في واحدة من أكثر القضايا الجنائية غموضًا وإثارة، استعرض الخبير الأمني اللواء أشرف عبدالعزيز تفاصيل جريمة معقدة حملت اسم “عقب سيجارة”، لتصبح مثالًا صارخًا على أن أدق الأدلة قد تقود إلى كشف أخطر الجرائم، مهما بلغت محاولات الجاني لإخفاء معالمها.
بداية الواقعة داخل شقة فاخرة
تعود أحداث القصة إلى عام 2017 داخل شقة فاخرة بأحد الكمبوندات الراقية بمنطقة التجمع، حيث الهدوء الظاهري الذي يخفي خلفه مشهدًا دمويًا شديد القسوة. الشقة كانت تعكس مستوى اجتماعيًا مرتفعًا، بأثاث فاخر وإضاءة خافتة وسجاد أنيق، إلا أن غرفة النوم كانت تحمل تفاصيل صادمة تشير إلى جريمة عنيفة وقعت قبل أيام من اكتشافها.
اكتشاف الجثة وآثار عنف مروعة
داخل غرفة النوم، عُثر على جثة سيدة في نهاية الأربعينات من عمرها، ملقاة على السرير ومغطاة بملاءة بيضاء غارقة في الدماء. وكشفت المعاينة الأولية وجود آثار عنف واضحة، تمثلت في جرح غائر بالرقبة وطعنات متفرقة في منطقتي الصدر والبطن، إلى جانب كدمات تشير إلى مقاومة عنيفة قبل الوفاة.
كما أوضحت آثار الفوضى في المكان أن الجريمة لم تكن سريعة أو عابرة، بل سبقتها مواجهة بين الضحية والجاني داخل الغرفة نفسها.
مشهد مسرح الجريمة وخيوط غامضة
انتقل فريق المعمل الجنائي إلى موقع الحادث، حيث بدأ في فحص الشقة بدقة شديدة بحثًا عن أي خيط يقود للجاني. ومن بين التفاصيل اللافتة وجود كوبين من الشاي، أحدهما لم يُستخدم، بالإضافة إلى صينية طعام عليها بقايا أكل بدأت الحشرات في التجمع حولها، ما يشير إلى أن الضحية كانت برفقة شخص آخر قبل وقوع الجريمة بفترة قصيرة.
هذه الملاحظات عززت فرضية أن الجاني كان على معرفة مسبقة بالضحية، وأن اللقاء بينهما لم يكن عشوائيًا.
الدليل الحاسم: “عقب سيجارة”
ورغم محاولات الجاني طمس كل الآثار المحتملة داخل الشقة، وعدم تركه لبصمات واضحة على الأدوات المستخدمة، فإن مسرح الجريمة كشف عن خيط صغير لكنه بالغ الأهمية، تمثل في “عقب سيجارة” تم العثور عليه بجوار الكومودينو.
ويشير الخبير الأمني إلى أن هذا الدليل البسيط كان نقطة التحول في مجريات التحقيق، إذ إن الجاني اعتقد أنه نجح في محو كل ما قد يدينه، إلا أن هذا العقب كان بداية الطريق لكشف هويته.
رائحة كريهة وبلاغ السكان
بدأت خيوط القضية تتكشف عندما تلقت الأجهزة الأمنية بلاغًا من سكان أحد الكمبوندات يفيد بانبعاث رائحة كريهة من إحدى الشقق. وبالانتقال إلى الموقع، تجمعت أعداد من السكان أمام العقار، ما استدعى كسر باب الشقة والدخول إليها.
داخل الشقة، كانت الرائحة النفاذة وانتشار الحشرات دليلًا واضحًا على أن الجثة ظلت لعدة أيام دون اكتشاف، في وقت كانت فيه الضحية تعيش بمفردها، دون علاقات اجتماعية وثيقة أو زيارات متكررة من معارفها.
التحريات وكشف نمط حياة الضحية
أظهرت التحريات أن السيدة كانت ثرية وتعيش حياة منعزلة إلى حد كبير، لكنها كانت تستدرج عمالًا من مناطق شعبية إلى شقتها بحجة العمل، وتقدم لهم الطعام، ثم تدخل معهم في علاقات غير سوية مستغلة احتياجهم المادي، وهو ما كان يتكرر دون إثارة شكوك الجيران.
هذا النمط من العلاقات وضع العديد من الأشخاص في دائرة الاشتباه، قبل أن تكشف التحقيقات لاحقًا هوية الجاني الحقيقي.
لحظة تنفيذ الجريمة ودوافعها
كشفت التحقيقات أن آخر شخص دخل الشقة كان شابًا يعاني من ضائقة مالية. وخلال تواجده مع الضحية، لاحظ وجود أموال ومقتنيات ثمينة داخل الشقة، ما دفعه للتفكير في سرقتها.
وبحسب اعترافاته، انتظر حتى خلدت الضحية إلى النوم، ثم اعتدى عليها بالقتل خنقًا، قبل أن يستخدم سكينًا كان ضمن أدوات الطعام لإنهاء حياتها، ثم استولى على مشغولاتها الذهبية وأموالها، وفر هاربًا إلى محافظة بني سويف.
كشف الجاني والحكم النهائي
ورغم محاولات الجاني إخفاء معالم الجريمة، فإن “عقب السيجارة” الذي تركه في مسرح الحادث كان المفتاح الحقيقي لحل اللغز، خاصة بعد التأكد من أن الضحية لم تكن مدخنة، ما جعل هذا الدليل نقطة حاسمة في التحقيق.
وبعد إجراء التحاليل الجنائية ومطابقة الأدلة، تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد هوية المتهم وضبطه بعد فترة من التحريات، ليعترف لاحقًا بتفاصيل الجريمة كاملة أمام جهات التحقيق، مبررًا فعلته بمروره بضائقة مالية.
وانتهت القضية بإحالته إلى المحاكمة، التي أصدرت حكمها النهائي بإعدامه، ليُطوى بذلك فصل من أكثر القضايا إثارة التي كشفت كيف يمكن لتفصيلة صغيرة مثل “عقب سيجارة” أن تحسم مصير جريمة كاملة.


