السبت، ٢ مايو ٢٠٢٦ في ٠٩:١٦ م

ضغط ترامب على نفط إيران.. كيف تحاول أمريكا كبح الطموح الصيني بالعقوبات؟

واشنطن تضرب شريان النفط الإيراني وتختبر قوة بكين

في فصل جديد من الصراع الاقتصادي والجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، أعادت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استخدام سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران، لكن هذه المرة لم تكن طهران وحدها في مرمى النار. فالعقوبات الجديدة التي استهدفت مصافي تكرير صينية متهمة بشراء النفط الإيراني كشفت أن المعركة أوسع من ملف إيران النووي أو عائدات النفط، وأن واشنطن تحاول في العمق التصدي للطموح الصيني المتصاعد، عبر ضرب شبكة الطاقة التي تمنح بكين نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا في الشرق الأوسط.

فالنفط الإيراني الرخيص لم يكن مجرد صفقة تجارية بين طهران ومصافٍ صينية مستقلة، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى شريان حياة مالي لإيران، وفي الوقت نفسه إلى ورقة مكاسب لبكين، التي تستفيد من خام منخفض السعر بعيدًا عن القيود الغربية. ومن هنا جاء التصعيد الأمريكي ليقول بوضوح: من يمول إيران أو يفتح لها أبواب الأسواق، سيدفع ثمنًا مباشرًا في علاقته بالنظام المالي الأمريكي.

تفاصيل العقوبات الأمريكية على المصافي الصينية

فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على مصفاة Hengli Petrochemical Dalian Refinery الصينية، إلى جانب نحو 40 شركة وناقلة مرتبطة بنقل النفط الإيراني، في خطوة قالت واشنطن إنها تستهدف تقليص عائدات طهران النفطية ومنع تمويل أنشطتها العسكرية والإقليمية. وأكدت الخزانة الأمريكية أن المصافي الصينية المستقلة، المعروفة باسم “مصافي إبريق الشاي”، تلعب دورًا مهمًا في استمرار اقتصاد النفط الإيراني، وأن Hengli تُعد من كبار المشترين للخام والمنتجات البترولية الإيرانية بقيمة بلغت مليارات الدولارات.

ولم تقف المواجهة عند Hengli وحدها، إذ ذكرت تقارير أن الصين أصدرت أمرًا يمنع الاعتراف أو الامتثال للعقوبات الأمريكية على خمس مصافٍ صينية، بينها Hengli وعدد من مصافي “إبريق الشاي”، معتبرة أن الإجراءات الأمريكية غير قانونية وتمثل امتدادًا خارج الحدود للقانون الأمريكي.

                                   صراع النفط والممرات بين أمريكا والصين

الصين ترد.. بكين ترفض أن تتحكم واشنطن في تجارتها

الرد الصيني لم يكن مجرد اعتراض دبلوماسي، بل جاء في صورة أمر من وزارة التجارة الصينية يمنع الأطراف داخل الصين من الاعتراف بالعقوبات الأمريكية أو تنفيذها أو الامتثال لها. وتقول بكين إن واشنطن تستخدم العقوبات كأداة هيمنة، وتحاول فرض قوانينها على شركات لا تعمل بالضرورة داخل الأراضي الأمريكية.

هذا الرد يكشف حساسية الملف بالنسبة للصين. فالقضية لا تتعلق فقط بمصفاة أو شحنة نفط، بل بمبدأ أكبر: هل تستطيع الولايات المتحدة إجبار الشركات الصينية على الالتزام بسياستها الخارجية؟ وهل يقبل الاقتصاد الصيني أن يظل رهينة للتهديد بالعقوبات كلما تعارضت مصالحه مع واشنطن؟

إيران بين واشنطن وبكين.. النفط يتحول إلى سلاح سياسي

بالنسبة لإيران، يمثل النفط أحد أهم مصادر العملة الصعبة، خاصة في ظل العقوبات الغربية الممتدة. وبحسب تقارير غربية، فإن مصافي “إبريق الشاي” الصينية تشتري جزءًا كبيرًا من صادرات النفط الإيراني، وتستخدم شبكات معقدة من الناقلات والتحويلات البحرية لإخفاء مصدر الشحنات أو تقليل أثر العقوبات.

