في الوقت الذبي تتجه فية الأنظار إلى إسلام آباد حيث تستضيف العاصمة الباكستانية مفاوضات حساسة بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز سؤال ثقيل في الخليج: كيف تُصاغ الترتيبات الأمنية والسياسية لمنطقة يدفع أهلها ثمن الحرب، بينما لا يجلسون على الطاولة الرئيسية؟ فالتشكيلة المعلنة للمحادثات تضم وفدي واشنطن وطهران بوساطة باكستان، في حين تبدو دول الخليج خارج التمثيل المباشر، رغم أن منشآتها تعرضت لهجمات، وممراتها البحرية اهتزت، وأسواقها واقتصاداتها تحملت كلفة التصعيد.
مفاوضات إسلام آباد.. من يجلس على الطاولة فعلًا؟
بحسب ما أعلنته رويترز، فإن الوفد الأمريكي يقوده نائب الرئيس جيه دي فانس، بينما يُنتظر أن يتولى الجانب الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ومسؤولون آخرون، على أن تستضيف باكستان المحادثات بعد هدنة هشة. كما نقلت الإندبندنت أن “مندوبي الجانبين” الأمريكي والإيراني هم من يتجهون إلى إسلام آباد لاستكمال التفاوض. هذا يعني أن الطاولة، في شكلها المباشر المعلن، ثنائية في الجوهر: واشنطن وطهران، مع وسيط باكستاني، لا أكثر.
أين دول الخليج من هذه المعادلة؟
هنا تبدأ المفارقة. دول الخليج ليست بعيدة عن الأزمة، بل هي من أكثر الأطراف تضررًا بها. رويترز نقلت عن مصادر خليجية أن هذه الدول أبلغت واشنطن بأن إنهاء الحرب وحده لا يكفي، وأن أي اتفاق يجب أن يفرض قيودًا قابلة للتنفيذ على صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة وتهديداتها للموانئ والطاقة والشحن. كما أكد أنور قرقاش أن أي تسوية لا تضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز ولا تعالج ملف الصواريخ والمسيّرات والبرنامج النووي ستقود إلى شرق أوسط أكثر خطورة وتقلبًا. بعبارة أوضح: الخليج ليس خارج الأزمة، لكنه خارج المقعد الرئيسي في إدارة نهايتها.
أقرأ أيظا
الخليج يدفع الفاتورة.. لكن لا يوقّع على الشروط
المعادلة التي تثير الغضب في العواصم الخليجية واضحة: دول الخليج تتحمل الضربات المباشرة أو مخاطرها، وتتعرض منشآتها وممراتها البحرية وأسواقها لارتدادات الحرب، لكنها لا تملك حتى الآن مقعدًا معلنًا داخل المفاوضات النهائية نفسها. رويترز أشارت بوضوح إلى أن مسؤولين خليجيين قالوا إن بلدانهم تعرضت مرارًا لإطلاق النار خلال الحرب، وطالبوا الولايات المتحدة بألا تخرج من التفاوض باتفاق يوقف الحرب شكليًا ويترك أدوات التهديد الإيرانية قائمة. كما أن اضطراب المرور عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال عالميًا، وضع اقتصادات الخليج في قلب الصدمة، لا على هامشها.
لماذا تستبعد واشنطن دول الخليج من التفاوض المباشر؟
الجواب الأقرب للواقع أن الولايات المتحدة تريد طاولة صغيرة وملفًا ضيقًا. كلما ازداد عدد الحاضرين على الطاولة، زادت الشروط المتضاربة وتعقد الوصول إلى اتفاق سريع. من مصلحة واشنطن في هذه المرحلة أن تفاوض على الحد الأدنى: تثبيت الهدنة، منع الانهيار الكامل، وضمان خطوط الملاحة، بدل تحويل التفاوض إلى مؤتمر إقليمي واسع. لهذا تبدو إسلام آباد منصة لإدارة نزاع أمريكي-إيراني مباشر بوسيط موثوق، لا منتدى شاملًا لإعادة تصميم الأمن الخليجي بمشاركة كل المتضررين. وهذه قراءة تحليلية تستند إلى تركيبة الوفود المعلنة وطبيعة القضايا المطروحة كما عرضتها رويترز وأسوشيتد برس.
