الأربعاء، ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٥ م

طهران تبحث عن طريق لبيع بترولها إلى الصين بعيدًا عن الحصار

معركة النفط تنتقل من البحر إلى القضبان

كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن إيران تتجه إلى مسار غير مسبوق لمحاولة تصدير النفط إلى الصين عبر السكك الحديدية، في خطوة تعكس حجم الضغط الذي يواجهه قطاع الطاقة الإيراني بعد الحصار الأمريكي على الموانئ وشحنات النفط. فالقصة لم تعد مجرد أزمة ناقلات أو موانئ مغلقة، بل تحولت إلى معركة لوجستية واقتصادية مفتوحة بين واشنطن التي تراهن على خنق صادرات النفط الإيراني، وطهران التي تحاول البحث عن أي طريق بديل، حتى لو خرج النفط من فوق القضبان بدلًا من البحر. وتقول تقارير إن امتلاء الخزانات وتعطل الشحنات دفعا إيران إلى إجراءات طارئة، بينها التخزين العائم واستخدام خزانات مهجورة ومحاولات نقل الخام برًا إلى الصين.

العقوبات تضغط.. وإيران تفتش عن أي مساحة للتخزين

بحسب تقرير وول ستريت جورنال، تسبب الحصار الأمريكي في تقييد وصول إيران إلى موانئها، ما عرقل تحميل ناقلات النفط وترك كميات متزايدة من الخام داخل البلاد. ومع ارتفاع المخزون، بدأت الخزانات الإيرانية تمتلئ بسرعة، وهو ما يهدد قدرة بعض الحقول على مواصلة الإنتاج إذا لم تجد طهران منفذًا للتصدير أو التخزين.

ولمواجهة الأزمة، لجأت إيران إلى حلول طارئة تكشف حجم الضيق داخل قطاع النفط. فقد استخدمت ناقلات عائمة للتخزين، كما لجأت، بحسب التقرير، إلى حاويات وخزانات مهجورة أو متدهورة في مراكز نفطية جنوبية مثل الأهواز وعسلوية، في محاولة لتأجيل لحظة خفض الإنتاج أو تعطيله.

النفط على القضبان.. فكرة غير مألوفة لكنها سياسية بامتياز

المفاجأة الأبرز جاءت في حديث حامد حسيني، المتحدث باسم اتحاد مصدري النفط الإيراني، الذي قال إن طهران تحاول إرسال النفط إلى الصين عبر السكك الحديدية. وذكرت تقارير متابعة أن الحديث يدور عن استخدام روابط سكك حديدية تصل إيران بمدن صينية مثل ييوو وشيان، رغم أن الرحلة البرية قد تستغرق أسابيع وتبقى أقل كفاءة وربحية من الشحن البحري.

هذه الفكرة، حتى لو بقيت محدودة الكمية، تحمل رسالة سياسية واضحة: إذا أغلقت واشنطن البحر، ستبحث طهران عن البر. وإذا تعثرت الناقلات في مضيق هرمز والموانئ، فإن إيران ستحاول تحويل الجغرافيا الآسيوية إلى ممر بديل يحافظ على جزء من تدفق النفط والإيرادات.

الصين في قلب المعادلة

الصين ليست مشترًا عاديًا للنفط الإيراني، بل هي المنفذ الأكبر الذي بقي لطهران في ظل العقوبات. وتشير رويترز إلى أن الصين استوردت في مارس مستوى قياسيًا بلغ نحو 1.8 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني، وأن نحو 90% من صادرات إيران النفطية تذهب إلى مصافي “تيبوت” الصينية المستقلة.

ورغم العقوبات والضغوط الأمريكية، قالت رويترز إن مشتريات المصافي الصينية المستقلة من النفط الإيراني ما زالت مستمرة، وإن الشحنات كثيرًا ما تتحرك عبر أسطول ظل ومسارات منشأ معتمة، أحيانًا تحت غطاء ماليزي أو إندونيسي. لكن الضغوط الأخيرة، وهبوط هوامش التكرير داخل الصين، جعلا السوق أكثر حذرًا.

واشنطن تضرب الشبكات المالية ومشتري النفط

لم تكتفِ الولايات المتحدة بتضييق الخناق على البحر. فقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على 35 فردًا وكيانًا مرتبطين بما وصفته بشبكات “الظل المصرفي” الإيرانية، متهمة إياها بتسهيل وصول طهران إلى النظام المالي العالمي ونقل مليارات الدولارات. كما حذرت واشنطن المؤسسات المالية من التعامل مع مصافي النفط الصينية المستقلة التي تشتري الخام الإيراني، بسبب مخاطر العقوبات.

