حين تتحول المحبة إلى رسالة
هناك خدمات لا تبحث عن الأضواء، لكنها تترك أثرًا عميقًا في القلوب. خدمات تُبنى على المحبة والبذل، لا على الشهرة أو الظهور، ومن بين هذه الخدمات تبرز خدمة “حبايب يسوع” لرعاية ذوي الهمم، التي تحولت على مدار سنوات إلى نموذج حي للمحبة العملية وخدمة الإنسان.
وفي حدث يُعد الأول من نوعه في مصر، نظمت الخدمة لقاءً روحيًا استثنائيًا جمع نحو ألفي خادم وخادمة متطوعين من 18 محافظة، على مدار يومين ببيت الخدمة بمدينة المنيا الجديدة، تحت رعاية الدكتور القس جرجس صادق، مؤسس ومسؤول خدمة “حبايب يسوع” لرعاية ذوي الهمم في مصر.
لقاء استثنائي يجمع ألفي خادم من 18 محافظة
رغم حرارة الطقس الشديدة، قطع نحو ألفي خادم وخادمة المسافات من مختلف محافظات مصر، للمشاركة في اللقاء الروحي الذي حمل رسالة تقدير وامتنان لكل من يخدم ذوي الهمم بمحبة وإخلاص.
وجاء اللقاء بمشاركة خدام من 18 محافظة، في مشهد عكس حجم الاتساع الذي وصلت إليه الخدمة، وحجم الإيمان برسالتها الإنسانية والروحية.
بيت الخدمة بالمنيا الجديدة يحتضن اللقاء
استضاف بيت الخدمة بمدينة المنيا الجديدة فعاليات اللقاء على مدار يومين، وسط أجواء مملوءة بالفرح والتسبيح والصلوات، حيث اجتمع الخدام في لقاء روحي وإنساني حمل رسائل تشجيع ودعم وتقدير.
حضور كنسي ومجتمعي واسع
شهد اللقاء حضور الدكتور القس بطرس فلتاؤوس، رئيس المجمع العام للكنائس المعمدانية الكتابية بمصر، والدكتور القس عزت شاكر، والقس إبراهيم نسيم، نائب رئيس مجمع الكنائس المعمدانية الكتابية بمصر.
كما شارك في اللقاء القس اختيار خليفة، نائب رئيس مجمع كنائس المثال المسيحي بمصر، والمرنم المحبوب عبد السيد فاروق، إلى جانب عدد من الرعاة والقيادات والخدام من مختلف المحافظات.
مشاركة لجنة صناع السلام بالمنيا
حضر اللقاء أيضًا عدد من أعضاء لجنة صُنّاع السلام بالمنيا، من بينهم فضيلة الشيخ جمال عبد الحميد إبراهيم، من علماء الأزهر الشريف وعضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، وحضرة الأب أيوب يوسف من مطرانية الكاثوليك بالمنيا، وفضيلة الشيخ عمر الزيني.
وعكست هذه المشاركة روح المحبة والتعاون والتكاتف في خدمة الإنسان، خاصة الفئات الأكثر احتياجًا للرعاية والدعم.
تقدير وامتنان لخدام يعملون في صمت
جاء هذا اللقاء تقديرًا وامتنانًا للخدام الذين يكرسون وقتهم وجهدهم لخدمة ذوي الهمم دون أي مقابل مادي، ويواصلون رسالتهم بمحبة وإخلاص وتفانٍ بعيدًا عن الأضواء.
فالخدمة، كما أكد المشاركون، ليست مجرد نشاط اجتماعي، بل رسالة روحية وإنسانية عميقة، يرى فيها الخدام أنهم يخدمون المسيح نفسه من خلال خدمة أحبائه من ذوي الهمم.

كلمات من القلب في بداية اللقاء
استهل الدكتور القس جرجس صادق، مؤسس ومسؤول خدمة “حبايب يسوع”، اللقاء بالترحيب بالحضور، معربًا عن تقديره العميق للخدام المتطوعين، ومثمنًا ما يبذلونه من جهود مضنية في هذه الخدمة الفريدة.
ودعا القس جرجس صادق الخدام إلى مواصلة الرسالة، وإعداد وتلمذة خدام جدد يكونون سندًا لهم في الخدمة، مستشهدًا بنموذج موسى ويشوع، ومؤكدًا أن الخدمة الناجحة تقوم على نقل الخبرة وإعداد أجيال جديدة تحمل الراية.
الصلاة أساس حياة الخادم
من جانبه، أكد الدكتور القس عزت شاكر أن حياة الخادم ينبغي أن ترتكز على الصلاة بلا انقطاع، داعيًا كل خادم إلى أن يبدأ يومه بالصلاة، وأن يظل قلبه مرفوعًا إلى الله طوال اليوم.
