الاثنين، ١١ مايو ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٠ م

مخزون السلاح الأمريكي تحت الضغط.. اتهامات تسريب تشعل واشنطن تحذيرات مارك كيلي من استنزاف حرب إيران

تدخل الولايات المتحدة واحدة من أخطر لحظات الجدل العسكري والسياسي منذ اندلاع الحرب مع إيران، بعدما تحولت قضية مخزون السلاح الأمريكي من ملف فني داخل غرف البنتاجون إلى معركة مفتوحة على شاشات التلفزيون ومنصات التواصل. فالتصريحات التي أدلى بها السيناتور الديمقراطي مارك كيلي بشأن تآكل مخزونات الذخائر والصواريخ الأمريكية لم تمر مرورًا عابرًا، بل فجّرت ردًا حادًا من وزير الدفاع بيت هيجسيث، الذي اتهمه بالتحدث علنًا عن إحاطة سرية للبنتاجون، وفتح الباب أمام مراجعة قانونية لما إذا كان قد انتهك قسمه.

القضية أكبر من خلاف حزبي بين إدارة ترامب وعضو ديمقراطي في لجنة القوات المسلحة؛ إنها تكشف مأزقًا أعمق يتعلق بقدرة واشنطن على الاستمرار في حرب طويلة مع إيران، وفي الوقت نفسه الحفاظ على جاهزيتها لصراعات أكبر مع قوى مثل الصين وروسيا. وهنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستنزف حرب إيران الترسانة الأمريكية إلى حد يهدد الردع الأمريكي نفسه؟

ماذا قال مارك كيلي عن مخزون السلاح الأمريكي؟

بدأت الأزمة عندما تحدث السيناتور مارك كيلي في مقابلة مع برنامج Face the Nation على شبكة CBS عن التأثير الخطير للحرب مع إيران على مخزونات الذخائر الأمريكية. ووفق تقارير أمريكية، قال كيلي إن حجم التوغل داخل “مخازن الذخائر” كان صادمًا، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة أنفقت كميات كبيرة من الذخائر في حرب دخلتها دون هدف استراتيجي واضح أو خطة أو جدول زمني محدد. كما حذر من أن تعويض هذه المخزونات قد يستغرق سنوات، وأن هذا الوضع قد يجعل الشعب الأمريكي أقل أمنًا.

الأكثر حساسية في كلام كيلي أنه لم يتحدث بشكل عام فقط، بل ذكر أسماء منظومات وذخائر بعينها، بينها توماهوك، وATACMS، وSM-3، وذخائر ثاد وباتريوت. وهذه ليست ذخائر عادية، بل أنظمة مرتبطة بالضربات بعيدة المدى، والدفاع الجوي والصاروخي، وحماية القوات والقواعد والسفن في مناطق التوتر.

هيجسيث يرد بعنف.. هل سرّب كيلي معلومات مصنفة؟

رد وزير الدفاع بيت هيجسيث كان مباشرًا وقاسيًا، إذ اتهم كيلي بأنه تحدث على التلفزيون عن إحاطة سرية للبنتاجون، وتساءل عما إذا كان قد انتهك قسمه مرة أخرى، مؤكدًا أن المستشار القانوني في وزارة الدفاع سيراجع تصريحاته. ووصفت تقارير أمريكية هذه الخطوة بأنها فصل جديد من مواجهة طويلة بين هيجسيث وكيلي، خاصة بعد خلافات سابقة بينهما حول فيديو دعا فيه كيلي وعدد من الديمقراطيين العسكريين إلى رفض الأوامر غير القانونية.

لكن كيلي رد بأن مخاوف استنزاف المخزونات نوقشت أيضًا في جلسات عامة، وأن ما قاله لم يكن إفشاءً لأسرار عسكرية، بل تحذيرًا مشروعًا من حرب تستنزف قدرات الولايات المتحدة دون خطة واضحة. وهنا تحولت القضية إلى صراع على الرواية: الإدارة تقول إن السيناتور كشف معلومات حساسة، وكيلي يقول إنه يمارس دوره الرقابي ويحذر من خطر يمس الأمن القومي.

                                                        مارك كيلي اثناء الحديث عن المخزون

من أزمة ذخائر إلى معركة سياسية داخل واشنطن

اللافت أن الجدل لم يعد يدور فقط حول كمية الصواريخ والذخائر المستهلكة، بل حول من يملك حق الحديث عنها. فالإدارة الأمريكية تحاول تصوير تصريحات كيلي باعتبارها تسريبًا يضر بالجاهزية العسكرية ويمنح الخصوم مؤشرات عن نقاط الضعف داخل الترسانة الأمريكية، بينما يرى منتقدو الإدارة أن الهجوم على كيلي محاولة لتحويل الأنظار بعيدًا عن السؤال الأصلي: لماذا وصلت مخزونات السلاح الأمريكي إلى هذا المستوى من الضغط؟

بهذا المعنى، أصبحت أزمة مخزون السلاح الأمريكي حربًا داخل الحرب؛ حرب خارجية مع إيران تستهلك الصواريخ والاعتراضات، وحرب داخلية في واشنطن حول المسؤولية، والشفافية، وحدود الرقابة البرلمانية على قرارات الحرب.

