هل تتحول الحرب الأمريكية-الإيرانية إلى ساحة استنزاف كبرى؟ قراءة تحليلية في دور روسيا والصين وصفقة الصواريخ المحمولة
مع تصاعد الخطاب المتشدد في المنطقة، وصدور تصريحات إيرانية بأن “الحرب القادمة لن تكون تمثيلية بل شاملة”، عاد سؤال قديم بثوب جديد:
هل يمكن أن تتحول أي مواجهة أمريكية-إيرانية إلى كمين استنزاف طويل يخدم أطرافًا عالمية أخرى؟
التقارير التي تحدثت عن صفقة بقيمة نصف مليار يورو لتزويد طهران بآلاف الصواريخ الروسية المحمولة على الكتف، أعادت رسم مشهد مقلق: ليس مواجهة تقليدية بين جيشين، بل ساحة تتقاطع فيها مصالح موسكو وبكين وواشنطن.
أولًا: من الحرب الخاطفة إلى حرب الاستنزاف
في الحسابات العسكرية الحديثة، لا يُقاس النجاح فقط بحجم الضربة الأولى، بل بقدرة الخصم على تحويل التفوق التكنولوجي إلى عبء مكلف.
إذا اندلعت مواجهة واسعة:
-
الولايات المتحدة ستعتمد على التفوق الجوي والبحري
-
إيران ستعتمد على العمق الجغرافي، والحرب غير المتكافئة، وانتشار الصواريخ
وهنا يبرز مفهوم “فخ الاستنزاف”:
بدل مواجهة حاسمة قصيرة، يتم جرّ القوة المتفوقة إلى مسرح عمليات معقد، واسع، ومفتوح على جبهات متعددة.
ثانيًا: الصواريخ المحمولة على الكتف.. سلاح “خارج الرادار”
الحديث عن آلاف الصواريخ المحمولة المضادة للطائرات (MANPADS) لا يعني تغيير ميزان القوى الاستراتيجي، لكنه قد يغير قواعد الاشتباك التكتيكي.
خطورتها تكمن في:
-
سهولة الإخفاء والنقل
-
صعوبة اكتشافها مسبقًا
-
قدرتها على استهداف المروحيات والطائرات منخفضة الارتفاع
انتشارها على نطاق واسع قد يفرض قيودًا على العمليات القريبة، ويزيد كلفة أي إنزال أو تحرك بري محدود.
لكن في المقابل، تمتلك الجيوش الكبرى:
-
وسائل تشويش إلكتروني
-
أنظمة تحذير مبكر
-
تكتيكات طيران عالية الارتفاع
ما يعني أن التأثير سيكون تكتيكيًا أكثر منه استراتيجيًا.

ثالثًا: هل دخلت روسيا والصين على “خط الكمين”؟
روسيا
من مصلحة موسكو أن ينشغل الغرب بجبهة أخرى، ما يخفف الضغط في ساحات أخرى.
أي تصعيد في الخليج قد يرفع أسعار الطاقة، وهو عامل يصب غالبًا في مصلحة روسيا اقتصاديًا.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة انخراطًا مباشرًا في حرب، لأن المواجهة المفتوحة مع واشنطن تحمل مخاطر عالمية غير محسوبة.
الصين
بكين تعتمد على استقرار الخليج لتأمين الطاقة.
أي حرب واسعة تهدد سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما لا يخدم الاقتصاد الصيني.
لذلك، قد تمارس الصين ضغطًا دبلوماسيًا وإعلاميًا، لكنها تميل تاريخيًا إلى تجنب الانخراط العسكري المباشر.
رابعًا: هل تصبح إيران “ساحة تصفية حسابات”؟
السيناريو الأخطر ليس حربًا قصيرة، بل:
-
هجمات متبادلة محدودة
-
ضربات عبر وكلاء
-
إغلاق جزئي لممرات بحرية
-
تصعيد تدريجي غير محسوم
هذا النوع من الصراعات لا يحسم بسرعة، بل يستنزف الموارد، ويخلق بيئة ضغط اقتصادي عالمي.
خامسًا: هل التفوق الجوي قابل للتحييد؟
حتى مع انتشار صواريخ محمولة:
-
التفوق الجوي الأمريكي يعتمد على طائرات شبحية بعيدة المدى
-
الضربات الحديثة تُدار عبر مسافات آمنة
-
الأقمار الصناعية وأنظمة الاستطلاع تمنح أفضلية معلوماتية
لكن القيود التكتيكية قد ترفع تكلفة العمليات، وهو ما يدخل ضمن حسابات الردع المتبادل.
هل نحن أمام “نادي سلاح خارج العقوبات”؟
التعاون العسكري بين قوى تخضع لعقوبات دولية يعكس واقعًا جيوسياسيًا جديدًا:
تحالفات مرنة، تبادل تقني، ومناطق نفوذ متداخلة.
لكن تحويل هذا التعاون إلى “كمين عالمي” يحتاج:
-
توافقًا استراتيجيًا عميقًا
-
استعدادًا لتحمل تبعات مواجهة مع واشنطن
-
قدرة على إدارة تصعيد قد يخرج عن السيطرة
وهي شروط لا تبدو سهلة في ظل التوازنات الحالية.
حرب استنزاف ضد زاشنطن
هل يمكن أن تتحول أي حرب أمريكية-إيرانية إلى فخ استنزاف؟
نعم، إذا طال أمدها وتعددت جبهاتها.
هل دخلت روسيا والصين رسميًا في كمين ضد واشنطن؟
المؤشرات تشير إلى تقاطعات مصالح، لا إلى تحالف عسكري مباشر.
الحقيقة الأهم أن كل الأطراف تدرك أن حربًا شاملة لن تكون محدودة جغرافيًا، بل قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والأمن البحري.
ولهذا، يبقى الردع المتبادل — حتى اللحظة — أقوى من قرار الانفجار.


