عندما تتحول الشراكة إلى صِمَام أمان
في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، تتزايد فيها محاولات فرض وقائع جديدة بالقوة، تبرز مصر والسعودية باعتبارهما صِمَام أمان الأمن القومي العربي، وركيزتين أساسيتين لإعادة ضبط توازنات المنطقة. هذا الدور لم يعد محل قراءة عربية فقط، بل بات حاضرًا في التحليلات الإسرائيلية نفسها، التي تتحدث عن قلق متصاعد من تحركات القاهرة والرياض منذ أحداث 7 أكتوبر 2023.
وفي هذا السياق، كشفت مجلة Epoch الإسرائيلية أن مصادر سياسية وأمنية داخل إسرائيل تؤكد أن السعودية، بالتعاون الوثيق مع مصر، بدأت مراجعة شاملة لموقفها من التمدد الإسرائيلي المتسارع في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، بما يحمله من تهديدات مباشرة للأمن العربي الجماعي.
قلق إسرائيلي من تحالف مصري سعودي متماسك
بحسب ما أوردته المجلة، فإن تل أبيب ترصد بقلق متزايد تنسيقًا مصريًا سعوديًا يستهدف احتواء تعزيز إسرائيل لنفوذها الإقليمي، خاصة في مناطق استراتيجية تمس خطوط الملاحة الدولية وأمن البحر الأحمر.
وترى الدوائر الأمنية الإسرائيلية أن القاهرة والرياض باتتا تنظران إلى التحركات الإسرائيلية خارج حدود فلسطين المحتلة باعتبارها خطرًا هيكليًا، لا مجرد خلاف سياسي عابر، ما دفعهما إلى التفكير في استراتيجية أوسع تتجاوز ردود الفعل المؤقتة.
الاعتراف بصوماليلاند.. شرارة إعادة التموضع
تشير تقارير Epoch إلى أن خطوة إسرائيل بالاعتراف بإقليم صوماليلاند شكّلت نقطة تحوّل مفصلية في الحسابات الإقليمية. إذ اعتُبرت هذه الخطوة محاولة لفتح موطئ قدم عسكري وسياسي لإسرائيل قرب مدخل مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
هذا التطور دفع السعودية، بالتنسيق مع مصر، إلى بحث تشكيل تحالف إقليمي يضم قوى مؤثرة، في مقدمتها تركيا والصومال، بهدف منع تحويل القرن الإفريقي إلى ساحة نفوذ إسرائيلي مباشر.
تحالفات جديدة لحماية البحر الأحمر
وفقًا للمجلة الإسرائيلية، تسعى الرياض إلى بلورة تحالف عسكري وأمني واسع يضم مصر وتركيا والصومال، كخط دفاع متقدم عن الأمن القومي العربي، وكإشارة واضحة على رفض فرض معادلات جديدة تهدد استقرار المنطقة.
وتحذر القاهرة، بحسب التقرير، من أي وجود عسكري إسرائيلي محتمل قرب البحر الأحمر، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على قناة السويس والأمن البحري المصري، بينما ترى السعودية في هذه التحركات تهديدًا استراتيجيًا لأمنها القومي ومجالها الحيوي.

تركيا والصومال.. أدوار متقاطعة في معادلة الردع
تلفت Epoch إلى أن تركيا تمتلك بالفعل قاعدة عسكرية كبيرة في الصومال، ما يجعلها لاعبًا محوريًا في أي ترتيبات أمنية مستقبلية في القرن الإفريقي. كما تشير إلى أن السعودية، بالتعاون مع مصر وتركيا، تعمل على تعميق دعمها لحكومة مقديشو، في مواجهة أي محاولات لتقويض سيادة الصومال أو استغلال أراضيه لصالح أجندات خارجية.
وفي المقابل، تحرص مصر على الحفاظ على نفوذها التاريخي في محيط البحر الأحمر، باعتباره امتدادًا طبيعيًا لأمنها القومي، وليس مجرد ساحة نفوذ بعيدة.
بلومبرغ: تحالف ثلاثي يلوح في الأفق
وفي سياق متصل، أشارت المجلة الإسرائيلية إلى تقرير سابق لوكالة Bloomberg بتاريخ 16 يناير، أفاد بأن السعودية تقترب من إبرام تحالف عسكري ثلاثي جديد مع مصر والصومال.
ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، ومنع تشكّل واقع إقليمي جديد يخدم المصالح الإسرائيلية على حساب استقرار الدول العربية ومصالحها الحيوية.
مصر والسعودية.. ركيزتا التوازن العربي
تعكس هذه التحركات، كما تراها مراكز بحث إقليمية، حقيقة أن مصر والسعودية لم تعودا تتعاملان مع التحديات الراهنة بمنطق رد الفعل، بل بمنهج الاستباق الاستراتيجي، القائم على بناء التحالفات، وتحصين الممرات الحيوية، ومنع الانزلاق نحو فوضى إقليمية مفتوحة.
صِمَام أمان يتجاوز اللحظة
في ضوء ما تكشفه التقارير الإسرائيلية والغربية، يتأكد أن الشراكة المصرية السعودية تمثل اليوم صِمَام أمان حقيقي للأمن القومي العربي، ليس فقط في مواجهة التمدد الإسرائيلي، بل في حماية استقرار المنطقة بأكملها. وبينما تتغير خرائط النفوذ، يبقى الرهان على هذا الثقل العربي المشترك كضامن للتوازن، وكحائط صد أمام محاولات فرض واقع جديد لا يخدم سوى مزيد من الاضطراب.