وهنا يظهر جوهر المعركة: أمريكا لا تستهدف فقط خفض دخل إيران، بل تريد قطع الرابط الاقتصادي الذي يربط طهران ببكين. فكل برميل نفط إيراني يصل إلى الصين يعني أموالًا لطهران، وخامًا رخيصًا لبكين، وتراجعًا في قدرة واشنطن على عزل خصومها.

لماذا ترى أمريكا أن النفط الإيراني يخدم الطموح الصيني؟

الصين تتحرك منذ سنوات لبناء نفوذ اقتصادي عالمي يقوم على الطاقة والتجارة والموانئ وسلاسل الإمداد. وفي الشرق الأوسط تحديدًا، تسعى بكين إلى تثبيت حضورها كقوة لا ترفع شعارات عسكرية كبيرة مثل واشنطن، لكنها تشتري النفط، وتستثمر في البنية التحتية، وتفتح قنوات مع كل الأطراف.

ومن هذا المنظور، لا تنظر واشنطن إلى شراء الصين للنفط الإيراني كعملية تجارية فقط، بل كجزء من تحدٍ أكبر للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة. فبكين تستفيد من خصم واشنطن، وتدعم بقاء إيران اقتصاديًا، وتؤكد أنها قادرة على كسر العزلة الأمريكية المفروضة على طهران.

“الضغط الأقصى” يعود بثوب جديد

سياسة ترامب الجديدة تبدو امتدادًا مباشرًا لفكرة الضغط الأقصى: لا حرب مفتوحة، لكن حصار مالي وتجاري خانق. الفارق هذه المرة أن الضغط لا يذهب إلى إيران فقط، بل يطال الشركات والمصافي والناقلات التي تساعدها على بيع النفط.

هذا الأسلوب يحقق لواشنطن عدة أهداف في وقت واحد. فهو يضعف إيران ماليًا، ويربك المصافي الصينية، ويحذر البنوك وشركات الشحن من التعامل مع شبكات النفط الإيراني، ويبعث رسالة لبكين مفادها أن التحدي الاقتصادي لن يمر بلا تكلفة.

مصافي “إبريق الشاي”.. الحلقة الأضعف أم الباب الخلفي لبكين؟

مصافي “إبريق الشاي” هي مصافٍ صينية مستقلة أصغر حجمًا من الشركات الحكومية الكبرى، لكنها أصبحت لاعبًا مهمًا في تجارة النفط الإيراني. هذه المصافي غالبًا ما تبحث عن خام أرخص لتحسين هوامش الربح، ولذلك وجدت في النفط الإيراني فرصة مغرية رغم المخاطر.

لكن واشنطن تدرك أن استهداف هذه المصافي قد يكون أكثر تعقيدًا من استهداف الشركات الكبرى؛ لأن بعضها محدود الانكشاف على الأسواق الأمريكية، ويتعامل عبر شبكات بديلة وباليوان الصيني، ما يجعل العقوبات أقل فاعلية في بعض الحالات. لذلك يرى خبراء أن التأثير الحقيقي قد يصبح أكبر إذا استهدفت واشنطن البنوك أو المؤسسات المالية التي تسهل هذه التجارة.

بكين في مأزق مزدوج

الصين تجد نفسها أمام مأزق صعب. فإذا تجاهلت العقوبات الأمريكية بالكامل، فقد تعرض شركاتها لمزيد من القيود، وربما تفتح الباب لصدام أوسع مع النظام المالي العالمي الذي لا تزال واشنطن تملك نفوذًا ضخمًا داخله. وإذا تراجعت عن شراء النفط الإيراني، فإنها تخسر مصدرًا مهمًا للطاقة الرخيصة، وتبدو وكأنها رضخت للضغط الأمريكي.

لهذا اختارت بكين الرد القانوني والسياسي، بإصدار أمر يمنع الامتثال للعقوبات، لتقول لشركاتها ولواشنطن إن الصين لن تقبل تحويل العقوبات الأمريكية إلى قانون عالمي مفروض على الجميع.

