لم تعد العلاقات بين الإمارات وإسرائيل مجرد اتفاق سياسي وفتح سفارات وتبادل تجاري تحت عنوان “اتفاقات إبراهام”، بل تحولت — وفق تقارير أمريكية وإسرائيلية وغربية — إلى تحالف أمني وعسكري مباشر بلغ ذروته مع نشر منظومات دفاع إسرائيلية داخل الأراضي الإماراتية، وفي مقدمتها القبة الحديدية، إلى جانب طواقم تشغيل من الجيش الإسرائيلي، خلال الحرب مع إيران. الحقيقة التي صدمت كثيرين ليست في وجود تنسيق أمني بين أبوظبي وتل أبيب، فهذا بات معروفًا منذ سنوات، بل في انتقال التعاون من الغرف المغلقة إلى مستوى غير مسبوق: معدات دفاع إسرائيلية وجنود إسرائيليون على أرض دولة عربية لمواجهة عدو مشترك.
القبة الحديدية في الإمارات.. ما الذي كشفته التقارير؟
بحسب تقرير نشره موقع Axios نقلًا عن مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين، أرسلت إسرائيل منظومة من القبة الحديدية وقوات لتشغيلها إلى الإمارات خلال الحرب مع إيران، في خطوة قالت المصادر إنها جاءت لمساعدة أبوظبي على التصدي للهجمات الإيرانية، ووصفتها بأنها تعميق كبير للتعاون العسكري والأمني والاستخباراتي بين الجانبين منذ اتفاق التطبيع عام 2020.
ولاحقًا، نقلت تقارير عن CNN أن نظام دفاع جوي إسرائيلي منشورًا في الإمارات شارك في اعتراض صاروخ إيراني، وأن إسرائيل كانت قد نشرت سرًا منظومة القبة الحديدية وجنودًا لتشغيلها داخل الإمارات في بداية الحرب مع إيران. وبما أن موقع CNN نفسه لم يكن متاحًا للفحص المباشر عبر الأداة هنا، فالأدق مهنيًا الإشارة إلى أن الرواية نُقلت عن CNN بواسطة منصات إخبارية أخرى مثل Iran International وi24NEWS.

طلب إماراتي مباشر أم قرار إسرائيلي استراتيجي؟
الرواية التي نقلتها وسائل إعلام عدة تشير إلى أن نشر المنظومة جاء بعد تواصل مباشر بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإماراتي محمد بن زايد، وأن نتنياهو أوعز للجيش الإسرائيلي بإرسال بطارية دفاع جوي مع صواريخ اعتراضية وطواقم تشغيل. هذا التفصيل، إن صح بالكامل، يعني أن التعاون لم يكن مجرد صفقة تسليح تقليدية، بل قرارًا سياسيًا على أعلى مستوى بين الطرفين، في لحظة تهديد إقليمي مباشر.
الخطورة هنا لا تتعلق فقط بنوع السلاح، بل بطبيعة الوجود العسكري نفسه. فوجود طواقم تشغيل إسرائيلية داخل الإمارات يمثل انتقالًا من مرحلة “التعاون عن بعد” إلى مرحلة “التشغيل المشترك” أو شبه المشترك، وهي مرحلة أكثر حساسية سياسيًا وشعبيًا، لأنها تضع العلاقة الإماراتية الإسرائيلية في خانة التحالف الدفاعي العملي، لا التطبيع الدبلوماسي فقط.
سابقة تاريخية تقلب قواعد الاشتباك
يمثل هذا الحدث سابقة إقليمية شديدة الأهمية، إذ أشارت تقارير إلى أنها المرة الأولى التي تُنشر فيها منظومة القبة الحديدية بهذا الشكل خارج إسرائيل والولايات المتحدة، كما أنها المرة الأولى التي يجري فيها الحديث عن وجود طواقم إسرائيلية قتالية أو تشغيلية بهذا الوضوح على أرض دولة خليجية في سياق مواجهة إيران. ووصفت صحيفة Times of Israel الخطوة بأنها أول نشر للمنظومة خارج إسرائيل والولايات المتحدة وفق ما أورده Axios.
