زيلينسكي: 800 صاروخ باتريوت استُخدمت في الشرق الأوسط خلال 3 أيام.. وأوكرانيا تعرض خبرتها ضد «شاهد»
في تطور يعكس كيف أعادت الحرب في الشرق الأوسط رسم أولويات الدفاع الجوي عالميًا، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن أكثر من 800 صاروخ PAC-3 باتريوت استُخدمت خلال 3 أيام فقط في الشرق الأوسط للتصدي للهجمات الإيرانية، وهو رقم قال إن أوكرانيا لم تمتلك مثله طوال سنوات الحرب مع روسيا. وفي الوقت نفسه، أعلن أن كييف مستعدة لإرسال خبرائها لمساعدة الولايات المتحدة وشركائها في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية، مستثمرة خبرتها الطويلة في إسقاط مسيّرات شاهد التي استخدمتها موسكو بكثافة ضد المدن الأوكرانية.
وتكشف هذه التصريحات عن تحول مهم في المشهد العسكري؛ فبدل أن تبقى أوكرانيا مجرد متلقية للمساعدة الغربية، بدأت تعرض نفسها باعتبارها مصدر خبرة ميدانية في ملف مكافحة المسيّرات الرخيصة والمنخفضة الكلفة، وهو الملف الذي بات يشكل تحديًا مباشرًا لدول الخليج والقواعد الأمريكية في المنطقة مع تصاعد الهجمات الإيرانية.
ماذا قال زيلينسكي عن صواريخ باتريوت؟
رقم 800 صاروخ خلال 3 أيام
بحسب ما نُقل عن زيلينسكي في إحاطة صحفية، فإن أكثر من 800 صاروخ PAC-3 استُخدمت خلال الأيام الثلاثة الأولى من القتال في الشرق الأوسط. كما قال إن أوكرانيا لم تحصل على هذا العدد طوال الحرب مع روسيا، في إشارة إلى حجم الاستنزاف السريع لمخزون الدفاع الجوي عندما تتعرض عدة دول لهجمات صاروخية ومسيّرة متزامنة. هذا الرقم جرى تداوله أيضًا في وسائل إعلام أوكرانية رسمية وشبه رسمية، لكن رويترز لم تؤكد رقم 800 بشكل مستقل في تقريرها، بل أكدت أن إيران أطلقت بالفعل مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على دول الخليج منذ بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
مسيرات إسرائيلية
أزمة إنتاج وصعوبة التعويض
تكتسب هذه التصريحات أهمية أكبر لأن تقريرًا لرويترز أشار إلى أن شركة لوكهيد مارتن تنتج نحو 600 صاروخ PAC-3 سنويًا فقط في الوقت الحالي، وهو رقم يراه خبراء غير كاف لتلبية احتياجات الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج وأوكرانيا معًا، خصوصًا إذا طال أمد الحرب. كما نقلت رويترز عن مسؤول دفاعي أمريكي أن اختناقات الإنتاج والتسليم قد تتفاقم إذا استمر الصراع.
أوكرانيا تعرض إرسال خبرائها إلى الشرق الأوسط
طلب أمريكي وموافقة أوكرانية
أكدت رويترز أن زيلينسكي قال إن أوكرانيا ستساعد الولايات المتحدة بعد طلبها المساعدة في التعامل مع المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط. وجاء ذلك بعد سنوات من الخبرة الأوكرانية في مواجهة مسيّرات شاهد الإيرانية التصميم، التي استخدمتها روسيا بكثافة في الحرب. ووفق التقرير، فإن أوكرانيا طورت وسائل فعالة لإسقاط هذه المسيّرات، وهو ما يجعل خبرتها ذات قيمة عملية مباشرة للدول التي تواجه الآن التهديد نفسه.
