ما أصعب أن يمرّ المرء ببيوتٍ كانت بالأمس صوامع للسكينة، فإذا بها اليوم «تياترو» مفتوح على مصراعيه! كنا فيما مضى نخفي شجنّا ودموعنا كي لا يراها القريب، ونحوّط الفرح بسياج من الوقار خشية أن يخدشه تطفّل العابرين. أما اليوم، فقد طلع علينا زمن عجيب، استبدل فيه الناس «الحياء» بـ «الأضواء»، وأصبحت خلجات النفس ولحظات العمر البكر تُعرض في «واجهات العرض» كأي بضاعة رخيصة، لا لشيء إلا طلبًا لضجيج الاستحسان أو بريق العملات المعدنية الضئيلة.
إن ما نشهده اليوم من ظاهرة «صناع المحتوى» —كما يحلو للبعض تسميتهم— ليس إلا «مأساة صامتة» تُرتكب في حق الإنسانية. لقد تحولت دمعة الحزن من طقس مقدّس يغسل الروح، إلى لقطة مُخرجة بعناية لزيادة عدد المتابعين. وكأنّ الفجيعة لا تكتمل إلا إذا شاركنا فيها آلاف الغرباء، وكأنّ عقد القران لا يباركُه الله إلا إذا صُوّر من عشر زوايا!
تتجلى خطورة هذا «التسليع» في نقاط يندى لها الجبين:
استباحة القدسية: إن لحظة الولادة، أو وداع عزيز، أو حتى خلوة الزوج بزوجته، هي مساحات «خاصة ولها حرمتها» لا يجوز أن يطأها نعل الفضول؛ فالعرض المستمر يقتل الدهشة ويمحو الخصوصية.
الإنسان كـ «ماركة»: لم يعد الفرد كائن حر، بل تحول إلى مادة إعلانية متحركة. إنه يبتعد عن عفوية الحياة ليغرق في «تمثيل الدور»، فيفقد صدقه مع نفسه قبل أن يفقده مع الآخرين.
تزييف الشعور
تزييف الشعور: حين تصبح العاطفة مرهونة بـ «زر الإعجاب»، فإنها تفقد طهرها. فالكرم الذي يُصوّر ليس كرمًا بل رياء، والحزن الذي يُمنتج ليس شجنًا بل تجارة.
أين نحن من رقيّ الأمس، حين كان المرء يداري شأنه بوقار؟ لقد استبدلنا «الجلسة العائلية» الدافئة بـ «بث مباشر» بارد، فصارت البيوت بلا جدران، والأرواح بلا أسرار.
إنّ هذا المجون العاطفي قد أورث النفوس عِلّةً لا برء منها، وهي «فقدان الهيبة»؛ هيبة الذات أمام مرآتها. فالمرء الذي يعتاد عرض مكنونات صدره على قارعة الطريق الرقمي، يفقد بالتدريج ذلك الرابط السريّ الذي يجعله فريدًا، ويصبح كالكتاب الذي تداولته الأيدي حتى بليت صفحاته وانمحت حروفه.
لقد غاب عن هؤلاء أن الجمال في الترفع، وأن القيمة في الندرة؛ فالحجر الكريم يُحفظ في الصناديق المخملية بعيدًا عن الأعين، بينما الحصى ملقى تحت الأقدام لا يلتفت إليه أحد.
بيوت بلا جدران.. وأرواح بلا أسرار
إننا بتسليع مشاعرنا نغتال الغموض النبيل الذي يلف كينونتنا، ونحول بيوتنا—التي كانت حصونًا للسكينة—إلى منصات للعرض العام، فلا صاحب الدار يهنأ بخصوصيته، ولا الضيف العابر يخرج بغير الفضول الممقوت.
إن النفس البشرية أثمن من أن تُعرض في الأسواق، واللحظات التي تذهب لا تعود، فما بالنا نضيع بركتها في تملّق الغرباء؟ إننا ندعو إلى عودة «الستر» كقيمة جمالية وأخلاقية، وإلى استعادة كرامة الشعور بعيدًا عن صخب المزايدات. لندع في حياتنا زوايا لا يراها إلا الله، ولنحفظ لقلوبنا ترفعها، فليس كل ما نعيشه يصلح للفرجة، وليس كل ما يلمع في شاشاتهم ذهبًا، بل قد يكون دمعًا جفّ تحت حرارة الأضواء.


