضرار الإفراط في تناول القرفة
رغم أن استخدام القرفة بكميات معتدلة ضمن الطعام يُعد أمرًا مختلفًا عن تناول المكملات المركزة، فإن الإفراط في بعض أنواعها قد يحمل مخاطر صحية.
وتحتوي بعض أنواع القرفة على مادة الكومارين، التي قد تؤثر في الكبد عند تناولها بكميات مرتفعة لفترات طويلة. لذلك، ينبغي الحذر من استخدام مكملات القرفة بانتظام دون استشارة الطبيب، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض الكبد أو يتناولون أدوية بصورة مستمرة.
الزنجبيل.. فوائد محتملة لسكر الصيام والهيموغلوبين السكري
لا يقتصر استخدام الزنجبيل على إضافته إلى الأطعمة والمشروبات لإضفاء نكهة مميزة، بل تشير بعض الأبحاث إلى احتمال مساهمته في تحسين مستويات السكر في الدم، إلى جانب استخداماته المعروفة في تخفيف الغثيان وبعض اضطرابات الجهاز الهضمي.
ووفقًا لمراجعة بحثية أُجريت عام 2026، قد يساعد الزنجبيل على خفض مستوى الغلوكوز أثناء الصيام وتحسين الهيموغلوبين السكري، المعروف اختصارًا باسم HbA1c، وهو مؤشر يعكس متوسط مستويات السكر في الدم خلال الشهرين إلى الأشهر الثلاثة السابقة للفحص.
وتراوحت كميات الزنجبيل المستخدمة في الدراسات التي شملتها المراجعة بين 1.6 و3 غرامات يوميًا، بينما امتدت فترات الاستخدام من ثمانية إلى اثني عشر أسبوعًا.
وتشير هذه النتائج إلى احتمال وجود فائدة للزنجبيل في دعم التحكم في السكر، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات فاعليته بوصفه علاجًا مستقلًا، خاصة مع اختلاف تصميم الدراسات والجرعات المستخدمة والخصائص الصحية للمشاركين.
الآثار الجانبية للزنجبيل
قد يؤدي تناول الزنجبيل، خاصة في صورة المكملات أو بجرعات مرتفعة، إلى بعض الآثار الجانبية، مثل حرقة المعدة والإسهال واضطرابات الجهاز الهضمي.
كما قد يتداخل مع بعض الأدوية، ومن بينها مضادات تخثر الدم وأدوية السكري، وهو ما يستدعي استشارة الطبيب قبل استخدام المكملات بانتظام، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يتلقون علاجًا لضبط مستويات الغلوكوز.
الكركم.. دور محتمل للكركمين في تحسين التحكم في السكر
يحتوي الكركم على مادة الكركمين، وهي مركب نباتي نشط يتميز بخصائص مضادة للأكسدة والالتهابات، وقد دفع ذلك الباحثين إلى دراسة تأثيره المحتمل في صحة التمثيل الغذائي وتنظيم مستويات السكر في الدم.
وأشارت بعض الدراسات إلى أن تناول مكملات الكركمين قد يرتبط بتحسن مستويات السكر أثناء الصيام والهيموغلوبين السكري لدى بعض الأشخاص. لكن من المهم التمييز بين المكملات التي تحتوي على تركيزات محددة من الكركمين وبين الكميات المعتادة من الكركم المستخدمة في إعداد الطعام.
وفي دراسة أُجريت عام 2024، بحث الباحثون تأثير إضافة غرام من الكركم وغرام من الفلفل الأسود إلى وجبة تحتوي على الكربوهيدرات، وأظهرت النتائج انخفاضًا في مستويات السكر بعد تناول الطعام. كما لوحظ تأثير مشابه عند استخدام الفلفل الأسود وحده.
ويشير ذلك إلى أن نتائج الدراسة لا يمكن نسبتها إلى الكركم وحده بصورة قاطعة، كما لا تكفي لإثبات أن الجمع بين الكركم والفلفل الأسود يمثل وسيلة علاجية للسكري.
ويحتوي الفلفل الأسود على مركب البيبيرين، الذي قد يعزز امتصاص الكركمين في الجسم، إلا أن مدى الاستفادة من هذا التأثير ومناسبته للأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة يحتاج إلى مزيد من البحث.