وأشار إلى أن الخادم الحقيقي لا ينشغل بالحديث مع نفسه، بل يتحدث إلى الله، ويتغنى بمراحمه وإحساناته، مستشهدًا بقول المرنم:
“الله لنا ملجأ وقوة، عونًا في الضيقات وُجد شديدًا”؛ وقوله:
“لماذا أنت منحنية يا نفسي؟ ولماذا تئنين فيّ؟ ترجي الله، لأني بعد أحمده، خلاص وجهي وإلهي”.
خدمة ذوي الهمم امتداد ليد الله المحبة
وأوضح الدكتور القس عزت شاكر أن خدمة ذوي الهمم هي امتداد ليد الله المحبة، وأن ما يقدمه الخدام لهؤلاء الأحباء إنما يقدمونه للمسيح نفسه.
بطرس فلتاؤوس: خدمة تعكس قلب السيد المسيح
وفي كلمته، أكد الدكتور القس بطرس فلتاؤوس، رئيس المجمع العام للكنائس المعمدانية الكتابية بمصر، أن هذه الخدمة العظيمة تعكس قلب السيد المسيح الذي “جال يصنع خيرًا”.
وأشار إلى أن خدمة ذوي الهمم ليست مجرد نشاط اجتماعي، بل عمل روحي يُقدَّم لله، موضحًا أن الخادم حين يشجع المحبطين، ويرسم البسمة على وجوه المتألمين، ويزرع الرجاء في قلوب اليائسين، فإنه يخدم المسيح ذاته.
تعب المحبة ليس باطلًا
وشدد رئيس المجمع على أن الله لا ينسى تعب المحبة، مستشهدًا بقول الرسول بولس:
“إذًا يا إخوتي الأحباء، كونوا راسخين، غير متزعزعين، مكثرين في عمل الرب كل حين، عالمين أن تعبكم ليس باطلًا في الرب”.
وأكد أن الله يستخدم الضعفاء ليصنع من خلالهم أمورًا عظيمة.
الأب أيوب يوسف: ما تقدمونه لذوي الهمم تقدير للمسيح
أكد الأب أيوب يوسف أن السيد المسيح طوال حياته على الأرض كان يجول يصنع خيرًا، وأن ما يقدمه خدام ذوي الهمم يحظى بتقدير السيد المسيح ورضاه.
واستشهد بقوله:
“بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم”.
رسالة محبة من الأزهر الشريف
وفي كلمته، قال فضيلة الشيخ جمال عبد الحميد إبراهيم، من علماء الأزهر الشريف وعضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، إن جميع الأديان السماوية تدعو إلى فعل الخير والإحسان.
وأكد أن ما يقدمه هؤلاء الأبطال من خدمة لذوي الهمم له أجر عظيم عند الله، مستشهدًا بقوله تعالى:
“إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا”.
ودعا الجميع إلى التكاتف في أعمال الخير، ومد يد العون والمحبة والإحسان لكل إنسان، ولا سيما ذوي الهمم وأسرهم.
أجواء روحية وتسبيحات مفرحة
عبر خدام ذوي الهمم عن سعادتهم الكبيرة بحضور اللقاء، الذي امتلأ بأجواء روحية مفرحة، وسط التسبيحات والترنيمات التي قادها المرنم المحبوب عبد السيد فاروق.
وشكلت هذه الأجواء لحظة شكر وتشجيع وتجديد روحي للخدام، الذين عادوا إلى محافظاتهم محملين بطاقة جديدة لمواصلة رسالتهم.
بداية الحكاية.. طاعة لصوت الله
بدأت خدمة “حبايب يسوع” عام 2009، عندما وضع الله على قلب الدكتور القس جرجس صادق ضرورة الاهتمام بذوي الهمم ورعايتهم، مهما كانت درجة إعاقتهم، إيمانًا بأن لكل إنسان قيمة عظيمة لأنه مخلوق على صورة الله.
استجاب القس جرجس صادق لصوت الله، وبدأ الخدمة برعاية خمسة فقط من ذوي الاحتياجات الخاصة، مقدمًا لهم الرعاية الروحية والاجتماعية والصحية، ومؤمنًا بأن المحبة الصادقة قادرة على تغيير الحياة.
من 5 أشخاص إلى 20 ألفًا من ذوي الهمم
مع مرور السنوات، اتسعت دائرة الخدمة بصورة لافتة، حتى بلغ عدد المخدومين في عام 2026 ما يقرب من 20 ألف شخص من مختلف فئات ذوي الهمم، موزعين على 18 محافظة.
وتُعد هذه الخدمة واحدة من أكبر الخدمات المتخصصة في مجال رعاية ذوي الهمم داخل مصر، بما تحمله من امتداد جغرافي وتنظيم إداري وروحي واسع.