لماذا يمثل استنزاف الذخائر الأمريكية خطرًا استراتيجيًا؟

خطورة الأزمة لا تكمن فقط في أن واشنطن استخدمت كميات كبيرة من الذخائر، بل في نوعية الذخائر نفسها. فأنظمة مثل باتريوت وثاد وSM-3 وتوماهوك لا تُعوّض بسرعة، وإنتاجها يحتاج إلى سلاسل توريد معقدة، ومصانع متخصصة، وتمويل ضخم، وجداول زمنية قد تمتد لسنوات.

وتشير تقارير عن قلق داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية من أن الإنفاق المكثف للذخائر في حرب إيران قد يربك خطط الطوارئ الأمريكية في مناطق أخرى، وعلى رأسها سيناريو الدفاع عن تايوان في حال اندلاع أزمة مع الصين. وذكرت تقارير أن الحرب مع إيران أثارت مخاوف لدى بعض المسؤولين بشأن قدرة الولايات المتحدة على الرد السريع إذا تحركت الصين عسكريًا في غرب المحيط الهادئ.

إيران كحرب استنزاف لا كمعركة حسم

من الناحية العسكرية، قد لا تحتاج إيران إلى تحقيق نصر تقليدي على الولايات المتحدة كي تضع واشنطن في مأزق. يكفي أن تطيل أمد المواجهة، وتدفع أمريكا إلى استخدام صواريخ واعتراضات باهظة الثمن ضد تهديدات أقل تكلفة، مثل الطائرات المسيرة أو الهجمات الصاروخية المتكررة أو تهديد الملاحة.

هذا النمط يحول الحرب إلى استنزاف طويل: أمريكا تنفق ذخائر دقيقة ومحدودة الإنتاج، بينما تعتمد إيران على أدوات أقل تكلفة وأكثر قابلية للتكرار. ومع الوقت، تصبح المعادلة خطيرة؛ ليس لأن واشنطن لا تملك قوة نارية ضخمة، بل لأن استمرار الإنفاق بهذه الوتيرة يفرض ضغطًا على المخزون، والموازنة، والصناعة الدفاعية، والقدرة على الردع في جبهات أخرى.

هل تتأثر قدرة أمريكا على مواجهة الصين وروسيا؟

هذا هو السؤال الذي جعل تصريحات كيلي أكثر خطورة. فواشنطن لا تقيس جاهزيتها العسكرية فقط بقدرتها على إدارة حرب في الخليج، بل بقدرتها على خوض أو ردع صراعات كبرى مع الصين وروسيا. وإذا كانت الحرب مع إيران تستهلك ذخائر من النوع نفسه الذي قد تحتاجه أمريكا في المحيط الهادئ أو أوروبا، فإن ذلك يعني أن كلفة الحرب لا تُقاس فقط بما يحدث اليوم، بل بما قد تعجز واشنطن عن فعله غدًا.

ولهذا ربط كيلي بين استنزاف المخزونات واحتمال وقوع صراع في غرب المحيط الهادئ مع الصين، محذرًا من أن الذخائر المستنزفة تجعل الولايات المتحدة أقل أمانًا.

                                                    وزير الحرب الامريكي

اتهام التسريب.. هل يخدم الإدارة أم يكشف عمق الأزمة؟

سياسيًا، يمكن قراءة رد هيجسيث على مستويين. المستوى الأول قانوني وأمني، إذ إن الحديث عن إحاطات مصنفة ومخزونات عسكرية أثناء حرب جارية مسألة شديدة الحساسية. أما المستوى الثاني فهو سياسي، إذ يمنح اتهام كيلي بالتسريب الإدارة فرصة لتغيير مسار النقاش من “هل استنزفت الحرب الترسانة الأمريكية؟” إلى “هل كشف السيناتور معلومات سرية؟”.

لكن حتى لو تصاعدت المراجعة القانونية، فإنها لا تلغي جوهر الأزمة. فإذا كانت المخزونات فعلًا تحت ضغط كبير، فالمشكلة قائمة سواء تحدث عنها كيلي أم لم يتحدث. وإذا كانت تصريحاته مبالغًا فيها، فإن الإدارة مطالبة بتقديم تطمينات واضحة حول قدرة البنتاجون على تعويض الذخائر والحفاظ على الردع الأمريكي.

