لم يكن «س. أ. ل. ر» يتخيل أن رحلة البحث عن كنز أثري مدفون ستتحول إلى بداية النهاية، وأن الأموال التي قدمها لصديقين شقيقين على أمل تحقيق مكسب كبير ستكون أحد أسباب مقتله، بعدما تشابكت الخلافات المالية مع علاقة سرية جمعت زوجته بأحد المتهمين، لتنتهي الحكاية بجريمة قتل وإلقاء جثمانه في مصرف مائي بمحافظة الإسكندرية.
بدأت القصة بوعود عن آثار مدفونة في منطقة بنجر السكر، ومبالغ مالية دفعها المجني عليه للمشاركة في أعمال الحفر، قبل أن تتحول المطالبات باسترداد أمواله إلى خلافات وتهديدات، وفقًا لما كشفت عنه التحقيقات. ومع تصاعد الأزمة، تطورت الأحداث إلى مخطط للتخلص منه، انتهى بصدور حكم بالإعدام شنقًا بحق زوجته والشقيقين المتهمين في القضية.
وفي تفاصيل القضية، التي تعود بدايتها إلى أواخر عام 2023، تكشفت خيوط جريمة جمعت بين الطمع والخلافات المالية والعلاقة السرية، وانتهت بمحاكمة المتهمين أمام محكمة جنايات الإسكندرية.
بداية الحكاية.. وعد بكنز أثري في بنجر السكر
تعود بداية الواقعة إلى أواخر عام 2023، عندما أقنع شقيقان المجني عليه بوجود آثار مدفونة في منطقة بنجر السكر، وأوهماه بأن الوصول إليها يحتاج إلى أموال وأعمال حفر، في فرصة قد تدر عليهم مكاسب مالية كبيرة.
وبحسب ما ورد في التحقيقات، صدق المجني عليه رواية الشقيقين، وبدأ في إقراضهما مبالغ مالية للمساهمة في أعمال البحث والحفر، منتظرًا أن تتحقق الوعود التي سمعها وأن يسترد أمواله بعد الوصول إلى الكنز المزعوم.
لكن الأيام مرت دون أن تتحقق النتائج المنتظرة، ولم يحصل المجني عليه على المكاسب التي كان يأمل فيها، لتبدأ مرحلة جديدة من الخلافات، بعدما طالب الشقيقين برد الأموال التي دفعها لهما.
ومع استمرار المطالبات المالية، تصاعد التوتر بين الأطراف الثلاثة، خاصة بعدما لوح المجني عليه بإبلاغ الجهات المختصة عنهما، وهو ما زاد من حدة الأزمة، وفقًا لما كشفت عنه التحقيقات.
علاقة سرية بين الزوجة وأحد الشقيقين تزيد تعقيد القضية
لم تكن الخلافات المالية وحدها حاضرة في كواليس الجريمة، إذ كشفت التحقيقات عن وجود علاقة عاطفية سرية بين زوجة المجني عليه وأحد الشقيقين المتهمين.
وأقرت الزوجة، خلال التحقيقات، بوجود علاقة بينها وبين المتهم الثاني، وعزت ذلك إلى ما وصفته بسوء معاملة زوجها لها.
ومع تداخل هذه العلاقة مع الخلافات المالية القائمة بين المجني عليه والشقيقين، أصبحت القضية أكثر تعقيدًا، إذ اجتمعت عدة عوامل في محيط الواقعة، من بينها الأموال التي طالب الزوج باستردادها، والتهديد بإبلاغ الجهات المختصة، والعلاقة السرية التي جمعت الزوجة بأحد المتهمين.
ووفقًا لما انتهت إليه التحقيقات، اتفق المتهمون على التخلص من المجني عليه، وبدأ الشقيقان في تدبير طريقة لتنفيذ المخطط بعيدًا عن أعين المحيطين بهم.
استدراج المجني عليه بحيلة تعاطي المواد المخدرة
بحسب تفاصيل الواقعة الواردة في التحقيقات، اختار المتهمان استدراج المجني عليه إلى المكان الذي أعدا فيه لتنفيذ الجريمة، وأوهماه بأن اللقاء سيكون بغرض تعاطي المواد المخدرة.
