الجميع يعرف أن لكل حربتخلق معركتان لا تقل إحداهما خطورة عن الأخرى: معركة الصواريخ على الأرض، ومعركة الرواية أمام الجمهور. وفي الحالة الأمريكية الأخيرة مع إيران، يبدو أن الرئيس دونالد ترامب يحرص في كل تصريحاته على تثبيت صورة واحدة لا يريد لغيرها أن تظهر: لقد انتصرنا، ودمرنا القوة العسكرية الإيرانية بالكامل، وانتهى الأمر. لكن المشكلة أن الحروب لا تُحسم بالكلمات وحدها، ولا تتحول الهزائم إلى انتصارات بمجرد تكرارها أمام الكاميرات لان هناك حقائق تؤكدها وقائع ثابتة لا يمكن اختزالها في تصريح .
فلو كانت القوة العسكرية الإيرانية قد دُمّرت بالكامل كما يقول ترامب، فلماذا لا تبدو طهران في موقع الطرف المنهار؟ ولماذا لا يسعى الإيرانيون إلى التفاوض بالاندفاع نفسه الذي يظهر في الخطاب الأمريكي؟ ولماذا تبدو واشنطن أكثر حرصًا على إعلان النهاية أكثر من إيران بينما تتصرف إيران وكأنها ما زالتي تملك أوراقًا للضغط والمناورة؟
انتصار معلن.. لكنه غير محسوم
المفارقة الكبرى أن إدارة ترامب تتحدث بلغة المنتصر الكامل، بينما لا تبدو نتائج الحرب على الأرض بهذا الوضوح. الذي تظهر به التصريحات فالعالم شاهد الصواريخ الإيرانية وهي تنهمر على الأراضي العربية المحتلة، وشاهد كيف تحولت دولة الاحتلال إلى مساحة قلق مفتوح، لا يشعر فيها المقيمون بالأمان الكامل، ولا تستطيع القبه الحديدية أو منظومات الدفاع أن تمنحهم الطمأنينة المطلقة التي تم الوعد بها .
هذه ليست دعاية إيرانية، بل حقيقة كشفها المشهد نفسه. فالخوف الذي عاشه سكان الأراضي المحتلة، والارتباك الذي ظهر في مراكز القرار، وحالة الشلل التي أصابت بعض المناطق، كلها تقول إن إيران لم تكن مجرد هدف سهل جرى تحطيمه وانتهى أمره كما يتم تصويره من جانب ترامب وإدارته .
نعم، قد تكون الولايات المتحدة قد وجهت ضربات مؤلمة. وقد تكون إيران دفعت ثمنًا عسكريًا وسياسيًا كبيرًا. لكن تحويل ذلك إلى “نصر كامل” هو قفزة سياسية أكثر منه تقييمًا عسكريًا دقيقًا.

الكونجرس يكشف ارتباك الرواية
ما جرى داخل الكونجرس الأمريكي، أثناء الاستماع إلى وزير الحرب الأمريكي، كان كاشفًا لا يقل أهمية عن مشاهد الميدان. فالمناقشات لم تكن مجرد إجراء روتيني، بل بدت وكأنها محاولة لقياس المسافة بين ما تقوله إدارة ترامب وما حدث بالفعل.
هناك، داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، ظهرت الأسئلة التي تخاف منها الإدارات وقت الحروب: ماذا حققنا؟ كم دفعنا؟ ما حجم الضرر الحقيقي؟ وهل كانت الضربات ضرورية أم استعراضًا سياسيًا؟ وهل خرجت أمريكا أكثر أمنًا أم دخلت مرحلة أخطر من التصعيد؟
هذه الأسئلة وحدها تكفي لهدم صورة النصر السهل. فالنصر الحقيقي لا يحتاج إلى حملة علاقات عامة يومية، ولا إلى تكرار عصبي أمام الإعلام، ولا إلى صناعة مشهد انتصار سياسي فوق أنقاض حرب لم تغلق كل ملفاتها بعد بل انه من الممكن عودتها بين لحظة وأخري .