هل تنجح العقوبات في خنق إيران؟

قد تؤدي العقوبات إلى رفع كلفة بيع النفط الإيراني، وتعقيد حركة الناقلات، وإجبار بعض الشركات على الابتعاد عن الشحنات المرتبطة بطهران. لكنها لن توقف التجارة بالكامل بين ليلة وضحاها. فإيران والصين طورتا خلال سنوات طويلة طرقًا للالتفاف على القيود، من بينها شبكات ناقلات الظل، وتغيير مسارات الشحن، وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى.

لكن حتى لو لم توقف العقوبات النفط الإيراني تمامًا، فإنها تحقق هدفًا آخر: تجعل كل برميل أكثر تكلفة، وكل صفقة أكثر خطورة، وكل طرف مشارك في الشبكة معرضًا للعقاب.

المعركة الحقيقية: من يحكم قواعد التجارة العالمية؟

تحت عنوان النفط الإيراني، تدور معركة أكبر بين واشنطن وبكين حول قواعد النظام الاقتصادي العالمي. أمريكا تريد أن تظل العقوبات أداة قادرة على إجبار الخصوم والحلفاء على الالتزام بخطوطها الحمراء. والصين تريد أن تثبت أن زمن الانفراد الأمريكي بوضع قواعد اللعبة قد بدأ يتراجع.

لذلك، فإن قرار بكين بعدم الامتثال للعقوبات ليس دفاعًا عن إيران فقط، بل دفاع عن موقع الصين كقوة كبرى لا تقبل أن تُدار تجارتها الخارجية من واشنطن.

                                         صراع النفط الإيراني

تأثير التصعيد على الشرق الأوسط

في الشرق الأوسط، يحمل هذا التصعيد آثارًا معقدة. فإيران ستواجه ضغطًا ماليًا أكبر، وقد تلجأ إلى تشديد مواقفها السياسية أو زيادة أوراق التوتر في المنطقة. ودول الخليج ستراقب المشهد بقلق، لأن أي اضطراب في تجارة النفط أو الملاحة قد ينعكس على الأسعار والأسواق والممرات البحرية.

أما الصين، فستحاول الحفاظ على علاقتها بإيران دون الدخول في صدام كامل مع واشنطن، بينما ستسعى الولايات المتحدة إلى إقناع الحلفاء بأن الضغط الاقتصادي أفضل من الحرب، وأن محاصرة عائدات النفط الإيراني هي الطريق الأقل تكلفة لمنع طهران من توسيع نفوذها.

 أمريكا تضرب إيران لتطويق الصين

في الظاهر، تبدو العقوبات الأمريكية موجهة ضد إيران ومصادر تمويلها. لكن في العمق، هي جزء من محاولة أمريكية أوسع للتصدي للطموح الصيني. فكلما تمددت الصين في أسواق الطاقة، وكلما بنت علاقات مع خصوم واشنطن، شعرت الولايات المتحدة أن نفوذها العالمي يتآكل.

لذلك، فإن استهداف المصافي الصينية التي تشتري النفط الإيراني ليس مجرد قرار مالي، بل رسالة استراتيجية: أمريكا لن تسمح لبكين ببناء نفوذها عبر ثغرات العقوبات، ولن تسمح لطهران باستخدام السوق الصينية كطوق نجاة دائم.

صراع النفط والممرات

تكشف أزمة العقوبات على المصافي الصينية أن الصراع بين واشنطن وبكين لم يعد يدور فقط حول التكنولوجيا والتجارة والرقائق، بل امتد إلى النفط، والممرات البحرية، والشرق الأوسط، وعلاقات الصين بخصوم أمريكا. وبينما تحاول إدارة ترامب خنق شريان النفط الإيراني، ترى بكين أن واشنطن تستخدم العقوبات كسلاح لتطويق صعودها العالمي. وهكذا تتحول إيران من طرف مستهدف بالعقوبات إلى ساحة اختبار كبرى بين قوتين تتنافسان على شكل النظام الدولي القادم.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.