وهناك، تناولا معه المواد المخدرة، قبل أن يزيد المتهمان الجرعة التي تناولها المجني عليه، حتى فقد وعيه وأصبح غير قادر على المقاومة أو الدفاع عن نفسه.
واستغل المتهمان حالة المجني عليه، إذ تناول المتهم الأول قطعة حجر كانت موجودة في المكان، وسدد بها ضربة إلى رأسه، ما أدى إلى سقوطه غارقًا في دمائه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الاعتداء، وفقًا لما ورد في التحقيقات، بل أقدم المتهمان على كتم أنفاس المجني عليه، قبل أن يحملاه ويلقيا بجثمانه في مصرف مائي، بعدما تيقنا من عدم قدرته على السباحة.
وبذلك انتهت حياة المجني عليه، وفقًا لرواية التحقيقات، بعد استدراجه إلى المكان وفقدانه القدرة على المقاومة، في واقعة جمعت بين الاستدراج والاعتداء والتخلص من الجثمان.
الاستيلاء على الأموال والهاتف والأوراق الشخصية
عقب ارتكاب الجريمة، لم يقتصر ما نُسب إلى المتهمين على قتل المجني عليه والتخلص من جثمانه، إذ كشفت التحقيقات عن استيلائهما على عدد من متعلقاته الشخصية.
وشملت المتعلقات التي استولى عليها المتهمان أموال المجني عليه وهاتفه المحمول وأوراقه الشخصية، قبل أن يغادرا المكان.
وبحسب ما ورد في أوراق القضية، عاد الشقيقان بعد ذلك إلى الزوجة وأخبراها بنجاح المخطط، ثم اتفق الثلاثة على التصرف في أحد ممتلكات المجني عليه.
وتضمنت الخطوة التالية بيع مركبة «توك توك» كانت مملوكة له، مقابل 38 ألف جنيه، واقتسام المبلغ بين المتهمين الثلاثة، وفقًا لما كشفت عنه التحقيقات.
العثور على جثة غريق أمام محطة مشروع ناصر بالإسكندرية
في 23 يونيو 2024، تلقت غرفة نجدة الإسكندرية بلاغًا بالعثور على جثة غريق أمام محطة مشروع ناصر، لتنتقل الجهات المختصة إلى موقع البلاغ وتبدأ في فحص الجثمان ومحاولة تحديد هوية صاحبه.
وبحسب تفاصيل الواقعة، تبين أن الجثمان لشاب في العقد الثالث من العمر، يرتدي كامل ملابسه، وتظهر على جسده وشوم مميزة كان من الممكن أن تساعد في التعرف على هويته.
إلا أن حالة الجثمان وقت العثور عليه صعّبت من مهمة تحديد الشخصية، إذ ظهرت عليه علامات الانتفاخ والتعفن الرمي الداكن، ووصلت الحالة إلى تساقط شعر الرأس وظهور آثار التعفن من فتحات الجسم.
ومع صعوبة التعرف على الجثمان، بدأت الجهات المختصة إجراءات الفحص والتحري، في محاولة للوصول إلى بيانات المتوفى وكشف ظروف وفاته.
لغز الجثمان يستمر.. والتحريات الأولية لا تكشف الهوية
لم تسفر التحريات الأولية عن تحديد هوية صاحب الجثمان، كما لم تتوصل الإجراءات في ذلك الوقت إلى حسم وجود شبهة جنائية، وفقًا للتفاصيل الواردة بشأن القضية.
وظلت العينات خاضعة للفحص المعملي، قبل أن يُحفظ الفحص في نوفمبر 2024، بينما بقيت هوية الجثمان غير محسومة.
ومع مرور الوقت، ظلت الواقعة دون كشف كامل لملابساتها، إلى أن ظهرت معلومات جديدة أعادت فتح مسار البحث، ومهدت الطريق أمام جهات التحقيق للتعرف على هوية المجني عليه وفحص ظروف اختفائه.
أكتوبر 2025.. معلومات جديدة تكشف هوية المجني عليه
في 26 أكتوبر 2025، وردت معلومات إلى النيابة العامة بشأن القضية رقم 2657 لسنة 2024 إداري العامرية، أفادت بأن الجثمان الذي عُثر عليه يعود إلى شخص يدعى «س. أ. ل. ر»، من سكان منطقة الناصرية القديمة.
