سوريا بين النفوذ التركي والقلق الإسرائيلي.. هل تتحول دمشق إلى ساحة صراع جديدة بعد تراجع الدور الإيراني؟
لا أعتقد بأن هناك اتفاقا عربيا بشأن سوريا بقدر ما هو اتفاق "تركي قطري" يواصل وأد كل حركة أو دعوة اصلاح نابعة من بعض القوى الوطنية السورية المعارضة والتى تمثل مختلف النخب التى تشكل ضمير سوريا ..ومع ذلك ظل "طرفى الاتفاق" على استمرار خراب وتدمير سوريا بل وتمزيقها … برغم مرور أكثر من عقدين من الزمان منذ أحداث ما سمى بالربيع العربى ٢٠١١ .
حقيقة الأمر أن تركيا، وباعتراف الرئيس الامريكى دونالد ترامب, المتصرف الوحيد و الحاكم العسكري الفعلى فى سوريا ..شاء من شاء وأبى من أبى ..سواء فى حجم إنتشارها أو تمددها فى سوريا بل وسيطرتها المطلقة على قرارات الرئيس المؤقت أحمد الشرع "ابو محمد الجولاني"، بدليل الزيارة التى قام بها الرئيس الاوكراني زيلينسكي إلى دمشق وجرت وفق إرادة تركيه برفقة وزير خارجيته وشكلت "غصة" كبيرة فى نفوس ملايين السوريين الرافضين للتواجد التركى على الأراضي السورية لأنهم باتوا ضمن"مقاطعة" سيطرت فيها تركيا على كل مفاصل دولتهم "الهشة " عسكريا وسياسيا وأمنيا ويعيد الجولاني لهم أمجاد " الطربوش" العثماني محل "عمامة" ولاية الفقيه.
سوريا في قلب معادلة إقليمية جديدة
العديد من التقارير الصحافية والإخبارية تشير إلى أن المرحلة المقبلة فى ظل الصراع والحرب الدائرة حاليا فى المنطقة بين امريكا وإسرائيل ضد ايران قد تشهد تغييرات فى بعض المواقف تتبدل فيها ربما معظم أو بعضاً من الأوضاع، خاصة ما يتعلق منها ببلورة الصراع حول سوريا ما بين "تركيا وإسرائيل"، فى ظل التمدد التركى من شمال سوريا وحتى فى الداخل السورى ليشكل فى حقيقة الأمر هاجسا أمنيا جديدا لاسرائيل عوضا عن الوجود الإيرانى المهدد لأمن تل أبيب فى زمن الهارب بشار الاسد .
وفى ظل تلك التركيبة المعقدة من الوجود التركى فإن إسرائيل لن تسمح بذلك الامتداد فى ظل تقارير صحفية أشارت إلى دعم تركيا لعصابات الجولاني بالأسلحة فى ظل تباطؤ بعضاً من الدول العربية عن المساهمة ولو بقدر ، بالإضافة إلى عدم إغفال دور ايران ودخولها على الخط فى ظل وضعها الراهن خاصة وأن لديها قدرات فى العراق "الحشد الشعبي" ضمن حكم"الطوائف"فى ظل حالة الاحتقان السائدة على الحدود السورية العراقية وتهديد ايران الأخير بضرب سوريا .

صحيفة "معاريف " الإسرائيلية أكدت ايضاً من جانبها أن وتيرة تعزيز النظام في سوريا تفوق كل التوقعات بل وتحظى بدعم تركيا ورئيسها رجب طيب اردوغان معتبرة أن سوريا تصنف كدولة معادية إسرائيل حيث لا يوجد حتى الان اتفاق امنى للسلام أو اعتراف متبادل بين إسرائيل وسوريا .
كما أعربت الصحيفة عن مخاوفها من "نظام" الجولاني الخطير خاصة إنه يقوم على أيديولوجية دينية متطرفة- جهادية، ويُرسّخ سلطته في سوريا عبر تجهيز جيش مدعوم تركياً لإعادة بناء أنظمة الدفاع الجوي وإعادة تشغيل المروحيات في سوريا، والتى قد توجه على المدى البعيد نحو إسرائيل" .. وفقا لما أوردته الصحيفة .
ثقافة الفوضى والكراهية
ومع استمرار فشل السلطة المؤقتة بزعامة ابو محمد الجولاني فى ادارة دولة هشه بل وفشلها الذريع فى إحداث وحدة وطنية سورية حقيقية تشكل قضية جوهرية فى مواجهة دعوات عصابات الجولاني فى نشر ثقافة الفوضى والفتنة والفساد والكراهية والارهاب والتطرف اعتقادا منها إنها بقوة السلاح تستطيع لى ذراع كافة مكونات المجتمع السورى للقبول بالأمر الواقع .. فى الوقت الذى لم تتمكن تلك السلطة المؤقتة من اجراء مصالحة وطنية حقيقية بين من تعرضوا لعمليات إبادة جماعية سواء من الطائفة العلوية أو الدرزية وإن ماجرى كان مجرد إجراءات شكلية لم تحظى بتوافق عملى حقيقي .
ويبقى الفشل الرئيسي فى إعادة بناء دولة على مدى قرابة العامين، لإعتماد الجولاني ومؤيديه على نشر نموذج الفقر والغلاء والفساد وبمنطق "تطهير" رأس المال الوطنى السورى فى دولة فاقدة للبيئة الآمنة والمستقرة وهو ما تفتقده سوريا الذى تحيا بمنطق الدولة الاحتكارية الفاسدة التى لن تسمح لرأس المال الاستثمار وفق قوانين تحميه والمجازفة بتلك الأموال مع غياب الأمن وانتشار البطالة التى تجاوزت ٨٠٪ لدى الشباب فى ظل أوضاع أمنية مهترئة وانهيار للعملة والاقتصاد مع انتشار الفقر وارتفاع موجات الغلاء والمجاعة و الأعلان الجائر
لرفع مواد الطاقة من البنزين والكهرباء التى صعقت الجميع دون استثناء.
إعلان يونيو وحكومة جديدة في سوريا
ويبقى الأمل الوحيد فى الخلاص من تلك الطغمة الحاكمة من عصابات الجولاني وتنظيماته الارهابية ومقاتليه الأجانب فى انتظار الاعلان فى شهر يونيو المقبل عن تشكيل حكومة جديدة بعيدة كل البعد عن هيئة تحرير الشام وجماعة الجولاني او مناصريه .. حكومة تسعى لصياغة وإعادة بناء دولة وطنية تقبل الجميع تحت راية واحده ذات سيادة ودستور جديد عبر مجلس عسكري انتقالي باختيار العميد المنشق مناف طلاس لرئاسة المجلس العسكري السورى لحين تشكيل مؤسسة عسكرية وطنية ومن ثم انتخابات مجلس الشعب وانتخابات رئاسية.
ومع قرب الإعلان عن تشكيل تلك الحكومة الجديدة المؤقتة تصاعدت موجات الهجوم عليها وعلى من اطلقت عليهم بالفلول من النظام السابق وبما يهدد مصالح تلك التنظيمات والخلايا الارهابية المنتشرة فى معظم أنحاء سوريا التى تشهد على مدار الساعة العشرات من التظاهرات المنددة بحكم الجولاني والرافضة لمنطق من يحرر يقرر والتى لا تمثل طبيعة الشعب السورى والذى بات على قناعة تامة رفضه لسيطرة سلطة ارهابية اعتمدت منطق وسياسة استعمارية تمثلت فى "فرق تسد ".


