السبت، ١١ أبريل ٢٠٢٦ في ٠٢:٢٥ م

صلاح توفيق يكتب : هزيمة المواطن وانتصار الدولة !!

بعيش الأعلام العربي حالة يمكن وصفها  بالغيبوبة  فهو يتحدث عن انتصارات حققتها الدول خلال  الحرب الأمريكية  الأيرانية بشكل استعراضي  ويناسى هذا الاعلام القضايا الجوهرية التي يجب ان يناقشها بعد اقرار الهدنة والدخول في مفاوضات إيرانية امريكية - لما يحدثنا هذا الأعلام لماذا استبعد الخليج من مفاوظات باكستان وهو الاكثر تضررا من الحرب - لما يحدثنا الاعلام عن مستقبل الخليج  وماهي القرارات التي يجب ان تتخذاو كيف سيكون مستقبل الأمن في الخليج؟

فمع كل هدنة جديدة في منطقة مشتعلة من الشرق الأوسط، يتجه الجميع نحو الشاشات بحثًا عن إجابة بسيطة: ماذا حدث حقًا؟ ومن انتصر؟ لكن ما يجده المواطن العربي في الغالب ليس الحقيقة، بل روايات بطولية  متعددة، متناقضة، ومشحونة بالانحياز، حتى يبدو المشهد وكأننا أمام سباق إعلامي لا علاقة له بالواقع بقدر ما يرتبط بتصفية الحسابات السياسية. والترويج لنظم سياسية بعيدا عن الواقع الذي يعيشة الناس

واقع إعلامي يصنع الانتصارات

 ونستعرضا معا حالة الأعلام العربي فأذا قمت بفتح نافذة  قناة الجزيرة ستجد أن قطر خرجت منتصرة، وإذا  انتقلت إلى سكاي نيوز عربية ستشعر أن الإمارات فرضت كلمتها، بقدراتها الهائلة وحكمة حاكمها  وعلي نفس المنوال  تؤكد العربية أن السعودية حسمت المشهد لصالحها. وعلى الضفة الأخرى، تقدم قناة العالم وقناة المنار وقناة الميادين وهما صوت الأعلام الإيراني  رواية مغايرة تمامًا، حيث تظهر إيران بوصفها المنتصر الأكبر. وحتى إذا لجأت إلى الإعلام الغربي مثل CNN، فستجد أن الرواية تنتهي غالبًا بانتصار الولايات المتحدة.

هكذا ببساطة، ينتصر الجميع على الشاشات… بينما الواقع أكثر تعقيدًا، وأقل احتفالًا.

 

الغائب الأكبر: الأسئلة الحقيقية

وسط هذا الضجيج، تغيب الأسئلة الجوهرية التي تمس مستقبل المنطقة بشكل مباشر:

  • من تم استبعاده من طاولة المفاوضات؟
  • كيف أعيد توزيع النفوذ بعد الهدنة؟
  • ما شكل التوازنات الجديدة في الإقليم؟
  • كيف سيتأثر أمن الخليج في المرحلة القادمة؟

هذه الأسئلة لا تجد مساحة كافية في التغطية الإعلامية، لأنها لا تخدم سردية “الانتصار” التي يسعى كل طرف لتسويقها للمواطن العربي  بل تفتح الباب أمام نقاشات معقدة قد تكشف حجم الخسائر الحقيقية كما انه تكشف نقاط الضعق والعجز وهو اخر ما يفكر به الأعلام العربي 

المواطن… الخاسر الدائم

ومع كل هذه الروايات المتعددة و المتضاربة، يقف المواطن العربي في موقع المتلقي، يحاول أن يفهم ما يجري، لكنه يجد نفسه أمام مشهد ضبابي. لا يمتلك أدوات الوصول إلى الحقيقة الكاملة، ولا يجد إعلامًا يقدم له صورة متوازنة، فيتحول تدريجيًا إلى ضحية لروايات متصارعة.

هنا تتجلى المفارقة الكبرى:
بينما تتسابق الدول لإعلان “انتصاراتها” الإعلامية، يتلقى المواطن وحده نتائج الواقع، من توترات اقتصادية، وضغوط سياسية، ومخاوف مستمرة من مستقبل غير واضح.

أقرأ أيظا

 

انتظار الدولة… وهم الاستقرار

في ظل هذا المشهد، يعيش المواطن حالة من “انتظار الدولة”؛ انتظار أن تحسم الأمور، أن تستقر الأوضاع، أن تتضح الصورة. لكنه انتظار غالبًا ما يطول، لأن ما يحدث على الأرض ليس حسمًا بقدر ما هو إعادة ترتيب مستمرة للأدوار.

الدولة بدورها ليست كيانًا محايدًا في هذا السياق، بل طرف في معادلة معقدة، تحاول تحقيق مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة، وهو ما ينعكس على الخطاب الإعلامي الذي يعكس هذه الأولويات.

بين الحقيقة والدعاية

المشكلة الحقيقة  لا تكمن فقط في انحياز الإعلام، بل في غياب المساحة المشتركة للحقيقة. فحين تتحول كل رواية إلى “حقيقة مطلقة” داخل إطارها، يصبح من الصعب على المواطن أن يكوّن فهمًا حقيقيًا لما يجري علي الساحة من احداث ويترك الأعلام للمتلقي ان يبحث في امكان مختلفة عن الحقيقة او مايؤكد اعتقادة  فيلجأ الي مواقع التواصل الاجتماعي التي تعج برويات كاذبة وقصص خيالية لتزيد الامر تعقيدا .

وهنا، لا تعود القضية مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تتحول إلى أزمة وعي، حيث يُعاد تشكيل إدراك الجمهور وفقًا للمنصة التي يتابعها، لا وفقًا للواقع الفعلي.

الأنتصار والواقع المعقد

في النهاية، قد تبدو الصورة على الشاشات مريحة: الجميع منتصر، والجميع يملك روايته المتماسكة. لكن خلف هذه الصورة، هناك واقع أكثر قسوة وتعقيدًا، حيث تظل الأسئلة الكبرى بلا إجابة، ويظل المواطن في حالة ترقب دائم.

هكذا تتحقق المعادلة الصامتة:
انتصارات إعلامية للدول… وهزيمة مستمرة للمواطن.

 
 
عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.