الجمعة، ١ مايو ٢٠٢٦ في ٠١:١٤ ص

عودة التصعيد في الخليج.. تهديدات إيران تضع أمريكا أمام اختبار القوة

عادت منطقة الخليج إلى حافة التصعيد من جديد   عقب ارتفاع سقف التهديدات الإيرانية ضد الوجود الأمريكي في المنطقة، وتلويح طهران باستخدام سيطرتها على مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة واشنطن وحلفائها. وفي المقابل، تتجه الأنظار إلى البيت الأبيض والقيادة المركزية الأمريكية، مع تقارير تتحدث عن دراسة نشر صواريخ Dark Eagle فائقة صوتية في الشرق الأوسط لأول مرة، ضمن خيارات ضغط عسكري تهدف إلى ردع إيران ومنعها من تحويل المضيق إلى سلاح اقتصادي وسياسي ضد العالم. وبين تهديدات القواعد الأمريكية، وأزمة الطاقة، وتآكل المسار الدبلوماسي، تقف أمريكا أمام سؤال حاسم: كيف ترد كقوة عظمى من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة؟

إيران ترفع سقف التحدي في مضيق هرمز

تصاعد الخطاب الإيراني خلال الساعات الأخيرة، بعدما تحدث رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عن أن إدارة طهران لمضيق هرمز يمكن أن تمنح المنطقة مستقبلًا “خاليًا من الوجود والتدخل الأمريكي”، في رسالة سياسية مباشرة إلى واشنطن وحلفائها في الخليج.

ولا يمكن فصل هذا التصريح عن المشهد الأوسع؛ فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل شريان استراتيجي تمر عبره نسبة ضخمة من إمدادات الطاقة العالمية، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه يتحول فورًا إلى أزمة دولية تضرب أسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد.

تهديدات ضد القواعد الأمريكية ترفع مستوى الخطر

تزامن حديث قاليباف مع تداول تصريحات أكثر حدة منسوبة إلى القيادة الإيرانية الجديدة، تتوعد الوجود الأمريكي في الخليج وتطالب بإغلاق القواعد الأمريكية أو مواجهة الهجمات. بعض هذه التصريحات وردت عبر حسابات ومنصات متابعة للشأن الإيراني، بينما تحتاج التفاصيل الأكثر تصعيدًا إلى تأكيد رسمي مستقل قبل التعامل معها باعتبارها موقفًا معلنًا للدولة الإيرانية.

لكن حتى مع هذا التحفظ، فإن الاتجاه العام واضح: طهران تريد أن تجعل الوجود الأمريكي في الخليج مكلفًا سياسيًا وعسكريًا، وأن تحول القواعد الأمريكية وحاملات الطائرات إلى عنصر ضغط متبادل في معركة الإرادات.

ترسانة غير متماثلة تهدد الملاحة والقواعد

تعتمد إيران منذ سنوات على استراتيجية عسكرية غير متماثلة، لا تقوم فقط على المواجهة التقليدية، بل على أدوات قادرة على إرباك قوة عظمى مثل الولايات المتحدة داخل بيئة ضيقة ومعقدة مثل الخليج.

وتشمل هذه الأدوات الصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيرة، والزوارق السريعة، والألغام البحرية، وشبكات الصواريخ المحصنة، إلى جانب دعم جماعات مسلحة حليفة في أكثر من ساحة. وتشير تقارير دولية إلى أن إيران لوّحت بردود مؤلمة على المواقع الأمريكية إذا استؤنفت الهجمات ضدها، بينما يؤدي إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز إلى تهديد مباشر لنحو خمس إمدادات الطاقة العالمية.

Dark Eagle.. ورقة أمريكية جديدة على الطاولة

في المقابل، كشفت تقارير أمريكية أن القيادة المركزية الأمريكية طلبت نشر منظومة Dark Eagle، وهي صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، لاستخدامها المحتمل ضد أهداف إيرانية مثل منصات إطلاق صواريخ باليستية جرى نقلها إلى مناطق أبعد من مدى بعض الأسلحة الأمريكية الحالية.