وهنا تظهر طبيعة المعركة: أمريكا لا تستهدف الناقلة فقط، بل شبكة التمويل، والمشتري، وشركة الشحن، ومسار الدفع. وفي المقابل، تحاول إيران بناء مسارات أكثر تعقيدًا، بحرية وبرية ومالية، تجعل تكلفة الملاحقة أعلى وتمنحها وقتًا أطول قبل الاختناق الكامل.

هل يمكن للسكك الحديدية أن تعوض الناقلات؟

من الناحية الاقتصادية، يصعب أن يعوض النقل بالسكك الحديدية قدرة الناقلات البحرية. فالنفط سلعة ضخمة الحجم، والشحن البحري أكثر كفاءة وأقل تكلفة في نقل ملايين البراميل لمسافات طويلة. لذلك، فإن المسار البري إلى الصين لن يكون بديلًا كاملًا، لكنه قد يكون “صمام أمان” لتصريف جزء من الخام وتقليل الضغط على الخزانات.

كما أن النقل بالسكك يواجه عقبات كثيرة: طول المسار، تكلفة النقل، الحاجة إلى تنسيق مع دول عبور، محدودية السعة، ومتطلبات خاصة لنقل النفط الخام بأمان. لكن أهميته تكمن في كونه محاولة لكسر منطق الحصار، لا في كونه حلًا مثاليًا من الناحية التجارية.

خزانات ممتلئة تعني خطرًا على الإنتاج

امتلاء الخزانات ليس مجرد مشكلة تخزين، بل تهديد مباشر للإنتاج. فإذا لم تتمكن إيران من تصدير أو تخزين الخام، فقد تضطر إلى خفض الإنتاج، وهو ما يضر بالإيرادات ويضعف قدرتها على تمويل الدولة في لحظة ضغط شديد.

ولهذا تستخدم طهران كل ما يمكن استخدامه: ناقلات عائمة، خزانات قديمة، حاويات، ومسارات سكك حديدية. إنها ليست قرارات عادية في سوق طاقة مستقر، بل إجراءات طوارئ في اقتصاد يحاول منع القطاع النفطي من الوصول إلى مرحلة الشلل.

ترامب يضغط من البحر.. وطهران ترد بالهندسة اللوجستية

العنوان الحقيقي للأزمة أن العقوبات الأمريكية لم تعد تواجهها إيران بالتصريحات فقط، بل بمحاولات هندسة لوجستية مضادة. إدارة ترامب تراهن على تضييق الخناق من خلال الموانئ والناقلات والمشترين وشبكات التمويل، بينما تراهن إيران على التخزين المؤقت، والمسارات البديلة، والاعتماد على الصين، وإرباك أدوات العقوبات التقليدية.

هذه المعركة لا تعني أن إيران انتصرت، ولا أن الحصار فشل، لكنها تعني أن طهران تحاول جعل الخنق الاقتصادي أبطأ وأكثر تكلفة وتعقيدًا. فكل برميل يخرج، ولو عبر طريق شاق، هو بالنسبة لها رسالة بأن النفط الإيراني لم يصبح حبيس الخزانات بالكامل.

هل يولد طريق نفطي جديد بين إيران والصين؟

إذا تحولت فكرة تصدير النفط بالسكك الحديدية إلى مسار مستمر، ولو بكميات محدودة، فقد نكون أمام بداية خط نفطي بري جديد بين إيران والصين. صحيح أنه لن يملك كفاءة الناقلات، لكنه قد يفتح بابًا لتعاون أوسع في البنية التحتية والنقل بين طهران وبكين، خاصة في ظل تصاعد المواجهة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة.

ومع ذلك، يبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بقدرته على العمل دون أن يتحول إلى هدف جديد للعقوبات، وبمدى استعداد الصين لتحمل كلفته السياسية والمالية. فكل خطوة جديدة في هذا الطريق ستراقبها واشنطن عن قرب.

السكك الحديدية طريبق النفط الإيراني للصين

إيران تحاول تصدير النفط إلى الصين عبر السكك الحديدية بعد أن ضغط الحصار الأمريكي على الموانئ والناقلات، وامتلأت الخزانات، وتعطلت قدرة طهران على تصريف الخام بالطرق المعتادة. المسار البري لن يكون بديلًا كاملًا للشحن البحري، لكنه يحمل رسالة سياسية واقتصادية مهمة: طهران لن تتوقف عن البحث عن ثغرات، وواشنطن لن تتوقف عن ملاحقة شبكات النفط والتمويل. وبين البحر المغلق والقضبان الطويلة، تدخل حرب النفط بين إيران وأمريكا فصلًا جديدًا أكثر تعقيدًا.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.