الثلاثاء، ٣٠ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٤:٠٧ م

صلاح توفيق يكتب : مستشارو الإعلام بين الفرقعة الصحفية والمؤامرة السياسية

مستشارو وزير الدولة للإعلام.. خبر ينتشر بقوة والنفي يبقى في الظل !!

ليست كل أزمة تُصنع من قرار، أحيانًا يكفي توقيت مرتبك، وتسريب غامض، ونفي لا يصل إلى الناس، حتى تتحول القصة من خبر عابر إلى عاصفة رأي عام. وهذا بالضبط ما حدث في قضية ما أثير حول اختيار وزير الدولة للإعلام، الكاتب الصحفي ضياء رشوان، لـ22 مستشارًا، بعدما جرى تداول أسماء وصور وصفات قيل إنها تخص شخصيات مرشحة أو مختارة للعمل كمستشارين داخل الوزارة.

للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر خبرًا إداريًا عاديًا، وزير يستعين بمستشارين، وصحفيون وإعلاميون لهم خبرات مختلفة يشاركون في بناء تصور لوزارة عادت إلى المشهد بعد غياب. لكن الأزمة لم تكن في مبدأ الاستعانة بالخبرات، ولا حتى في الأسماء المتداولة، فكثير منهم زملاء أعزاء لهم حضورهم المهني. الأزمة الحقيقية كانت في التوقيت، وفي طريقة ظهور الخبر، وفي الفجوة الكبيرة بين قوة انتشاره وضعف وصول نفيه.

التوقيت الذي صنع الأزمة

ظهر خبر مستشاري الإعلام في لحظة شديدة الحساسية  فبينما كان مجلس النواب المصري يناقش ملفًا قديمًا ومتجددًا: هو  ملف المستشارين في الوزارات والهيئات الحكومية واعددهم المتزايدة  وتكلفتهم، وغموض أدوارهم في كثير من الأحيان.

في هذا المناخ تحديدًا، انفجرت فجأة “قنبلة” مستشاري وزارة الإعلام. 22 اسمًا، صور، صفات، اختصاصات، وتفاصيل بدت للمتابع العادي كما لو أنها قائمة رسمية مكتملة. هنا لم يعد السؤال: من هم هؤلاء؟ بل أصبح السؤال الأهم: لماذا الآن؟ ومن الذي دفع بهذه القصة إلى واجهة المشهد في هذا التوقيت تحديدًا؟

الخبر، سواء كان صحيحًا أو غير دقيق أو مجرد ترشيحات غير مكتملة، وصل إلى الجمهور في لحظة كان فيها الرأي العام مستعدًا للغضب من أي حديث عن مستشارين جدد. ولهذا لم يحتج إلى جهد كبير حتى ينتشر ويتحول إلى مادة للسخرية والانتقاد والربط المباشر بين الوزارة الجديدة وملف الإنفاق الحكومي. وغيرها ممكا يدور في عقل المواطن 

الأزمة ليست في الأسماء

من الظلم اختزال الأزمة في الأشخاص الذين جرى تداول أسمائهم. فالأغلب من أبناء الوسط الصحفي والإعلامي، ومنهم من يملك خبرة مهنية لا يمكن إنكارها. وليس من العيب أن تستعين أي وزارة بخبرات متخصصة، خاصة إذا كانت المهمة واضحة، والاختصاصات محددة، والتكلفة معلنة أو منضبطة.

لكن الرأي العام لا يتعامل مع النوايا وحدها. الناس تسأل: ما طبيعة هذه المواقع؟ هل هي وظائف رسمية؟ هل لها مقابل مالي؟ هل هي مجرد لجان استشارية؟ هل تم اعتمادها فعلًا؟ وهل تحتاج وزارة الدولة للإعلام إلى هذا العدد من المستشارين في لحظة يتحدث فيها البرلمان عن ترشيد الإنفاق؟

هذه الأسئلة لم تجد إجابات سريعة وواضحة، فملأتها الشائعات والتأويلات.