هل مكملات الكركم آمنة؟
قد تسبب مكملات الكركمين بعض الآثار الجانبية، من بينها اضطرابات الجهاز الهضمي والصداع والطفح الجلدي، كما أن التركيبات التي تعزز امتصاصه قد تختلف في تأثيرها عن الكركم المستخدم في الطعام.
لذلك، يُنصح باستشارة الطبيب قبل تناول مكملات الكركمين بجرعات مرتفعة، خاصة لدى الأشخاص الذين يتناولون أدوية منتظمة أو يعانون من مشكلات صحية مزمنة.
الحلبة.. هل تساعد على تحسين سكر الصيام؟
تحتوي الحلبة على الألياف ومركبات نباتية قد تؤثر في عملية امتصاص الكربوهيدرات، وهو ما جعلها محل اهتمام في الأبحاث التي تتناول دور المكونات الغذائية في تنظيم مستويات السكر لدى المصابين بالسكري.
وفي دراسة أُجريت عام 2019، وجد الباحثون أن تناول 5 غرامات من مسحوق الحلبة مرتين يوميًا لمدة ثمانية أسابيع ارتبط بتحسن مستويات السكر أثناء الصيام والهيموغلوبين السكري، مقارنة بالمشاركين الذين تناولوا دواءً وهميًا.
وتشير هذه النتائج إلى احتمال أن يكون للحلبة دور مساعد في تحسين بعض مؤشرات التحكم في السكر، إلا أن فاعليتها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى تأثيرها والجرعات المناسبة للاستخدام.
كما ينبغي مراعاة أن النتائج البحثية لا تعني أن الحلبة تحقق التأثير نفسه لدى جميع الأشخاص، إذ تختلف الاستجابة وفقًا للحالة الصحية والنظام الغذائي والأدوية المستخدمة.
أضرار الحلبة ومحاذير استخدامها
قد يؤدي تناول الحلبة إلى بعض الآثار الجانبية، مثل الغثيان والإسهال واضطرابات الجهاز الهضمي، كما يمكن أن تتسبب في انخفاض مستويات السكر عند استخدامها بالتزامن مع أدوية السكري.
وقد تظهر أيضًا تفاعلات تحسسية لدى بعض الأشخاص، لذلك ينبغي توخي الحذر عند استخدامها بجرعات كبيرة أو في صورة مكملات غذائية، مع ضرورة مراجعة الطبيب لتجنب التداخلات الدوائية أو انخفاض السكر بصورة غير مرغوبة.
كيف يمكن الاستفادة من التوابل ضمن نظام غذائي صحي؟
يمكن إدراج القرفة والزنجبيل والكركم والحلبة ضمن نظام غذائي متوازن باعتبارها مكونات تضيف نكهة إلى الطعام، وقد تحمل بعض الفوائد الصحية المحتملة.
لكن الحفاظ على مستويات السكر في الدم يعتمد على مجموعة من العوامل، تشمل الالتزام بالعلاج الموصوف، واختيار الأطعمة المناسبة، وممارسة النشاط البدني، ومراقبة مستويات الغلوكوز وفقًا لتوجيهات الطبيب.
كما أن استخدام التوابل في الطهي لا يعادل بالضرورة تناول المكملات الغذائية المركزة، التي قد تحتوي على جرعات أعلى من المركبات النشطة وتزيد احتمالات الآثار الجانبية أو التداخل مع الأدوية.
هل يمكن الاعتماد على التوابل بدلًا من أدوية السكري؟
رغم النتائج المشجعة التي توصلت إليها بعض الدراسات، فإن الأدلة العلمية المتعلقة بتأثير القرفة والزنجبيل والكركم والحلبة ليست متساوية، ولا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد مدى فاعلية كل منها والجرعات الآمنة والمناسبة.
ولا ينبغي التوقف عن تناول أدوية السكري أو تعديل جرعاتها اعتمادًا على استخدام التوابل أو المكملات الغذائية دون الرجوع إلى الطبيب، لأن ذلك قد يؤدي إلى اضطراب مستويات السكر ومضاعفات صحية.
الخلاصة: قد تساعد بعض التوابل في دعم التحكم في مستويات السكر ضمن نظام غذائي صحي، لكنها تظل وسائل مساعدة محتملة وليست بديلًا عن العلاج الطبي والمتابعة المنتظمة.