هذه السابقة تعني أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الأمن الإقليمي، حيث لم تعد التحالفات تُبنى فقط على الانتماء العربي أو المواقف التقليدية من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل على معادلة التهديد المشترك. ومن هذه الزاوية، باتت إيران — في الحساب الإماراتي والإسرائيلي — مركز الخطر الذي يعيد تشكيل الاصطفافات.
من التطبيع إلى “الحماية العسكرية”
عندما وقّعت الإمارات وإسرائيل اتفاق التطبيع عام 2020، جرى تقديمه بوصفه بوابة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والسياحي. لكن التطورات الأخيرة تكشف أن الملف الأمني كان حاضرًا بقوة من البداية، وربما كان أحد أهم الدوافع غير المعلنة. فالإمارات، التي ترى نفسها مركزًا ماليًا ولوجستيًا عالميًا، لا تستطيع تحمل ضربات صاروخية أو مسيرات تستهدف أبوظبي أو دبي أو منشآتها الحيوية، بينما ترى إسرائيل في الإمارات شريكًا استراتيجيًا متقدمًا على الضفة الخليجية في مواجهة إيران.
وبذلك، لم تعد أبوظبي تشتري التكنولوجيا الإسرائيلية فقط، بل تستدعي المظلة الدفاعية الإسرائيلية نفسها عند الضرورة. وهذه نقطة فارقة؛ لأن الاستعانة بمنظومة دفاعية مع طواقمها تعني ثقة أمنية عالية، وتنسيقًا استخباراتيًا عميقًا، وقبولًا سياسيًا بتحمل كلفة العلاقة علنًا أو شبه علنًا عند انكشافها.
ترسانة تتجاوز القبة الحديدية.. آيرون بيم وسبكترو
لم يقف التعاون عند القبة الحديدية. فبحسب تقرير نقلته Financial Times وأعادت نشره أو تلخيصه وسائل عدة، سارعت إسرائيل إلى تزويد الإمارات بنظام مراقبة خفيف يعرف باسم Spectro، ساعد في رصد الطائرات المسيّرة القادمة، وخاصة طائرات “شاهد”، من مسافة تصل إلى 20 كيلومترًا. كما تحدث التقرير عن إرسال نسخة من نظام الدفاع الليزري Iron Beam إلى الإمارات لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وتكمن أهمية Iron Beam في أنه يمثل جيلًا جديدًا من الدفاع الجوي القائم على الليزر، والمصمم لاعتراض تهديدات مثل الصواريخ القصيرة المدى وقذائف الهاون والطائرات المسيرة والطائرات، مع كلفة تشغيل أقل بكثير من الصواريخ الاعتراضية التقليدية. وكانت رويترز قد نقلت في 2025 أن وزارة الدفاع الإسرائيلية أعلنت اكتمال اختبارات ناجحة للنظام، وأنه سيصبح جاهزًا للاستخدام العسكري، ليكمل منظومات إسرائيل الدفاعية القائمة مثل القبة الحديدية ومقلاع داود وآرو.

الإمارات كساحة اختبار للتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية
إذا صحت تفاصيل نشر القبة الحديدية وآيرون بيم وسبكترو، فإن الإمارات لم تكن فقط مستفيدة من مظلة دفاعية إسرائيلية، بل تحولت عمليًا إلى ساحة اختبار قتالية للتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية في بيئة مختلفة عن إسرائيل نفسها. فالهجمات الإيرانية على دولة خليجية ذات مدن مفتوحة ومنشآت اقتصادية حساسة تمثل سيناريو مختلفًا عن اعتراض صواريخ قصيرة من غزة أو لبنان.
هذا يهم إسرائيل لسببين: الأول اختبار المنظومات في مسرح عمليات خليجي واسع، والثاني تسويق التكنولوجيا الدفاعية الإسرائيلية للدول التي تشعر بتهديد إيراني مباشر. أما الإمارات، فهي تحصل على منظومات متقدمة تساعدها على تقليل المخاطر، لكنها في المقابل تدفع ثمنًا سياسيًا ومعنويًا يتمثل في الظهور كحليف عسكري مباشر لإسرائيل في لحظة حساسة عربيًا وإقليميًا.
