الأحد، ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ في ٠٩:١٧ م

صلاح توفيق يكتب :مصر لا تحارب بالوكالة.. والحنجوريون لا يصنعون قرارها

مصر  الدولة وحماية اشقائها بعقل الدولة وعدم اشعال النار 

في كل أزمة إقليمية كبرى، يخرج علىنا بعض المتحمسين من أصحاب الأصوات العالية، وبعض الباحثين عن شهرة سريعة على حساب الحقيقة- مطبقين مبدأ خالف تعرف - ليطالبوا مصر بأن تقفز إلى قلب النار، وأن تدخل حربًا لا تخص قرارها الوطني المباشر، وكأن الجيش المصري ودماء أبنائه يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط في يد مقال هنا أو منشور هناك. واليوم، مع تصاعد التوتر بين إيران ودول الخليج، عاد الخطاب نفسه بوجه جديد: دعوات عربية ومصرية مشبوهة تطالب مصر بالحرب ضد إيران دفاعًا عن الخليج، متناسية أن السياسة لا تُدار بالحنجرة، وأن الدول الكبرى لا تتحرك بردود الفعل، وأن مصر تحديدًا لا تقاتل بالوكالة عن أحد وان كان موقفه الداعم للاشقاء لارجعة فيه بالمواقف السياسية الواضحة والشريفة 

الخليج اختار الحماية الأمريكية.. فلماذا يُطلب من مصر دفع الفاتورة؟

من حق أي دولة أن تختار تحالفاتها، ومن حق دول الخليج أن تفتح قواعد أمريكية على أراضيها، وأن تدفع المليارات وربما التريليونات عبر عقود سلاح وحماية ومظلات أمنية ممتدة. هذا قرارها السيادي، ولا يملك أحد أن يصادره فهي دول ذات سيادة يجب احترامها  أي كان الموقف من هذه القواعد وما تجلبه من معاناة لشعب الخليج 

لكن غير المقبول أن تتحول نتائج هذه الاختيارات إلى عبء يُلقى على ظهر مصر التي بح صوتها منذ سنوات بضرورة تشكيل منظمة دفاع عربية ولم يستمع اليها احد  فكلما اشتعلت المنطقة. فمن استدعى القواعد الأجنبية، وراهن طويلًا على الحماية الأمريكية، واعتبر أن واشنطن هي الضامن الأعلى لأمنه، لا يحق لبعض الأصوات المحيطة به أن تطالب القاهرة فجأة بأن تدخل حربًا كبرى لأن تلك الحماية بدت أقل صلابة مما كان يُروّج لها.

مصر ليست شركة أمن إقليمية، وليست قوة احتياط تُستدعى عند الحاجة ثم تُهاجم عند الخلاف. مصر دولة مركزية، صاحبة قرار عريق، تقيس خطواتها بميزان الدولة لا بصراخ المنصات التي تطلق من هنا او هناك

مصر مع أمن الخليج.. لكنها ليست ضد عقلها

مصر تعرف واجباتها جيدا  ولا تحتاج الي أحد لتذكيرها  بواجبها تجاه أشقائها العرب. مصر عبر التاريخ دفعت، وساعدت، وساندت، وحملت أعباءً أكبر من طاقتها في أحيان كثيرة، ليس طلبًا لمكافأة ولا انتظارًا للتصفيق، بل لأن الأمن العربي جزء من عقيدتها السياسية والاستراتيجية.

لكن دعم الأشقاء لا يعني الانتحار السياسي والعسكري. والوقوف مع الخليج لا يعني الدخول في حرب مفتوحة مع إيران بلا حسابات، ولا يعني أن تتحول مصر إلى طرف مباشر في مواجهة قد تشعل البحر الأحمر والخليج وقناة السويس وشرق المتوسط دفعة واحدة.

