دخلت كوريا الشمالية على خط أزمة فنزويلا بعد إعلانها إدانة صريحة وقوية للهجوم الأمريكي واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، معتبرة ما جرى انتهاكًا فاضحًا للسيادة الوطنية وتجسيدًا جديدًا لما وصفته بـ«الطبيعة المارقة والوحشية» للولايات المتحدة.
الموقف الكوري الشمالي، الذي صدر عبر بيان رسمي لوزارة الخارجية في بيونغ يانغ، لم يكن مجرد تضامن دبلوماسي تقليدي، بل جاء محمّلًا برسائل سياسية وأمنية عميقة، تعكس رؤية النظام الكوري الشمالي لطبيعة الصراع مع واشنطن، وتطرح تساؤلات جوهرية: هل يخشى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون الولايات المتحدة؟ أم أنه يرى في سلوكها فرصة لتأكيد خطابه القائم على الردع والمواجهة؟
إدانة غير مسبوقة: فنزويلا نموذج لـ«الهيمنة الأمريكية»
في بيانها، أكدت وزارة الخارجية في كوريا الشمالية أن ما حدث في فنزويلا يمثل «أخطر أشكال التعدي على السيادة»، وانتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، خاصة المبادئ المتعلقة بعدم التدخل والسلامة الإقليمية.
واعتبرت بيونغ يانغ أن «اختطاف رئيس دولة ذات سيادة» يؤكد أن الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، ماضية في نهج فرض الهيمنة بالقوة، دون اكتراث بالقوانين أو الأعراف الدولية، وهو نهج — بحسب البيان — «شاهده المجتمع الدولي مرارًا وتكرارًا».
كيف يرى كيم جونغ أون ما جرى في فنزويلا؟
من منظور الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، لا تُعد فنزويلا مجرد دولة بعيدة في أمريكا اللاتينية، بل نموذجًا تحذيريًا لما قد تواجهه الدول التي تصطدم بالمصالح الأمريكية دون امتلاك أدوات ردع كافية.
بيونغ يانغ تقرأ المشهد على النحو التالي:
-
الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة المباشرة لإسقاط أو اعتقال قادة دول معارضة لها.
-
القانون الدولي لم يعد يشكّل عائقًا فعليًا أمام القرار الأمريكي.
-
أي دولة لا تمتلك قدرة ردع حقيقية قد تتحول إلى هدف مباشر.
ومن هنا، ترى كوريا الشمالية أن ما جرى يعزز صحة خيارها الاستراتيجي القائم على امتلاك قدرات عسكرية وصاروخية ونووية تمنع واشنطن من التفكير في سيناريو مشابه.
هل يخشى كيم الولايات المتحدة؟
رغم اللهجة النارية، لا يمكن القول إن كيم جونغ أون «لا يخشى» الولايات المتحدة بالمفهوم التقليدي، لكنه:
-
يخشى نواياها لا قوتها فقط.
-
يشكك في أي ضمانات أمريكية سياسية أو دبلوماسية.
-
يؤمن بأن الردع وحده هو الضمان الحقيقي لبقاء نظامه.
ولهذا، فإن أحداث فنزويلا تمثل في العقل الاستراتيجي الكوري الشمالي دليلًا إضافيًا على أن التنازلات أو الثقة في واشنطن قد تكون مكلفة، وربما وجودية.
التعامل الكوري الشمالي مع واشنطن: مواجهة محسوبة لا حرب مفتوحة

رغم التصعيد الخطابي، حرصت كوريا الشمالية على عدم الانزلاق إلى تهديد عسكري مباشر، مفضلة:
-
استخدام المنابر الدبلوماسية والإعلامية لإدانة الولايات المتحدة.
-
تعزيز خطابها داخل الأمم المتحدة بشأن احترام السيادة.
-
التقارب السياسي مع قوى مناهضة للنفوذ الأمريكي مثل الصين وروسيا.
وفي هذا السياق، رحبت بيونغ يانغ بعقد جلسة طارئة لـ مجلس الأمن الدولي لمناقشة التطورات في فنزويلا، معتبرة أن الأزمة «تهدد بإعادة تشكيل خطير للعلاقات الإقليمية والدولية».
فنزويلا والصراع العالمي: من كراكاس إلى بيونغ يانغ
ترى كوريا الشمالية أن ما حدث في فنزويلا لا ينفصل عن سياق أوسع من:
-
محاولات واشنطن إعادة هندسة النظام الدولي بالقوة.
-
كبح نفوذ خصومها، وعلى رأسهم الصين وروسيا.
-
توجيه رسائل ردع لدول توصف بـ«المارقة» أو «المتمردة».
ومن هذا المنطلق، شددت الخارجية الكورية الشمالية على أن عدم الاستقرار في فنزويلا سيضيف «عامل تفجير جديد» إلى وضع إقليمي هش أصلًا، محذرة من أن تجاهل المجتمع الدولي لما جرى قد يفتح الباب أمام أزمات مشابهة في مناطق أخرى من العالم.
رسالة كورية شمالية للعالم
موقف كوريا الشمالية من «خطف مادورو» يتجاوز الدفاع عن فنزويلا، ليشكل:
-
إدانة شاملة للسياسة الأمريكية.
-
تبريرًا إضافيًا لعقيدة الردع الكوري الشمالي.
-
تحذيرًا لدول العالم من أن السيادة باتت مهددة في ظل منطق القوة.
وبينما يراقب كيم جونغ أون تحركات واشنطن، فإن الرسالة القادمة من بيونغ يانغ واضحة:
ما جرى في فنزويلا لن يُخيف كوريا الشمالية، بل يعزز قناعتها بأن الصدام مع الولايات المتحدة لا يُدار إلا من موقع القوة، لا الثقة.