السبب الثاني.. واشنطن تريد احتكار “قرار النهاية”
ثمة سبب أعمق من مجرد تقليص عدد المشاركين: الولايات المتحدة لا تريد أن تتقاسم قرار “نهاية الحرب” مع حلفائها بقدر ما تريد أن تفاوض إيران مباشرة على الشروط التي تراها مناسبة لمصالحها هي أولًا. هذا يفسر لماذا تُستمع إلى المطالب الخليجية في الكواليس، لكن لا تُترجم إلى شراكة كاملة في صوغ الاتفاق. رويترز ذكرت أن باكستان ستطرح خلال المحادثات مظالم دول الخليج المتحالفة مع واشنطن والتي تعرضت لهجمات إيرانية، وهو ما يعني أن الخليج حاضر كـ“ملف” داخل النقاش، لا كـ“طرف” أصيل على الطاولة. وهذا فرق سياسي بالغ الأهمية.
وأقرأ ايظا
السبب الثالث.. انعدام الثقة الأمريكية في تعدد الأجندات الخليجية
ليست دول الخليج كتلة واحدة بالكامل في هذا الملف. بعض العواصم يركز على أمن الطاقة والملاحة، وبعضها يضغط أكثر باتجاه تحجيم برنامج الصواريخ والمسيّرات، وبعضها يتحرك بحذر لتجنب انفجار إقليمي أوسع. لذلك قد ترى واشنطن أن إشراك الجميع مباشرة سيضيف طبقة جديدة من الحسابات المتباينة، بينما الهدف الأمريكي الفوري هو احتواء الحرب لا بناء نظام أمني إقليمي توافقي من أول جلسة. حتى المواقف الخليجية المعلنة تعكس هذه الازدواجية: الرغبة في إنهاء الحرب من جهة، ورفض وقف إطلاق نار يترك أسباب الخطر قائمة من جهة أخرى.
هل يعني ذلك أن الخليج مُهمَّش بالكامل؟
ليس تمامًا. فقبل الوصول إلى الطاولة الأمريكية-الإيرانية المباشرة، استضافت إسلام آباد اجتماعًا ضم وزراء من السعودية ومصر وتركيا وباكستان لبحث خفض التصعيد وإمكانية الدفع نحو مفاوضات أمريكية-إيرانية. كما وصفت الإندبندنت وبقية التغطيات هذا المسار بأنه تعبير عن صعود كتلة إقليمية جديدة تلعب دور القنوات التفاوضية والتمهيدية. لكن الفرق الجوهري يبقى قائمًا: هناك فارق بين أن تمهّد للمفاوضات وبين أن تكون حاضرًا في المفاوضات التي تصنع التسوية النهائية.
وماذا عن إسرائيل؟ هل هي أيضًا مُستبعدة؟
في الشكل المعلن لهذه المحادثات، نعم، إسرائيل ليست ضمن قائمة الحضور المباشر التي أوردتها رويترز للمفاوضات في إسلام آباد. لكن هذا لا يعني أنها غائبة عن التأثير. على العكس، رويترز أشارت إلى أن أي تصعيد إسرائيلي جديد قد يضيق مساحة التفاوض ويهدد المسار كله، وأن باكستان حاولت أيضًا الدفع نحو توسيع التهدئة لتشمل لبنان بسبب أثر العمليات الإسرائيلية على فرص نجاح المحادثات. إذن إسرائيل ليست على الكرسي الرسمي داخل القاعة، لكنها حاضرة كعامل ضغط ميداني وسياسي قادر على تعطيل أي اتفاق أو تعديل اتجاهه.
لماذا اختارت واشنطن باكستان تحديدًا؟
اختيار باكستان لم يأت من فراغ. رويترز وصفت دور إسلام آباد بأنه تحول من مجرد نقل الرسائل إلى لعب دور نشط في التفاوض، مع قدرة على التأثير في التفكير الإيراني والوصول أيضًا إلى البيت الأبيض. كما أن باكستان تجمع بين ثلاثة عناصر تحتاجها واشنطن في هذا التوقيت: خطوط اتصال مع طهران، علاقات وثيقة مع عواصم الخليج، وقناة مفتوحة مع إدارة ترامب. لهذا بدت إسلام آباد منصة مناسبة لإدارة تفاوض حساس في لحظة تتسم بهدنة هشة ومخاطر انهيار سريعة.