السؤال الأخطر: كم دفع دافع الضرائب الأمريكي؟
وسط هذا الجدل، يبرز السؤال الذي جاء على لسان أحد أعضاء الكونجرس: كم تكلف دافع الضرائب الأمريكي من أموال لقصف مدرسة البنات غرب طهران؟
هذا السؤال ليس ماليًا فقط، بل أخلاقي وسياسي وإنساني. فحين تتحول الحرب إلى أرقام في ميزانية، وصواريخ بملايين الدولارات، وأهداف مثيرة للجدل، يصبح من حق المواطن الأمريكي أن يسأل: هل كانت هذه الضربه دفاعًا عن الأمن القومي، أم جزءًا من مسرح سياسي يريد رئيسه أن يظهر بمظهر القائد المنتصر؟
والأهم: ما قيمة “النصر” إذا كان يحتاج إلى قصف منشآت مدنية أو أهداف تثير أسئلة أخلاقية قاسية؟ وما قيمة القوة إذا تحولت إلى أداة لإنتاج صورة انتخابية أكثر من إنتاج أمن حقيقي؟
العالم لا يمانع انتصار ترامب.. لكن بأي طريقة؟
العالم لا يمانع أن يعلن ترامب انتصاره بالطريقة التي يحبها. السياسة الدولية اعتادت أن يبيع القادة رواياتهم لشعوبهم. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الرواية إلى بديل عن الحقيقة، وحين يصبح المطلوب من الجميع أن يصدقوا أن إيران انتهت، بينما سلوكها السياسي والعسكري لا يقول ذلك.
فالانتصار ليس خطابًا في مؤتمر صحفي. الانتصار يعني أن يذهب الخصم إلى التفاوض وهو فاقد القدرة على المناورة. الانتصار يعني أن تتوقف الصواريخ، وأن يشعر الحلفاء بالأمان، وأن يصبح الردع مستقرًا لا هشًا. أما أن تقول واشنطن إنها انتصرت، بينما ما زالت المنطقة تعيش على حافة اشتعال جديد، فذلك ليس نصرًا كاملًا، بل إعلان سياسي مؤقت يمكن وصفه بالمتسرع بهدف الاستعراض السياسي .
إيران لم تنكسر كما تريد واشنطن
قد تختلف المواقف من إيران، وقد يرفض كثيرون سياساتها الإقليمية، لكن قراءة الواقع تفرض الاعتراف بأن طهران لم تتصرف كطرف خرج من الحرب محطمًا بالكامل. فهي لا تبدو في حالة استعجال للتفاوض بأي ثمن، ولا تتحدث بلغة المستسلم، ولا تمنح ترامب الصورة التي يحتاجها لإكمال روايته التي يصر على تصديرها بشكل يومي.
وهنا تكمن أزمة واشنطن: أن الضربه العسكرية قد تكون قوية، لكنها لم تنتج خضوعًا سياسيًا واضحًا. وهذا هو الفارق بين القدرة على القصف والقدرة على فرض النتائج.
فأمريكا قادرة على تدمير أهداف، لكنها ليست دائمًا قادرة على صناعة نظام إقليمي جديد وفق رغبتها. وقد رأى العالم ذلك في العراق وأفغانستان، حيث كان التفوق العسكري ساحقًا، لكن النتائج السياسية ظلت معقدة ومكلفة ومفتوحة.
الأراضي المحتلة لم تعد آمنة كما يقال
من أهم نتائج هذه الحرب أنها كشفت هشاشة فكرة “الأمان المطلق” داخل الأراضي العربية المحتلة. فحين تصل الصواريخ، وحين تهتز المدن، وحين يعيش السكان ساعات طويلة تحت الإنذارات والملاجئ، تسقط أسطورة الحصانة التي حاولت إسرائيل بناءها لعقود.
وهذه النقطة تحديدًا لا يستطيع ترامب تجاهلها، حتى لو تحدث عن تدمير القدرات الإيرانية. فالصورة التي خرجت للعالم لم تكن صورة إيران عاجزة بالكامل، بل صورة منطقة كلها مكشوفة على احتمالات النار.

التكرار بتصريحات النصر دليل على عدم حدوثه
ما تحاول إدارة ترامب تسويقه اليوم هو نصر يحتاج إلى كثير من الشرح، وكل نصر يحتاج إلى شرح طويل يصبح موضع شك. فلو كانت إيران قد هُزمت بالكامل، لما احتاج ترامب إلى تكرار ذلك في كل تصريح. ولو كانت القوة الإيرانية قد دُمّرت تمامًا، لما ظل السؤال قائمًا حول سبب عدم اندفاع طهران إلى التفاوض بالشروط الأمريكية.
الحقيقة أن الحرب أنتجت ضررًا كبيرًا، لكنها لم تنتج حسمًا كاملًا. وأنتجت مشاهد قوة أمريكية، لكنها كشفت أيضًا حدود هذه القوة. وأظهرت قدرة واشنطن على القصف، لكنها لم تثبت قدرتها على فرض نهاية سياسية بالشكل الذي تريده.
لذلك، يبقى السؤال الأهم ليس: هل انتصر ترامب؟ بل: كم كلف هذا “النصر”؟ ومن سيدفع ثمنه؟ وهل كانت الضربات طريقًا إلى أمن حقيقي، أم مجرد محاولة لصناعة انتصار زائف أمام الداخل الأمريكي؟