لماذا احتاجت الإمارات إلى إسرائيل رغم امتلاكها منظومات غربية؟
الإمارات تمتلك بالفعل قدرات دفاعية متقدمة، من بينها منظومات أمريكية وغربية، لكن طبيعة الهجمات الحديثة تجعل الدفاع الجوي طبقيًا ومعقدًا. فالصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة الصغيرة، والهجمات المتزامنة بأعداد كبيرة، كلها تحتاج إلى أكثر من منظومة وأكثر من طبقة رصد واعتراض.
من هنا يمكن فهم اللجوء إلى إسرائيل. القبة الحديدية ليست الحل الوحيد، لكنها تضيف طبقة قصيرة المدى فعالة ضد أنواع معينة من التهديدات. وسبكترو يضيف قدرة رصد للمسيرات منخفضة البصمة، بينما آيرون بيم — إن كان قد استخدم أو نُشر بالفعل — يوفر خيارًا أقل كلفة في مواجهة أسراب المسيرات أو الأهداف الصغيرة. المعنى أن الإمارات لم تطلب “سلاحًا واحدًا”، بل دخلت في هندسة دفاع جوي متعددة الطبقات.
الدلالة السياسية.. سقوط الحواجز القديمة
الأهم من الجانب العسكري هو الرسالة السياسية. وجود منظومات إسرائيلية على أرض الإمارات يعني أن العلاقة بين البلدين تجاوزت الحرج التقليدي. فالتطبيع لم يعد مجرد اتفاق رسمي، بل تحالف قابل للتفعيل عند الخطر. وهذا يخلق سابقة أمام دول عربية أخرى: إذا أصبح الخطر الإيراني أكبر من كلفة العلاقة مع إسرائيل، فقد تتقدم الحسابات الأمنية على الاعتبارات الشعبية والتاريخية.
لكن هذه المعادلة ليست بلا ثمن. فالرأي العام العربي لا يزال يرى إسرائيل من خلال الحرب على غزة والملف الفلسطيني، وبالتالي فإن أي تعاون عسكري عربي مع إسرائيل سيُقرأ لدى قطاعات واسعة بوصفه اصطفافًا ضد المزاج الشعبي، حتى لو بررته الحكومات بالمصلحة الأمنية أو حماية المدن والمنشآت.
هل غيّرت إيران خريطة التحالفات؟
إيران، من حيث لا تريد، ساهمت في تسريع تقارب خصومها. فكلما ارتفعت قدرة طهران على استخدام الصواريخ والمسيرات عبر الإقليم، زادت حاجة الدول الخليجية إلى منظومات رصد واعتراض متقدمة، وزادت قيمة إسرائيل بوصفها دولة تمتلك خبرة عملياتية واسعة في الدفاع الجوي.

لكن في المقابل، هذا النوع من التحالفات قد يدفع إيران إلى اعتبار الإمارات جزءًا من المنظومة العسكرية المعادية لها، لا مجرد دولة خليجية تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وهذا يزيد مستوى المخاطر، لأن الحماية الإسرائيلية قد تردع بعض الهجمات، لكنها في الوقت نفسه قد تجعل الإمارات هدفًا رمزيًا أكبر في أي تصعيد قادم.
كواليس السرية.. لماذا لم يُعلن الاتفاق؟
السرية كانت ضرورية للطرفين. الإمارات لا تريد إعلانًا صريحًا عن وجود جنود إسرائيليين على أرضها، لأن ذلك يفتح بابًا واسعًا للجدل الداخلي والعربي، خصوصًا مع حساسية الملف الفلسطيني. وإسرائيل من جانبها قد تكون فضّلت السرية لحماية مسارات الانتشار، وعدم كشف مواقع المنظومات، وتجنب استفزاز أطراف إقليمية قبل اكتمال الترتيبات.
