دخلت أزمة استنزاف الترسانة الأمريكية بسبب الحرب مع إيران مرحلة أكثر اشتعالًا داخل واشنطن، بعدما تحولت تصريحات السيناتور الديمقراطي مارك كيلي، عضو لجنة القوات المسلحة، من مجرد تحذير بشأن تراجع مخزونات الذخائر إلى اتهام مباشر من وزير الدفاع بيت هيجسيث بإفشاء معلومات مرتبطة بإحاطة سرية للبنتاجون.
القضية لم تعد الآن سؤالًا عن حجم ما خسرته الولايات المتحدة من صواريخ واعتراضات دفاعية في المواجهة مع إيران فقط، بل أصبحت معركة سياسية وأمنية حول ما إذا كان كيلي قد كشف على شاشة CBS تفاصيل حساسة تمس جاهزية الجيش الأمريكي ومخزوناته الاستراتيجية.
ماذا قال بيت هيجسيث عن مارك كيلي؟
بحسب تقارير أمريكية، هاجم وزير الدفاع بيت هيجسيث السيناتور مارك كيلي بعد ظهوره في برنامج Face the Nation على شبكة CBS، وقال إن كيلي تحدث على التلفزيون عن إحاطة سرية للبنتاجون، متسائلًا عما إذا كان قد انتهك قسمه مرة أخرى، ومشيرًا إلى أن المستشار القانوني في البنتاجون سيراجع تصريحاته.
وجاءت صيغة الهجوم شديدة الحدة، إذ وصف هيجسيث حديث كيلي بأنه “ثرثرة” عن إحاطة مصنفة، معتبرًا أن ما قاله السيناتور قد يتجاوز حدود النقد السياسي إلى منطقة أكثر حساسية تتعلق بالمعلومات العسكرية والجاهزية القتالية.
تصريحات كيلي التي أشعلت الأزمة
الأزمة بدأت عندما تحدث مارك كيلي على CBS عن تأثير الحرب مع إيران على مخزونات الأسلحة الأمريكية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة استهلكت كميات كبيرة من الذخائر، وأن تعويض هذه المخزونات قد يستغرق سنوات. ووفق تقرير فوكس نيوز، ذكر كيلي أسماء منظومات وذخائر بعينها، بينها توماهوك، وATACMS، وSM-3، وثاد، وباتريوت.
وقال كيلي إن حجم التراجع داخل “المخازن” كان صادمًا، محذرًا من أن هذا الاستنزاف قد يجعل الشعب الأمريكي أقل أمنًا، سواء في حال وقوع صراع مع الصين في غرب المحيط الهادئ أو في أي منطقة أخرى من العالم.

هل ما قاله كيلي تسريب أم تحذير سياسي؟
هنا تقع عقدة الأزمة. من جانب هيجسيث، يتم تصوير كلام كيلي باعتباره خروجًا بمعلومات حساسة من إحاطة مصنفة إلى العلن، وهو ما يبرر مراجعة قانونية داخل وزارة الدفاع. أما كيلي، فوفق تقارير أمريكية، رد بأن مخاوف استنزاف المخزون نوقشت أيضًا في جلسات عامة، وأنه لم يكشف معلومات سرية، بل حذر من آثار حرب بلا هدف واضح أو جدول زمني.
وبهذا المعنى، تحولت القضية إلى صراع على الرواية: هل كيلي كشف ما لا يجب كشفه؟ أم أن الإدارة الأمريكية تحاول إسكات صوت ينتقد تكلفة الحرب مع إيران ويكشف للرأي العام حجم الاستنزاف العسكري؟
حرب إيران تفتح جبهة داخلية في واشنطن
اللافت أن الهجوم على كيلي لا ينفصل عن مناخ سياسي أوسع داخل واشنطن. فالحرب مع إيران لم تعد فقط اختبارًا للقدرة العسكرية الأمريكية في الخليج، بل أصبحت أيضًا اختبارًا لمدى قدرة إدارة ترامب على إقناع الكونجرس والرأي العام بأن هذه الحرب تملك هدفًا واضحًا.
تصريحات كيلي ضربت نقطة حساسة جدًا: إذا كانت واشنطن تنفق صواريخ دقيقة واعتراضات متقدمة يوميًا لحماية قواعدها ومصالحها وممرات الملاحة، بينما تحتاج المصانع الدفاعية إلى سنوات لتعويض الفاقد، فإن الأزمة تتجاوز إيران إلى مستقبل الردع الأمريكي أمام الصين وروسيا.
