الخميس، ٨ يناير ٢٠٢٦ في ١١:٤٧ م

فنزويلا بعد اختطاف الرئيس: الجيش لاعب الحسم في زمن الإدارة الجديدة

تفجرت أزمة فنزويلا العميقة  عقب اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، ووسط غموض يلفّ شكل الإدارة الجديدة التي ستتولى زمام الأمور في البلاد، يبرز عامل واحد بوصفه الحاسم والأخطر في آن واحد: الجيش الفنزويلي.
فأيًّا كان المسار السياسي القادم، تبدو حقيقة واحدة شبه مؤكدة: المؤسسة العسكرية ستظل فاعلًا سياسيًا رئيسيًا، وقد تكون الفيصل بين الاستقرار والانزلاق إلى الفوضى.

ووفق تحليل مطوّل نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية، فإن مستقبل فنزويلا السياسي لن يتحدد فقط بهوية القيادة المدنية الجديدة، بل سيتشكّل بالدرجة الأولى وفق موقف الجيش، الذي راكم نفوذًا سياسيًا عميقًا يتجاوز عهدي مادورو وسلفه هوغو تشافيز.


الخطر الأكبر: جيش فوق السياسة لا تحتها

تحذّر فورين بوليسي من أن الخطر المركزي الذي تواجهه فنزويلا اليوم يتمثل في احتمال أن تقوم المؤسسة العسكرية بـإسقاط أي قيادة مدنية جديدة أو التلاعب بها، ما لم تُنفّذ إصلاحات جذرية في طبيعة العلاقات بين المدنيين والعسكريين.

ولا ينبغي، بحسب المجلة، أن تقتصر هذه الإصلاحات على تفكيك نموذج “الجيش الحزبي” الذي ترسّخ خلال عهدي تشافيز ومادورو، بل يجب أن تتجاوز ذلك إلى تفكيك النموذج الأقدم الذي ساد قبل تشافيز، والذي منح الجيش نفوذًا سياسيًا غير خاضع لرقابة حقيقية.

  What Will Venezuela's Military Do? History Offers Hints


عملية اعتقال مادورو: ضعف عسكري وثقل سياسي

كشفت العملية الأمريكية التي انتهت باعتقال مادورو عن هشاشة الأداء العملياتي للجيش الفنزويلي، إذ:

  • عجز عن حماية المجال الجوي

  • فشل في منع تدمير أنظمة الدفاع الجوي الروسية

  • ظهر بمظهر المؤسسة غير القادرة على الردع العسكري

كما أن اعتماد مادورو على عناصر أمنية كوبية ضمن حراسته الشخصية – ومقتل عدد كبير منهم – أظهر انعدام ثقته بالجيش الوطني، ما شكّل إدانة ضمنية للمؤسسة العسكرية.

ورغم هذا الضعف الميداني، تؤكد المجلة أن الجيش لا يزال يتمتع بثقل سياسي هائل، وهو ما ظهر سريعًا في:

  • إعلان وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز دعمه لنائبة الرئيس ديلسي رودريغيز

  • استمرار تعيين ضباط موالين للنظام في مناصب حساسة

  • بقاء شخصيات سياسية ذات ارتباط وثيق بالجيش في مواقع القرارExplainer: The Role of the Venezuelan Military in Politics ...

  • جذور الأزمة: ما قبل تشافيز ومادورو

تُرجع فورين بوليسي هذا الاندماج العميق بين الحزب الحاكم والجيش إلى مرحلة ما قبل تشافيز، وتحديدًا إلى نظام “بونتو فيخو” الذي تأسس عام 1958، وقام على تقاسم السلطة بين نخب حزبية مقابل منح الجيش استقلالًا واسعًا في شؤون الأمن والدفاع.

هذا الترتيب سمح للمؤسسة العسكرية بـ:

  • تفادي الرقابة المدنية

  • الاحتفاظ بنفوذ سياسي غير معلن

  • تحويل “السيادة المدنية” إلى مظهر شكلي

وهو ما تجلّى لاحقًا في سلسلة الانقلابات بين 1988 و1992، وعلى رأسها محاولة انقلاب هوغو تشافيز عام 1992.


انقلابات الرتب المتوسطة… خلل بنيوي

تكشف المجلة أن اللافت في الانقلابات الفنزويلية هو أنها قادها ضباط من الرتب المتوسطة، لا القيادات العليا، ما يعكس خللًا عميقًا في نظام الترقية، يجمع بين:

  • احتراف شكلي في القاعدة

  • محسوبية سياسية في القمة

كما أن القيادات العسكرية كانت على علم بحالة التذمر داخل الجيش، لكنها لم تتخذ إجراءات وقائية، بينما تخلّت القيادات المدنية عن دورها الرقابي مقابل ضمان ولاء المؤسسة العسكرية.


النفط غطاءً مؤقتًا… ثم الانهيار

لفترة طويلة، أسهمت الثروة النفطية في إخفاء هذه التناقضات البنيوية، عبر:

  • توفير شرعية شعبية للنظام

  • منح العسكريين رواتب ومزايا مرتفعة

لكن مع تراجع أسعار النفط، وفرض إجراءات تقشف قاسية في أواخر الثمانينيات، واندلاع اضطرابات اجتماعية واسعة، انهار هذا التوازن الهش، وازداد تدخل الجيش في السياسة، ما مهّد الطريق لصعود تشافيز.