ما الذي تخشاه دول الخليج من هذه الصيغة؟
الخوف الخليجي لا يتعلق فقط بكونه خارج القاعة، بل بما يمكن أن يخرج من القاعة. دول الخليج تخشى اتفاقًا أمريكيًا-إيرانيًا يركز على وقف النار مؤقتًا وفتح هرمز، لكنه لا يضع قيودًا صارمة على الصواريخ والمسيّرات ووكلاء إيران، أو يمنح طهران قدرة مستمرة على تهديد الطاقة والشحن متى شاءت. رويترز نقلت هذه المخاوف بشكل مباشر: المطلوب خليجيًا ليس مجرد وقف الحرب، بل تسوية تمنع “تسليح” الطاقة والممرات البحرية مرة أخرى. ومن هنا يأتي الإحساس بأن مستقبل الأمن الخليجي قد يُصاغ من فوق رؤوس أصحابه.
قراءة أوسع.. هل نحن أمام “استراتيجية تهميش” فعلًا؟
يمكن وصف ما يحدث بأنه تهميش وظيفي أكثر منه قطيعة سياسية. واشنطن لا تقول لحلفائها الخليجيين إنهم غير مهمين، لكنها تتصرف وكأن دورهم في هذه المرحلة هو التمويل والاستقرار واستيعاب الصدمة، لا الجلوس في المركز الذي تُصنع فيه التسوية. هذا النمط ليس جديدًا تمامًا في السياسة الأمريكية: حين تريد واشنطن اتفاقًا سريعًا ومركزيًا، تميل إلى تقليص اللاعبين المباشرين ثم إبلاغ الحلفاء بالنتائج، مع إبقاء قنوات التشاور مفتوحة شكليًا أو عبر الوسطاء. واللافت هذه المرة أن رويترز أشارت إلى أن باكستان نفسها ستتولى نقل مظالم الخليج داخل القاعة، وهو ما يعمّق شعور العواصم الخليجية بأنها ممثلة بواسطة غيرها في ملف يمس بقاءها الاقتصادي والأمني.
لماذا تستبعد أمريكا دول الخليج من مفاوضات أمريكا وإيران؟
الخلاصة أن الاستبعاد الحالي له أربعة أسباب مترابطة:
أولًا، لأن واشنطن تريد مفاوضات ضيقة وسريعة مع الطرف الذي يحاربها مباشرة، وهو إيران.
ثانيًا، لأنها تريد احتكار قرار التسوية وعدم ربطه بسقف مطالب خليجي مرتفع.
ثالثًا، لأن تعدد الأجندات الإقليمية يعقّد التوصل إلى اتفاق عاجل.
رابعًا، لأن واشنطن ترى أن حلفاءها الخليجيين يمكن الاستماع إليهم من الخارج، أو عبر وسطاء مثل باكستان، دون منحهم مقعدًا مباشرًا في صياغة النص النهائي. وكل ذلك يحدث بينما يتحمل الخليج الجزء الأكبر من كلفة الحرب على مستوى الطاقة والملاحة والمنشآت والثقة الاستثمارية.
السؤال الأخطر بعد ذلك
إذا كانت دول الخليج تموّل الاستقرار الإقليمي، وتتحمل كلفة الانفجار، وتُستهدف منشآتها وممراتها، ثم تُترك خارج الطاولة التي ترسم أمنها، فالمشكلة لم تعد فقط في إيران أو في الحرب، بل في طبيعة التحالف نفسه: هل ما زالت واشنطن ترى الخليج شريكًا في صنع القرار، أم مجرد ساحة تنفيذ وامتصاص للصدمات؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل صار جوهر الأزمة السياسية التي كشفتها مفاوضات إسلام آباد.
كلمات بحث دالة: مفاوضات أمريكا وإيران – مفاوضات واشنطن وطهران في باكستان – لماذا تستبعد أمريكا دول الخليج – استبعاد الخليج من مفاوضات إيران – دور باكستان في مفاوضات أمريكا وإيران – موقف دول الخليج من مفاوضات واشنطن وطهران – مضيق هرمز وأمن الخليج – هل تُهمش أمريكا حلفاءها في الخليج – مفاوضات إسلام آباد 2026 – استراتيجية التهميش الأمريكية في الشرق الأوسط