أربعة آلاف خادم متطوع بلا مقابل مادي
مع اتساع الخدمة، انضم إليها آلاف المتطوعين الذين حملوا الرسالة نفسها، حتى بلغ عددهم نحو 4 آلاف خادم وخادمة، يخدمون بمحبة دون أي مقابل مادي.
ويضع هؤلاء الخدام نصب أعينهم وصية الكتاب المقدس وخدمة الإنسان، مؤمنين أن الأجر الحقيقي محفوظ عند الله.
هيكل تنظيمي وخدمات متنوعة
ولضمان جودة المتابعة، جرى تنظيم الخدمة في قطاعات متخصصة، وفقًا لهيكل تنظيمي وإداري يساعد على دقة المتابعة وتقديم برامج متنوعة.
الرعاية الروحية والاجتماعية
تشمل الخدمة الرعاية الروحية والمتابعة الكنسية، إلى جانب الدعم الاجتماعي والنفسي، بما يساعد ذوي الهمم وأسرهم على مواجهة التحديات اليومية بثقة ورجاء.
مساعدات نقدية وتموينية
تقدم الخدمة مساعدات نقدية، إلى جانب توزيع الشنط التموينية على الأسر الأكثر احتياجًا، بما يسهم في تخفيف الأعباء المعيشية عنهم.
أجهزة مساعدة وكراسٍ متحركة
توفر خدمة “حبايب يسوع” الكراسي المتحركة والأجهزة المساعدة لذوي الهمم، بهدف تمكينهم من الحركة والاندماج بصورة أفضل في المجتمع.
قروض دون فوائد وتدريب مهني
كما تقدم الخدمة قروضًا دون فوائد لبدء مشروعات صغيرة، إلى جانب تدريب ذوي الهمم على الحرف والمهن المناسبة لقدراتهم، بما يساعدهم على الاعتماد على أنفسهم وتحقيق الاستقلالية.
محبة تُترجم إلى أفعال
لم تكن خدمة “حبايب يسوع” مجرد عمل اجتماعي، بل ترجمة عملية لتعاليم الإنجيل، إذ يؤمن الدكتور القس جرجس صادق أن خدمة البسطاء والمهمشين والضعفاء هي في جوهرها خدمة للسيد المسيح نفسه.
وتتجسد هذه الرسالة في قول الكتاب:
“من يرحم الفقير يقرض الرب، وعن صنيعه يجازيه”.
كما تتجسد في كلمات الرب يسوع:
“بل إذا صنعت ضيافة، فادع الفقراء والجدع والعرج والعمي، فيكون طوباك، فإنك تكافأ في قيامة الأبرار”.

لقاء وفاء للخدام الأمناء
لم يكن اللقاء مجرد اجتماع تنظيمي، بل كان يومًا روحيًا حمل رسالة وفاء لكل خادم يخدم في صمت، ولكل من اختار أن يمنح وقته وجهده ومحبة قلبه لأشخاص ربما لا يلتفت إليهم كثيرون.
فالخدام الذين يعملون في هذه الخدمة لا ينتظرون تكريمًا من البشر، بل يواصلون رسالتهم بمحبة واتضاع، مؤمنين أن تعبهم محفوظ عند الرب.
دعم ومساندة مستمرة
عكس اللقاء الدعم الكبير الذي يقدمه الدكتور القس بطرس فلتاؤوس، رئيس المجمع العام للكنائس المعمدانية الكتابية بمصر، لهذه الخدمة، وتشجيعه المستمر لها، إيمانًا بأهميتها الإنسانية والروحية.
وقد أسهم هذا الدعم في اتساع الخدمة وتحقيق أثر ملموس في حياة آلاف الأسر من ذوي الهمم.
خدمة تصنع الرجاء
إن أحبّاء يسوع من ذوي الهمم لا يحتاجون فقط إلى الرعاية، بل يحتاجون إلى من يؤمن بقدراتهم، ويشجعهم، ويمنحهم الفرصة ليعيشوا حياة كريمة مملوءة بالرجاء والفرح والشركة.
ولعل أعظم ما يميز خدمة “حبايب يسوع” أنها أعادت إلى آلاف الأشخاص شعورهم بأنهم أعضاء أصليون في جسد المسيح، لهم مكانتهم ودورهم وقيمتهم.
نموذج حي للمحبة العملية
يبقى هؤلاء الخدام، الذين يعملون في الخفاء بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، مثالًا حيًا للمحبة العملية، يزرعون الرجاء في القلوب، ويرسمون الابتسامة على وجوه آلاف البسطاء، ويجسدون الإنجيل بالأفعال قبل الكلمات.
فهنيئًا لكل خادم وخادمة اختاروا أن يخدموا “أحبّاء يسوع” بمحبة وإخلاص، لأن خدمتهم ثمينة في عيني الله، وأثرها يمتد إلى الأبد.