وإذا تمت الموافقة على هذا النشر، فسيكون ذلك أول استخدام عملياتي أو انتشار قتالي لهذه المنظومة في الشرق الأوسط، ما يمنح واشنطن قدرة ضغط إضافية، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى التصعيد إلى مرحلة أكثر خطورة.

لماذا تحتاج واشنطن إلى ردع محسوب؟

الرد الأمريكي لا يمكن أن يكون عشوائيًا أو قائمًا على الانفعال؛ لأن أي خطأ في الخليج قد يتحول إلى أزمة عالمية. فاستهداف منشآت أو قواعد أو سفن قد يفتح الباب أمام ردود متبادلة، بينما يتأثر الاقتصاد العالمي فورًا بأسعار النفط وحركة الشحن.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام واشنطن ليس فقط “إظهار القوة”، بل إظهارها بطريقة محسوبة: حماية القوات الأمريكية، تأمين الملاحة، منع إيران من فرض قواعد جديدة في هرمز، وفي الوقت نفسه تجنب حرب شاملة قد تبتلع المنطقة كلها.

الدبلوماسية المتعثرة تزيد احتمالات الصدام

تأتي هذه التطورات وسط جمود واضح في المسار التفاوضي. فوقف إطلاق النار الهش لم يتحول إلى تسوية دائمة، والمحادثات لم تنجح حتى الآن في حل الملفات الأساسية: البرنامج النووي، الصواريخ، النفوذ الإقليمي، ومضيق هرمز.

ومع كل يوم يمر دون اتفاق، يزداد الاعتماد على رسائل القوة بدل التفاهمات السياسية، وهو ما يجعل احتمالات الخطأ أو سوء التقدير أعلى بكثير.

هل أصبح الصدام حتميًا؟

رغم أن الخطاب المتبادل يوحي بأن المواجهة تقترب، فإن الصدام الشامل ليس قدرًا محتومًا. لا تزال هناك مساحة للردع والوساطة، لكنها تضيق بسرعة. فإيران تراهن على أن كلفة الحرب ستجبر واشنطن على التراجع، بينما تراهن الولايات المتحدة على أن الضغط العسكري والاقتصادي سيجبر طهران على العودة إلى التفاوض بشروط أقل تشددًا.

المشكلة أن الطرفين يستخدمان أدوات عالية الخطورة في منطقة لا تحتمل الكثير من الحسابات الخاطئة.

أمريكا كقوة عظمى أمام امتحان الهيبة

بالنسبة للولايات المتحدة، الأزمة ليست فقط عن إيران، بل عن صورتها كقوة عظمى قادرة على حماية مصالحها وحلفائها وطرق التجارة العالمية. فإذا بدت واشنطن عاجزة عن تأمين مضيق هرمز أو حماية قواعدها، فإن ذلك سيشجع خصومها في مناطق أخرى.

لكن القوة العظمى لا تثبت هيبتها بمجرد الضرب، بل بقدرتها على الجمع بين الردع، والتحالفات، والحسابات الدقيقة، واستخدام القوة عند الضرورة ضمن هدف سياسي واضح، لا مجرد اندفاع نحو مواجهة مفتوحة.

معركة ضغط واسعة

عودة التصعيد بين أمريكا وإيران تضع الخليج أمام لحظة شديدة الحساسية. فتهديدات طهران ضد الوجود الأمريكي ومضيق هرمز لم تعد مجرد شعارات سياسية، بل جزء من معركة ضغط واسعة، تقابلها واشنطن بخيارات عسكرية أكثر تطورًا، بينها احتمال نشر صواريخ فرط صوتية للمرة الأولى في المنطقة.

ومع ذلك، يبقى الهدف الأهم ليس إشعال حرب جديدة، بل منع إيران من تحويل الخليج إلى ورقة ابتزاز، وحماية الملاحة والطاقة، وإجبار الأزمة على العودة إلى مسار سياسي واضح. فالضعف قد يشجع التصعيد، لكن القوة غير المحسوبة قد تفتح بابًا لا يستطيع أحد إغلاقه.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.