الدولة العاقلة لا تُدار بمنطق “إما أن تحارب معنا أو أنت ضدنا”. هذا منطق المراهقين السياسيين، لا منطق الدول الكبري التي تعرف معني كلمة حرب وتدرك ان دورا سياسيا فعالا قد يكون أفضل من أطلاق دانات المدافع 

الدور المصري الحقيقي: إطفاء النار لا صبّ الزيت علىها

 الجميع يعرف حجم المساعي المصرية في الأزمة ليست سرية ولا غامضة. القاهرة تتحرك سياسيًا ودبلوماسيًا لخفض التصعيد، ومحاصرة النيران التي تقترب من المنطقة كلها، لا من الخليج وحده. مصر تدرك أن أي انفجار واسع لن ينجو منه أحد؛ لا دول النفط، ولا الممرات البحرية، ولا الاقتصاد العالمي، ولا الشعوب العربية التي دفعت كثيرًا من ثمن المغامرات ومازالات تدفع

هذا هو الدور المصري الحقيقي: تهدئة، اتصالات، تقدير للمخاطر، ومحاولة منع الانزلاق إلى حرب شاملة ومحاصرة النيران التي  يسعي طرف معين صاحب مصلحة كبري في اشعال النيران واضعاف الجميع ليفوز بالكعكة الكبري في النهاية 

أما الذين يختصرون الموقف في سؤال ساذج: “لماذا لا تحارب مصر؟”، فهم إما لا يفهمون معنى الدولة، أو يفهمون جيدًا لكنهم يريدون المزايدة الرخيصة لارضاء من يعملون  لصالحهم

الحنجورية لا تحمي الخليج

المشكلة أن بعض الأصوات العربية تتعامل مع الحروب كأنها فقرة تلفزيونية أو منشور قابل للتداول. يزايدون على مصر، ويطالبونها بما لا يجرؤون على مطالبة غيرها به، ثم يتحدثون باسم الأمن العربي وكأنهم أوصياء علىه.

هؤلاء لا يحمون الخليج، بل يضرونه. لأن الأمن الخليجي لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى رؤية. ولا يحتاج إلى مقالات تحريضية، بل إلى حسابات قوة دقيقة. ولا يحتاج إلى دفع مصر نحو صدام مباشر، بل إلى بناء منظومة عربية جادة، مستقلة، متوازنة، لا تقوم على الاستدعاء الانتقائي للقاهرة وقت الخطر ثم تجاهل دورها وقت التقدير.

بعض الكتّاب وجدوا في الهجوم على مصر فرصة للشهرة

هناك من اكتشف أن أسهل طريق للظهور هو مهاجمة مصر. تطبيق فجّ لمبدأ “خالف تعرف”. يكتب أحدهم بضعة أسطر حادة ضد القاهرة، فيجد نفسه فجأة متداولًا ومذكورًا ومحل نقاش. لا مشروع، لا عمق، لا رؤية، فقط محاولة تسلق على اسم مصر وما اكثرهم على مواقع التواصل الاجتماعي

لكن مصر لا يحكمها مقال. ولا يهز قرارها منشور. ولا تستفزها حملات ممولة أو أصوات باحثة عن مقعد في صالون سياسي أو ظهور في شاشة مأجورة...مصر أكبر من هذه الصغائر. تعرف حجمها، وتعرف دورها، وتعرف متى تتحرك، وكيف تتحرك، ولماذا تتحرك.

من يريد الحرب فليبدأ بنفسه

من السهل جدًا أن تطالب غيرك بالحرب وأنت جالس في مكان آمن. من السهل أن تطلب من جيش دولة أخرى أن يدخل مواجهة، وأن يدفع جنوده الثمن، وأن تتحمل اقتصاده وتجارته وممراته البحرية ارتدادات المعركة. لكن من الصعب أن تكون مسؤولًا عن قرار حرب حقيقي.