لماذا ذكر أسماء الصواريخ مشكلة خطيرة؟
ذكر أسماء مثل توماهوك وATACMS وSM-3 وثاد وباتريوت ليس تفصيلًا عابرًا؛ لأن هذه الأنظمة ترتبط مباشرة بقدرة الولايات المتحدة على الضرب البعيد، والدفاع الصاروخي، وحماية القواعد والقوات والسفن. لذلك فإن الحديث العلني عن استنزافها قد يمنح خصوم واشنطن إشارات مهمة حول نقاط الضغط داخل الترسانة الأمريكية.
حتى لو كانت بعض المعلومات متداولة في نقاشات عامة، فإن وضعها في سياق واحد مع حرب جارية وإحاطة للبنتاجون يجعلها أكثر حساسية، لأن الخصوم لا يحتاجون دائمًا إلى أرقام دقيقة؛ أحيانًا تكفيهم مؤشرات سياسية وعسكرية لفهم اتجاه الضعف.
هيجسيث وكيلي.. خلاف قديم يعود من بوابة إيران
التوتر بين هيجسيث وكيلي ليس جديدًا. فقد سبق أن دخل الطرفان في مواجهة سياسية وقانونية على خلفية فيديو شارك فيه كيلي مع ديمقراطيين آخرين يحث العسكريين على رفض الأوامر غير القانونية، وهو ما اعتبره ترامب وهيجسيث سلوكًا خطيرًا. وأشارت تقارير أمريكية إلى أن محاولات سابقة لمعاقبة كيلي واجهت عقبات قانونية، بينها قرار قضائي منع البنتاجون من اتخاذ إجراءات ضده.
لذلك جاءت عبارة “هل انتهك قسمه مرة أخرى؟” محملة بخلفية سياسية قديمة، وليست مجرد تعليق عابر على مقابلة تلفزيونية.
التحليل السياسي.. ترامب وهيجسيث يحاولان قلب الطاولة
من الناحية السياسية، تبدو إدارة ترامب وهيجسيث في موقع دفاعي أمام سؤال صعب: هل الحرب مع إيران تستنزف الجيش الأمريكي؟ لذلك فإن تحويل النقاش من “حجم الاستنزاف” إلى “هل سرّب كيلي معلومات سرية؟” يمنح الإدارة فرصة لتغيير مسار الجدل.
لكن هذا لا يلغي جوهر الأزمة. فإذا كان مخزون الذخائر فعلًا يتراجع بوتيرة مقلقة، فإن ملاحقة كيلي لن تعيد الصواريخ إلى المخازن. وإذا كان كلامه مبالغًا فيه أو غير دقيق كما يقول هيجسيث، فإن الإدارة مطالبة بتقديم رد واضح للرأي العام والكونجرس حول قدرة البنتاجون على تعويض الذخائر والحفاظ على الجاهزية.
ماذا تعني المراجعة القانونية؟
إعلان هيجسيث أن المستشار القانوني في البنتاجون سيراجع تصريحات كيلي يعني أن القضية قد تدخل مسارًا رسميًا، ولو مبدئيًا. لكن الوصول إلى اتهام قانوني فعلي يحتاج إلى إثبات أن المعلومات التي كشفها كيلي كانت مصنفة فعلًا، وأنه كان يعلم حساسيتها، وأن تصريحاته تجاوزت ما هو متاح في المجال العام.
وفي المقابل، سيحاول كيلي الدفاع عن نفسه بأن حديثه كان في إطار رقابة الكونجرس على الحرب، وأن الشعب الأمريكي من حقه معرفة ما إذا كانت الحرب تستنزف قدرات البلاد وتضع أمنها في خطر.
أزمة الحرب مع إيران وفصل جديد
ما كتبه ترامب وما قاله هيجسيث يفتح فصلًا جديدًا في أزمة الحرب مع إيران. فبعد أن كان السؤال: “هل تستنزف طهران مخزون الذخائر الأمريكية؟”، أصبح السؤال الآن: “هل كشف عضو في لجنة القوات المسلحة أسرارًا حساسة على الهواء؟”.
لكن خلف هذا الصخب السياسي تبقى الحقيقة الأكثر خطورة: الحرب مع إيران تكشف هشاشة معادلة القوة الأمريكية عندما تتحول المواجهة إلى استنزاف طويل. وبين اتهامات التسريب، وتحذيرات نقص الذخائر، ومراجعة المستشار القانوني، تبدو واشنطن وكأنها تخوض حربين في وقت واحد: حربًا خارجية مع إيران، وحربًا داخلية على تفسير كلفة هذه الحرب أمام الشعب الأمريكي.