ومثلت هذه المعلومات نقطة مهمة في مسار القضية، بعدما انتقلت الجهود من محاولة تحديد هوية الجثمان إلى فحص ظروف اختفاء المجني عليه، وإعادة تتبع الأحداث التي سبقت العثور عليه.
وكشفت التحقيقات أن ابنة المجني عليه تحدثت إلى إحدى جاراتها عن تفاصيل اختفاء والدها، وهو الحديث الذي ساهم في إعادة توجيه مسار البحث ولفت الانتباه إلى ملابسات غيابه.
ومع تكثيف التحريات وجمع المعلومات، بدأت خيوط القضية تتضح تدريجيًا، وصولًا إلى الاشتباه في تورط زوجة المجني عليه والشقيقين في الواقعة.
ضبط الزوجة والشقيقين.. وانكشاف تفاصيل الجريمة
أسفرت التحريات المكثفة، بحسب ما ورد في أوراق القضية، عن تحديد تورط الزوجة والشقيقين في الجريمة، وتم ضبطهم، لتبدأ مرحلة جديدة من التحقيقات التي تناولت طبيعة العلاقة بين المتهمين والخلافات السابقة على الواقعة.
وكشفت التحقيقات عن تفاصيل العلاقة السرية التي جمعت الزوجة بأحد الشقيقين، إلى جانب الخلافات المالية المرتبطة بالأموال التي دفعها المجني عليه في رحلة البحث عن الآثار المزعومة.
كما تناولت التحقيقات كيفية استدراج المجني عليه، والاعتداء عليه، والتخلص من جثمانه في المصرف المائي، فضلًا عن الاستيلاء على متعلقاته الشخصية وبيع مركبة «التوك توك» المملوكة له مقابل 38 ألف جنيه.
وبذلك تجمعت أمام جهات التحقيق خيوط القضية التي بدأت بوعد عن كنز أثري، ثم تطورت إلى خلافات مالية وعلاقة سرية، وانتهت بجريمة قتل ومحاولة التصرف في ممتلكات المجني عليه.
الإحالة إلى محكمة جنايات الإسكندرية
بعد استكمال التحقيقات، أُحيل المتهمون إلى محكمة جنايات الإسكندرية في القضية رقم 13464 لسنة 2025 جنايات العامرية ثان، لمحاكمتهم على خلفية اتهامهم بالاتفاق على قتل المجني عليه وتنفيذ الجريمة.
ونظرت المحكمة القضية وما تضمنته من وقائع وأدلة، في إطار الإجراءات القضائية التي تستهدف الفصل في الاتهامات المنسوبة إلى المتهمين وتحديد مسؤولية كل منهم وفقًا لما ثبت أمامها.
وتناولت القضية، وفقًا للتفاصيل الواردة، تسلسل الأحداث منذ بداية الخلافات المالية، مرورًا بالعلاقة السرية التي كشفت عنها التحقيقات، وصولًا إلى واقعة القتل والتخلص من الجثمان والاستيلاء على ممتلكات المجني عليه.
حكم بالإعدام شنقًا للزوجة والشقيقين
وبعد نظر القضية، قضت محكمة جنايات الإسكندرية بإجماع الآراء، وبعد ورود الرأي الشرعي لمفتي الجمهورية، بإعدام الزوجة والشقيقين شنقًا، على خلفية اتهامهم في القضية.
وجاء الحكم في ختام مسار قضائي بدأ بالعثور على جثمان مجهول الهوية في يونيو 2024، ثم استمرت محاولات كشف ملابسات الواقعة حتى ظهرت معلومات جديدة في أكتوبر 2025، ساهمت في تحديد هوية المجني عليه والوصول إلى المتهمين.
وهكذا انتهت القضية، وفقًا للحكم الصادر، بعقوبة الإعدام بحق المتهمين الثلاثة، بعدما كشفت التحقيقات عن خيوط بدأت بوعود العثور على آثار مدفونة، ثم تشابكت فيها الخلافات المالية والعلاقة السرية، وصولًا إلى مقتل شاب وإلقاء جثمانه في مصرف مائي بالإسكندرية.