تشويه المؤسسة العسكرية في عهد الحزب الواحد

بعد وصول تشافيز إلى السلطة، ثم في عهد مادورو، جرى إحكام السيطرة الحزبية على الجيش عبر مزيج من:

  • رقابة استخباراتية صارمة

  • ترقيات قائمة على الولاء السياسي

  • إتاحة فرص فساد واسعة

  • إنشاء قوى موازية مثل الحرس الوطني والميليشيات

وأدت هذه السياسات إلى تشويه بنية الجيش، حيث تضخّم عدد الجنرالات والأدميرالات بصورة مبالغ فيها مقارنة بحجم القوات، ما أسفر عن تراجع الكفاءة والاحتراف.

 

  Venezuela Soldiers Fire on Civilians at Brazil Border - Bloomberg


مخاطر المرحلة الانتقالية: انقسام أو حرب أهلية؟

تحذّر فورين بوليسي من أن هذا الاندماج بين الحزب والجيش، الذي ضمن ولاء المؤسسة العسكرية للنظام لسنوات، أصبح اليوم مصدر خطر، إذ إن أي تغيير سياسي قد يؤدي إلى:

  • انقسام الجيش على أسس حزبية

  • تمرد داخلي

  • أو حتى حرب أهلية

ورغم دعوات بعض قادة المعارضة، مثل ماريا كورينا ماتشادو، لإصلاح الجيش وإعادته إلى دوره الدستوري، فإن المجلة ترى أنهم تجاهلوا مشكلة النموذج القديم للعلاقات المدنية العسكرية في حقبة بونتو فيخو.


خارطة طريق صعبة… لكنها ضرورية

لإنقاذ فنزويلا من دوامة الانقلابات وعدم الاستقرار، تقترح المجلة حزمة إصلاحات جوهرية، أبرزها:

  • إعادة ترسيخ رقابة مدنية حقيقية

  • ضبط الميزانية العسكرية

  • تعيين وزير دفاع مدني

  • تقليص عدد كبار الضباط

  • بناء خبرة مدنية متخصصة في شؤون الدفاع

  • وضع حدود قانونية ومؤسسية لصلاحيات العسكريين

  • ترسيخ احترام حقوق الإنسان والتعاون مع السلطات المحلية

وترى فورين بوليسي أن واشنطن يمكن أن تلعب دورًا داعمًا عبر المساعدة المؤسسية والتعليمية، دون التورط المباشر في السياسة الداخلية.


 الجيش مفتاح الاستقرار أو الفوضى

في ظل اختطاف الرئيس وانهيار الشرعية التقليدية، تقف فنزويلا أمام مفترق طرق تاريخي.
فإما إعادة بناء علاقة ديمقراطية حقيقية بين المدنيين والعسكريين، أو استمرار نمط تاريخي يجعل الجيش حكمًا فوق الدولة.

وتخلص فورين بوليسي إلى أن بناء علاقات مدنية–عسكرية ديمقراطية في فنزويلا سيكون مسارًا طويلًا ومعقدًا، لكنه الطريق الوحيد نحو الاستقرار والديمقراطية المستدامة.

مقالات ذات صلة

تحالف سعودي سوري أسرار السياسة
السبت، ٧ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٦ م

الجيش السوري الجديد يبحث عن القوة بدعم سعودي وتحديات إسرائيلية

في تحول جديد بالعلاقات السعودية السورية، تتجه الرياض ودمشق إلى تعزيز التعاون العسكري والأمني، بينما تواجه السلطة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد ال...

لمزيد من التفاصيل
رسالة نارية من طهران إلى واشنطن.. الحرس الثوري: مستعدون لأي تغيير استراتيجي أسرار السياسة
السبت، ٧ نوفمبر ٢٠٢٦ في ١٠:١٣ ص

رسالة نارية من طهران إلى واشنطن.. الحرس الثوري: مستعدون لأي تغيير استراتيجي

أعلن المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني استعداد بلاده للتعامل مع أي تغييرات استراتيجية محتملة، مؤكدًا أن إيران ستوفر الجاهزية اللازمة إذا قررت القيادة...

لمزيد من التفاصيل
عاجل
مباريات الأحد العربية والعالمية.. أبرز المواجهات ومواعيدها | فسيخ أم مكة في أبو كبير.. ماذا كشفت الحملة التموينية؟ | عاجل.. انفجاران في جزيرة قشم الإيرانية قرب مضيق هرمز | الجيش السوري الجديد يبحث عن القوة بدعم سعودي وتحديات إسرائيلية | 100 كرسي متحرك هدية من حبايب يسوع لذوي الهمم | درع الجنوب.. تحذيرات جوية للدهابة مع انطلاق المرحلة الرابعة اليوم | سرقة مجوهرات أصالة بـ324 مليون جنيه.. تفاصيل صادمة | مباريات اليوم السبت 7 نوفمبر.. الأهلي وريال مدريد والسيتي | بشرى حجيج تفوز برئاسة الاتحادات الرياضية الأفريقية الأولمبية | مصرع أولاد القط في سوهاج بعد مواجهة استمرت 4 ساعات | طبيبة الهرم.. رحلت وحيدة ولم تُكتشف وفاتها لثلاث سنوات | إيران تعلن إسقاط مسيرة أمريكية فوق جزيرة قشم | شهادات البنك الأهلي الجديدة.. كم عائد 100 ألف جنيه؟ | مسلسل نوح.. تيم حسن يكشف اسم عمله في رمضان 2027 | انتخاب مجلس إدارة جديد لمركز شباب شم القبلية بالمنيا | كأس العرب للكرة الشاطئية.. 32 هدفًا ومصر تهزم السعودية ببورسعيد |