الحرب ليست هاشتاجًا. الحرب دماء، واقتصاد، وحدود، وأمن قومي، ومستقبل أجيال قادمة ومن يريد أن يدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، فليمتلك أولًا شجاعة الاعتراف بثمنها، لا أن يوزع الفواتير على القاهرة كلما ضاقت به الحسابات.

مصر تحمي السيادة العربية بالحكمة لا بالضجيج

القوة ليست في إطلاق النار فقط. أحيانًا تكون القوة في منع الحرب. وأحيانًا تكون البطولة في أن ترفض الانجرار إلى فخ منصوب بعناية. ومصر، بخبرتها الطويلة، تعلم أن بعض الحروب تبدأ بشعارات براقة وتنتهي بخرائط ممزقة ودول منهكة وشعوب نازفة واوطان مدمرة تلك هي الحقيقة عن كل حرب

لذلك تتحرك القاهرة بمنطق الدولة: لا تفرط في أمن الخليج، ولا تتورط في حرب عبثية. لا تترك أشقاءها، ولا تسمح لأحد أن يستخدمها كأداة. لا تساوم على السيادة العربية، ولا تسلم قرارها لصوت مرتفع هنا أو مقال مأجور هناك.

الأزمة كشفت الوجوه

هذه الحرب الكاشفة أظهرت كثيرًا من الحقائق. كشفت من يتحدث عن الأمن العربي بصدق، ومن يستخدمه منصة للمزايدة. كشفت من يفهم قيمة مصر، ومن يريد النيل منها كلما وجد فرصة. كشفت كذلك أن بعض الأصوات التي تهاجم القاهرة لا يهمها الخليج ولا العرب، بل يهمها فقط أن تبدو حاضرة، حتى لو كان حضورها قائمًا على التحريض والتشويه وان يحصل على ثمن مايقول 

لكن أهل الحكم والعقد في الخليج يعرفون جيدًا وزن مصر. يعرفون أن القاهرة لا تبيع الكلام، بل تملك تاريخًا ومؤسسات وجيشًا ودولة. ويعرفون أن الدور المصري لا يُقاس بصوت إعلامي عابر، بل بما تفعله مصر في لحظات الخطر الحقيقي.

مصر تقدم ولا تنتظر شهادة من أحد

مصر قدمت لأشقائها العرب كثيرًا عبر التاريخ، وستظل تقدم ما تستطيع بمحبة وكرامة، لا بمنطق الإملاء ولا بمنطق الابتزاز. تقف مع أمن المنطقة، لكنها لا تسمح بتحويل قرارها الوطني إلى مادة للمزايدة. تساند، لكنها لا تُستدرج. تتحرك، لكنها لا تتهور. تعرف أن السيادة العربية لا تُحمى بالصراخ، بل بالعقل والقوة والتوقيت الصحيح وإطفاء النيران لا إشعالها

ولذلك، على الذين يطالبون مصر بالحرب أن يفهموا أن القاهرة لا تعمل عند أحد، ولا تدخل معركة لأن كاتبًا أراد أن يثبت شجاعته من خلف شاشة. مصر دولة، والدولة لا تقاد بالانفعال ولا تتصرف كرد فعل .. دولة لديها معلومات عما يخطط له 

الخلاصة: مصر أكبر من المزايدات

مصر لا تلتفت للصغائر لأنها أكبر من الصغائر. لا تنشغل بكل سهم إعلامي رخيص، ولا بكل محاولة للنيل من دورها. طريقها مرسوم بعناية: حماية أمنها القومي، دعم أشقائها، منع انفجار المنطقة، والحفاظ على السيادة العربية بحكمة ومنطق يحظيان باحترام العالم.

أما الحنجوريون، فليواصلوا الصراخ كما يشاؤون. التاريخ لا يكتبه أصحاب الضجيج، بل تكتبه الدول التي تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تتحرك.

وتحيا مصر دائمًا؛ دولة لا تحارب بالوكالة، ولا تُقاد بالمزايدة، ولا تنسى أشقاءها، لكنها لا تنسى نفسها أيضًا.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.