البنتاجون بين السرية والشفافية

المعضلة هنا أن ملف مخزون السلاح الأمريكي يقع في منطقة حساسة بين حق الجمهور والكونجرس في معرفة كلفة الحرب، وحق المؤسسة العسكرية في الحفاظ على سرية التفاصيل التي قد يستغلها الخصوم. فلا يمكن نشر أرقام دقيقة عن المخزونات أثناء الحرب، لكن لا يمكن أيضًا مطالبة المجتمع بتمويل حرب مفتوحة دون معرفة آثارها على الأمن القومي.

وهذا ما يجعل أزمة كيلي وهيجسيث مرآة لأزمة أعمق: كيف تتعامل الديمقراطية الأمريكية مع حرب طويلة، مكلفة، ومرتبطة بخصوم كبار، دون أن تتحول السرية العسكرية إلى غطاء سياسي يحجب الحقائق عن الرأي العام؟

حرب إيران تكشف أزمة الصناعة الدفاعية الأمريكية

بعيدًا عن الجدل السياسي، تكشف الأزمة نقطة جوهرية في القوة الأمريكية الحديثة: امتلاك التكنولوجيا لا يكفي إذا كانت القدرة الإنتاجية لا تواكب الاستهلاك. فالولايات المتحدة قد تملك أفضل الصواريخ والمنظومات الدفاعية، لكنها إذا احتاجت إلى سنوات لتعويض ما تنفقه في أشهر، فإن الردع يدخل منطقة الخطر.

ولذلك فإن النقاش الحقيقي في واشنطن لن يكون فقط حول مارك كيلي وبيت هيجسيث، بل حول خطوط الإنتاج، وسرعة التعاقدات، وقدرة الشركات الدفاعية على رفع الإنتاج، ومدى استعداد الكونجرس لتمويل مخزون جديد من الذخائر الدقيقة والاعتراضات الدفاعية.

التحليل السياسي.. ترامب أمام معادلة صعبة

إدارة ترامب تبدو أمام معادلة شديدة الصعوبة. فمن جهة، تريد الظهور بمظهر الحزم أمام إيران وعدم السماح لطهران بتهديد القوات الأمريكية أو الممرات البحرية. ومن جهة أخرى، كلما طال أمد الحرب، زادت الأسئلة حول كلفتها العسكرية والمالية والاستراتيجية.

وإذا استمرت تصريحات مثل تصريحات كيلي في الظهور، فقد تتحول حرب إيران إلى ملف انتخابي وسياسي داخلي، خصوصًا إذا ربط المعارضون بين الإنفاق العسكري، وتآكل المخزون، وارتفاع تكاليف الطاقة، واحتمال ضعف الجاهزية أمام الصين.

ماذا يمكن أن يحدث بعد مراجعة هيجسيث القانونية؟

إعلان هيجسيث مراجعة تصريحات كيلي قد يفتح مسارًا رسميًا داخل البنتاجون، لكنه لن يكون سهلًا. فاتهام عضو في الكونجرس أو مجلس الشيوخ بإفشاء معلومات مصنفة يتطلب إثباتًا دقيقًا بأن المعلومات كانت سرية فعلًا، وأنها لم تكن مطروحة في جلسات عامة، وأن حديثه ألحق ضررًا حقيقيًا أو محتملًا بالأمن القومي.

وفي المقابل، سيستخدم كيلي موقعه كعضو في لجنة القوات المسلحة وخبرته العسكرية السابقة للدفاع عن نفسه باعتباره حذر من تهديد استراتيجي، لا باعتباره كشف أسرارًا للخصوم.

أختبار لقوة الردع الأمريكي

أزمة مخزون السلاح الأمريكي لم تعد مجرد تفصيل عسكري في حرب إيران، بل أصبحت اختبارًا كبيرًا للردع الأمريكي، ولقدرة الصناعة الدفاعية على تعويض الاستهلاك، ولحدود الشفافية داخل النظام السياسي الأمريكي. تصريحات مارك كيلي فتحت الباب أمام سؤال خطير: هل تدخل واشنطن حربًا تستنزف أسلحتها الدقيقة بينما لا تزال مطالبة بردع الصين وروسيا وحماية حلفائها حول العالم؟

أما رد بيت هيجسيث، فقد نقل الأزمة إلى مستوى آخر، حيث باتت واشنطن لا تناقش فقط حجم الذخائر المستهلكة، بل تتجادل حول ما إذا كان الحديث عنها خيانة للسرية أم واجبًا رقابيًا. وبين الحرب الخارجية مع إيران والحرب الداخلية على الرواية، تبدو الولايات المتحدة أمام مأزق معقد: قوة عظمى تملك ترسانة هائلة، لكنها تكتشف أن الحروب الطويلة لا تختبر حجم القوة فقط، بل تختبر سرعة تعويضها وقدرة النظام السياسي على تحمل كلفتها.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.