ضياء رشوان.. رجل يُستشار أكثر مما يستشير

ما زاد غرابة المشهد أن الاسم المرتبط بالأزمة هو ضياء رشوان، الرجل الذي يعرفه الوسط الصحفي جيدًا. فهو نقيب سابق  لفترات متعددة، ورجل قريب من الجماعة الصحفية، وصاحب خبرة في إدارة الملفات العامة والحوارية والسياسية فضلا عن درايتة بكل مايخص الإعلام.

ضياء رشوان، في نظر كثيرين، ليس شخصية وافدة على المجال تحتاج إلى من يدلها على الطريق. هو نفسه كان، ولا يزال، من الشخصيات التي تُستشار أكثر مما تستشير. ولهذا بدا خبر الاستعانة بهذا العدد الكبير من المستشارين غريبًا لدى قطاع واسع من المتابعين، لا لأن الوزير لا يحق له طلب المشورة، بل لأن الرقم وطريقة التداول والتوقيت صنعت كلها مشهدًا مرتبكًا وغير مفهوم.

خبر بلا أب.. ونفي بلا أجنحة

الأزمة بدأت بخبر يبدو كأنه “بلا أب”. لا أحد يعرف على وجه الدقة من أخرجه أولًا، ولا من صاغ القائمة، ولا كيف جرى ترتيب الأسماء والصفات والاختصاصات بهذا الشكل. ثم جاء النفي لاحقًا، لكنه جاء أقل انتشارًا، وأضعف تأثيرًا، وأضيق حضورًا من الخبر الأصلي.

وهذه مشكلة إعلامية خطيرة. فالقاعدة المعروفة أن الجمهور يتفاعل مع الصدمة الأولى، أما النفي فيحتاج إلى قوة مضاعفة كي يصل. فإذا كان الخبر قد وصل إلى الناس كالنار في الهشيم، بينما بقي النفي في حدود دوائر ضيقة، فإن النتيجة الطبيعية أن الرواية الأولى ستظل هي الأقوى في ذهن الجمهور.

وهنا يصبح السؤال واجبًا: هل فشل النفي في ملاحقة الخبر؟ أم أن الخبر كان مصممًا أصلًا لينتشر أكثر من أي تصحيح لاحق له؟

فرقعة صحفية أم أزمة مفتعلة؟

لا يمكن الجزم بوجود مؤامرة، فالاتهام الكبير يحتاج إلى دليل كبير. لكن لا يمكن أيضًا التعامل مع ما جرى باعتباره صدفة بريئة تمامًا. نحن أمام خبر ظهر في توقيت حساس، بتفاصيل كثيرة، وبصياغة توحي بالاكتمال، ثم انتشر بقوة، بينما جاء النفي محدودًا.

قد تكون فرقعة صحفية خرجت عن السيطرة. وقد تكون تسريبًا غير دقيق تحوّل إلى أزمة. وقد تكون محاولة مبكرة لوضع الوزير الجديد تحت الضغط. وقد تكون كل ذلك معًا: قدر من الارتباك، وقدر من سوء الإدارة، وقدر من التربص السياسي أو المهني.

لكن المؤكد أن الأزمة خدمت خصوم فكرة المستشارين عمومًا، ووضعت وزارة الدولة للإعلام في موضع دفاع، وربطت بينها وبين ملف حساس يشغل البرلمان والشارع في وقت واحد 

المستشارون.. ملف قديم يعود من الباب الخلفي

قضية المستشارين في الوزارات والهيئات ليست جديدة. هي واحدة من القضايا التي تعود كل فترة، خاصة عندما يشعر المواطن أن هناك أعباء اقتصادية كبيرة، بينما تظهر أخبار عن مواقع استشارية لا يعرف الناس طبيعة دورها أو حجم تكلفتها وكيف تم اختيار شخوصها ؟

المواطن لا يرفض الخبرة، لكنه يرفض الغموض. لا يعترض على الاستعانة بالكفاءات، لكنه يريد أن يعرف: لماذا؟ وكم؟ وبأي اختصاص؟ وما العائد؟ وهل هناك ضرورة حقيقية؟

غياب هذه الإجابات يجعل أي خبر عن مستشارين قابلًا للاشتعال فورًا، خصوصًا إذا جاء في توقيت سياسي وإعلامي ملتبس كما حدث في مستشاري الإعلام.

