قال الدكتور رامي عاشور، أستاذ العلاقات الدولية، إن التصريحات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الفترة الحالية لا تعني بالضرورة انتهاء المسار التفاوضي أو الانتقال الحتمي إلى مواجهة شاملة، وإنما تعكس استمرار سياسة الضغط الأمريكية، بالتزامن مع محاولات إيران تعزيز قدرتها على الصمود ومواجهة الضغوط المفروضة عليها.
وأوضح عاشور أن المفاوضات بين الجانبين أصبحت، من وجهة نظره، تسير في صورة مراحل متقطعة، تتداخل معها الضربات واستهداف بعض المواقع والبنية التحتية، مشيرًا إلى أن أي حالة من الجمود في المفاوضات قد تكون مؤقتة، يعقبها تصعيد جديد بهدف زيادة الضغوط على النظام الإيراني والحرس الثوري.
واشنطن تسعى لإضعاف النظام الإيراني
وأشار أستاذ العلاقات الدولية إلى أن استمرار الضغوط والضربات يستهدف، وفق تقديره، إضعاف قدرة النظام الإيراني والحرس الثوري على إدارة الأوضاع الداخلية وتلبية احتياجات المواطنين.
وأضاف أن هذا النهج قد يستمر إلى حين دفع النظام الإيراني نحو الاستجابة للشروط الأمريكية والعودة إلى مسار تفاوضي أكثر مرونة، أو الوصول إلى مرحلة تتزايد فيها المعارضة الداخلية بما يؤثر على قدرة النظام على الاستمرار.
وأكد أن الإدارة الأمريكية، بحسب رؤيته، قد تحاول تحقيق أهدافها من خلال أحد المسارين، سواء عبر الضغط العسكري والسياسي المتواصل أو من خلال دفع طهران إلى تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.
الأزمة تتجاوز حدود المواجهة بين إيران وإسرائيل
وأكد عاشور أن إدارة الأزمة الحالية تجاوزت، في تقديره، حدود المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل، لتصبح مرتبطة بحسابات أوسع بين القوى الدولية الكبرى.
وأوضح أن الولايات المتحدة تتحرك من جانب، بينما تقف روسيا والصين في الجانب الآخر، بما يجعل التطورات المرتبطة بالملف الإيراني جزءًا من صراع أوسع على النفوذ والتوازنات الدولية.
وأشار إلى أن قدرة إيران على تحمل مزيد من الضغوط الأمريكية قد ترتبط بدرجة كبيرة بحجم الدعم السياسي والاقتصادي والاستراتيجي الذي يمكن أن تحصل عليه من موسكو وبكين.
تفاهمات موسكو وبكين وواشنطن مفتاح التهدئة
وأوضح أستاذ العلاقات الدولية أن القوى الكبرى لا تتعامل عادة مع الأزمات الدولية بمنطق الاستسلام أو الرضوخ الكامل، مشيرًا إلى أن الوصول إلى تفاهمات بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى قد يكون عنصرًا أساسيًا في احتواء التصعيد.
وأضاف أن قدرة موسكو وبكين على التأثير في الموقف الإيراني ودفع طهران نحو تبني مواقف أكثر مرونة قد تسهم في فتح الباب أمام تسوية سياسية.
وحذر عاشور من أن استمرار التصعيد داخل مسرح عمليات الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تداعيات واسعة، لا تقتصر على أطراف المواجهة المباشرة، وإنما تمتد إلى دول المنطقة والمجتمع الدولي.
التصعيد يظل السيناريو الأقرب
ورجح رامي عاشور أن يكون التصعيد أحد السيناريوهات الأكثر احتمالًا خلال المرحلة المقبلة، موضحًا أن الولايات المتحدة، باعتبارها قوة عظمى، قد تواجه خسائر سياسية إذا أنهت الملف الإيراني دون تحقيق الأهداف التي تسعى إليها.