لكن انكشاف الأمر عبر Axios وCNN وFinancial Times يعني أن السرية لم تعد ممكنة بالكامل. وغالبًا فإن التسريب نفسه يحمل رسالة سياسية: إلى إيران بأن الإمارات ليست وحدها، وإلى الحلفاء الغربيين بأن التحالف الإماراتي الإسرائيلي بات قادرًا على العمل ميدانيًا، وإلى المنطقة بأن اتفاقات إبراهام دخلت مرحلة عسكرية صريحة.
بين الحماية والتبعية الأمنية
من زاوية إماراتية، يمكن تقديم الخطوة على أنها قرار سيادي لحماية المدن والمنشآت الحيوية من هجمات إيرانية. لكن من زاوية نقدية، تطرح الخطوة سؤالًا صعبًا: هل تتحول الإمارات تدريجيًا إلى جزء من شبكة دفاع إسرائيلية أوسع؟ وهل يصبح أمنها الجوي مرتبطًا بمنظومات وطواقم وخبراء من إسرائيل والولايات المتحدة؟
الفرق بين التعاون والتبعية دقيق. التعاون يعني تبادل مصالح وقدرات، أما التبعية فتبدأ عندما تصبح الدولة غير قادرة على حماية أجوائها دون تشغيل أجنبي مباشر. وإذا كانت القبة الحديدية قد جاءت بطواقم إسرائيلية، فهذا يفتح نقاشًا حول حدود الاعتماد على الخارج في ملفات تمس السيادة العسكرية.
أثر ذلك على الخليج والمنطقة العربية
هذه التطورات قد تضع دول الخليج أمام أسئلة محرجة. فبعضها يرفض إعلان تعاون عسكري مع إسرائيل، لكنه يواجه التهديدات نفسها من إيران أو من وكلائها. وبعضها قد يرى في النموذج الإماراتي مسارًا عمليًا لكنه سياسيًا مكلف. أما الشعوب العربية، فستقرأ الحدث من زاوية مختلفة تمامًا: دولة عربية تستقبل منظومات وجنودًا إسرائيليين في وقت لا تزال فيه القضية الفلسطينية مركزًا عاطفيًا وسياسيًا في الوعي العام.
وهنا تكمن الفجوة الكبرى بين منطق الحكومات ومنطق الشارع: الحكومات تتحدث بلغة الأمن القومي والتهديد الإيراني والمنشآت الحيوية، بينما الشارع يتحدث بلغة فلسطين والتطبيع والتحالف مع إسرائيل. وكلما اتسعت هذه الفجوة، زادت حساسية أي تعاون عسكري معلن أو مسرب.
تحالف عسكري في الميدان
كواليس الاتفاقات السرية بين الإمارات وإسرائيل تكشف أن المنطقة لم تعد كما كانت. التقارير عن نشر القبة الحديدية، وطواقم إسرائيلية، ومنظومات مثل آيرون بيم وسبكترو داخل الإمارات، لا تمثل مجرد تعاون دفاعي عابر، بل تعلن عمليًا انتقال اتفاقات إبراهام من مربع الاقتصاد والدبلوماسية إلى مربع التحالف العسكري الميداني.
الإمارات ترى في إسرائيل شريكًا قادرًا على توفير التكنولوجيا والخبرة أمام التهديد الإيراني. وإسرائيل ترى في الإمارات عمقًا استراتيجيًا خليجيًا وسوقًا ومسرحًا دفاعيًا متقدمًا. أما المنطقة، فتشهد ولادة معادلة جديدة: الأمن قبل الشعارات، والتحالفات قبل الذاكرة، والمصالح قبل الحسابات التقليدية.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تمنح هذه المنظومات الإمارات حماية حقيقية من الهجمات الإيرانية، أم تضعها في قلب مواجهة أكبر بوصفها قاعدة متقدمة للتحالف الإسرائيلي في الخليج؟ الإجابة لن تتحدد في البيانات الرسمية، بل في الجولة المقبلة من التصعيد، حين تختبر الصواريخ والمسيرات ليس فقط قوة القبة الحديدية، بل قوة التحالفات الجديدة نفسها.