عندما تصنع الشفافية الفارق

الفراغ المعلوماتي هو أخطر صانع للشائعات. عندما لا توجد رواية رسمية واضحة وسريعة، يملأ الجمهور الفراغ بتصوراته. وعندما لا يكون النفي حاسمًا ومباشرًا وواسع الانتشار، يتحول إلى مجرد تفصيلة هامشية أمام خبر صاخب سبق ووصل إلى الناس.

كان المطلوب منذ اللحظة الأولى توضيحًا قاطعًا: هل تم اختيار مستشارين فعلًا؟ هل القائمة المتداولة صحيحة؟ هل الأمر مجرد ترشيحات؟ هل توجد وظائف معتمدة؟ هل هناك مقابل مالي؟ هل هي لجنة تطوعية أو استشارية مؤقتة؟ وما طبيعة اختصاص كل اسم إن صح وجوده؟

هذه ليست أسئلة ترفية، بل أسئلة مشروعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بوزارة تحمل اسم الإعلام، أي الوزارة المفترض أنها الأقدر على إدارة الرسالة العامة للجمهور.

الإعلام الرسمي في اختبار صعب

المفارقة القاسية والخطيرة في نفس الوقت  أن الأزمة تخص وزارة الدولة للإعلام، أي الجهة التي يُفترض أن تمتلك أدوات التعامل مع الشائعات، وإدارة الأزمات، وضبط الرسائل، وملاحقة الأخبار الكاذبة أو غير الدقيقة.

لكن ما جرى كشف أن إدارة النفي لم تكن بقوة انتشار الخبر، وأن التصحيح لم يصل بالسرعة ولا بالمساحة التي وصل بها التسريب. وهذه فجوة اتصال لا ينبغي تجاهلها، لأن الوزارة الجديدة وضعت في اختبار  منذ اليوم الأول بقدرتها على إدارة صورتها قبل أن تطلب من الآخرين إدارة صورة الدولة.

فإذا كانت وزارة الإعلام نفسها عاجزة عن منع خبر غامض من التحول إلى أزمة، فكيف ستواجه ملفات أكبر وأكثر تعقيدًا؟

المطلوب الآن

المطلوب ليس معركة دفاعية ولا هجومًا على من تداولوا الخبر، بل بيان واضح يحترم عقل الناس. بيان يقول ببساطة ما الذي حدث، وما الصحيح، وما غير الصحيح، وما طبيعة أي استعانة بخبرات صحفية أو إعلامية إن وُجدت.

كما أن المطلوب أيضًا مراجعة طريقة التعامل مع الأزمات الإعلامية. فزمن “النفي الهادئ” انتهى. في عصر المنصات، الخبر الكاذب أو الناقص لا ينتظر بيانًا باردًا، بل يحتاج إلى توضيح سريع، مرئي، مباشر، قابل للانتشار، يصل إلى الجمهور في نفس المساحات التي انتشر فيها الخبر الأول.

اختبار مبكر لطريقة إدارة المعلومات

قضية مستشاري الإعلام ليست مجرد خبر عن 22 اسمًا. هي اختبار مبكر لطريقة إدارة المعلومات في المجال العام. وهي أيضًا مرآة تعكس حساسية الشارع تجاه ملف المستشارين والإنفاق الحكومي. وهي قبل ذلك كله درس في خطورة التوقيت، وفي أن الخبر حين يخرج بلا أب، والنفي حين يصل بلا أجنحة، يصبح الرأي العام ساحة مفتوحة للتأويل.

قد تكون القصة فرقعة صحفية. وقد تكون أزمة مفتعلة. وقد تكون سوء إدارة في لحظة غير مناسبة. لكن الثابت أن ما حدث تجاوز حدود الشائعة، وفتح سؤالًا أكبر عن الشفافية، وعن علاقة الدولة بالإعلام، وعن قدرة وزارة الإعلام على حماية روايتها قبل أن تطالب الناس بتصديقها.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.