وأكد أن التصعيد يمكن أن يسير بالتوازي مع المفاوضات، بحيث تستخدم واشنطن الضغط العسكري والسياسي كورقة لدفع النظام الإيراني إلى تقديم تنازلات والاقتراب من الشروط الأمريكية.
احتلال إيران ليس السيناريو المرجح
وأوضح عاشور أن استمرار التصعيد الأمريكي لا يعني بالضرورة أن واشنطن تتجه نحو احتلال الأراضي الإيرانية، مشيرًا إلى صعوبة تنفيذ مثل هذا السيناريو بسبب طبيعة الجغرافيا والتضاريس الإيرانية واتساع رقعة البلاد.
وأشار إلى أن المسار الأكثر ترجيحًا، وفق تقديره، يتمثل في استمرار الضغوط واستهداف بعض عناصر البنية التحتية والقدرات العسكرية، بهدف تقليص قدرة النظام الإيراني على الصمود ودفعه إلى التفاوض.
مضيق هرمز قد يتحول إلى محور رئيسي للتصعيد
وأشار أستاذ العلاقات الدولية إلى أن مضيق هرمز قد يصبح أحد أبرز محاور التصعيد خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية للممر الملاحي بالنسبة لحركة التجارة والطاقة العالمية.
وأوضح أن أي قيود على حركة الملاحة في المضيق قد تثير تداعيات دولية واسعة، معتبرًا أن حرية الملاحة تمثل مبدأ أساسيًا في القانون الدولي.
وحذر من أن اضطراب حركة الملاحة عبر المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، فضلًا عن زيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي ورفع مخاطر حدوث تباطؤ اقتصادي.
تداعيات اقتصادية تمتد إلى دول الناتو
وأضاف عاشور أن أي تصعيد كبير في مضيق هرمز لن تقتصر آثاره الاقتصادية على الولايات المتحدة أو إيران، وإنما يمكن أن تمتد إلى عدد من الاقتصادات الكبرى، وبينها دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي «الناتو».
وأوضح أن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وحركة التجارة قد يضع حلفاء واشنطن أمام ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة، وهو ما قد يفرض عليهم اتخاذ مواقف أكثر انخراطًا في الأزمة.
وأكد أن اتساع نطاق التداعيات يعني أن تكلفة أي مواجهة محتملة لن تتحملها الولايات المتحدة وحدها، وإنما قد تمتد إلى شركائها وحلفائها.
خلافات داخلية بشأن التعامل مع الأزمة
ولفت رامي عاشور إلى أن موقف إيران من التصعيد والعودة إلى الاتفاقات والتفاهمات السياسية يرتبط كذلك بطبيعة مراكز القوى داخل الدولة الإيرانية.
وأوضح أن هناك اختلافًا في طريقة التعامل مع الأزمة بين القيادة الدينية والحرس الثوري، مشيرًا إلى أن بعض الأطراف قد تكون أكثر استعدادًا للمرونة السياسية، بينما يتمسك الحرس الثوري بموقف أكثر تشددًا في مواجهة الضغوط الأمريكية.
الحرس الثوري يتمسك بخيار المقاومة
وأشار عاشور إلى أن الحرس الثوري قد يرى أن تقديم تنازلات كبيرة أمام الولايات المتحدة يحمل مخاطر سياسية وداخلية، وقد يعرضه لاتهامات بالخيانة من جانب المعارضة أو بعض التيارات داخل إيران.
وأوضح أن استمرار تبني خطاب المقاومة ومواجهة الولايات المتحدة قد يمثل، بالنسبة للحرس الثوري، وسيلة للحفاظ على نفوذه ومكانته داخل النظام السياسي الإيراني.
واختتم أستاذ العلاقات الدولية بالإشارة إلى أن تداخل الحسابات الداخلية الإيرانية مع الضغوط الأمريكية والدور الروسي والصيني، إلى جانب أهمية مضيق هرمز، يجعل مسار الأزمة مفتوحًا على عدة سيناريوهات، مع استمرار احتمالات التصعيد والتفاوض في الوقت نفسه.