من الخبرة إلى “الصفقة”
القراءة السياسية الأوسع لهذه الخطوة تشير إلى أن كييف لا تقدم المساعدة مجانًا فقط، بل تحاول أيضًا تحويل خبرتها القتالية إلى ورقة تفاوض. فكلما ازدادت حاجة دول الشرق الأوسط والولايات المتحدة إلى حلول أقل تكلفة من صواريخ باتريوت الباهظة، أصبحت أوكرانيا قادرة على عرض خبرائها وتقنياتها المضادة للمسيّرات مقابل دعم عسكري أو سياسي أو تمويلي. هذا الاستنتاج تدعمه تصريحات زيلينسكي نفسه واستعداد كييف للمساهمة بخبرتها، كما تدعمه تقارير عن تزايد التنافس على الذخائر الدفاعية بين أوكرانيا والشرق الأوسط.
لماذا أصبحت أوكرانيا مهمة في مواجهة «شاهد 136»؟
أربع سنوات من التعلّم تحت النار
ليست أهمية أوكرانيا هنا دعائية فقط، بل ناتجة عن واقع ميداني قاسٍ؛ فقد خاضت كييف تجربة طويلة في مواجهة المسيّرات الإيرانية الصنع أو المشتقة منها، واستخدمت مزيجًا من الدفاعات الجوية التقليدية، والمدافع، والفرق المتحركة، وأدوات التشويش، ثم بدأت تتوسع في المسيّرات الاعتراضية والحلول الأقل كلفة اقتصاديًا. رويترز أشارت أيضًا في تقارير أخرى إلى أن أوكرانيا تنظر إلى الدرونز الاعتراضية باعتبارها وسيلة اقتصادية وفعالة للتعامل مع الهجمات الجوية الكثيفة.
الدفاع الجوي الأرخص هو مفتاح المرحلة
تكمن المشكلة الأساسية في أن استخدام صاروخ باتريوت مرتفع الكلفة ضد مسيّرة منخفضة الكلفة يخلق معادلة استنزاف غير متوازنة. ولهذا تتجه الأنظار الآن إلى حلول أرخص، مثل المسيّرات الاعتراضية والمدافع الرشاشة الآلية وشبكات الإنذار المبكر. وهنا بالذات تريد أوكرانيا أن تقدم نفسها كنموذج عملي: دولة خاضت حرب استنزاف جوية طويلة واضطرت إلى ابتكار وسائل أقل كلفة من المنظومات الغربية الثقيلة.
هل بدأت الاتصالات مع الخليج فعلًا؟
مؤشرات على تعاون دفاعي متسارع
المؤكد من رويترز أن دول الخليج بدأت بالفعل تبحث عن تعزيزات دفاعية عاجلة. فقد نقلت الوكالة عن وزير الدفاع الإيطالي أن دولًا خليجية طلبت أنظمة دفاع جوي ومكافحة مسيّرات، بينها نظام SAMP/T الأوروبي. كما نقلت رويترز عن زيلينسكي أن كييف ستساعد الولايات المتحدة بطلب منها في مواجهة المسيّرات الإيرانية. هذا يعني أن مسار التعاون الدفاعي مفتوح بالفعل، حتى لو لم تُعلن كل تفاصيله بعد.
ما الذي لم يتأكد بعد؟
أما المزاعم التي تقول إن الإمارات وقطر والبحرين والأردن والكويت دخلت جميعًا في ترتيبات ميدانية مباشرة مع كييف “الآن”، أو أن هناك “تبادلًا هادئًا” محسومًا لصواريخ PAC-3 مقابل خبرات أوكرانية، فهي ليست مثبتة بالكامل من المصادر التي اطلعت عليها. المتاح الموثق هو وجود تعاون أوكراني-أمريكي معلن في ملف مكافحة المسيّرات، ووجود طلب خليجي واسع على الدفاعات الجوية، إضافة إلى القلق المتزايد من نقص الذخائر الدفاعية. أما تفاصيل الصفقات الدقيقة، فما زالت في نطاق التسريبات أو التحليلات.

حرب روسيا واكرانيا
كيف يمكن أن تؤثر هذه الخطوة على حرب أوكرانيا نفسها؟
خطر مزاحمة الخليج لكييف على الذخائر
المفارقة أن الحرب في الشرق الأوسط قد تمنح أوكرانيا فرصة سياسية جديدة، لكنها في الوقت نفسه تهددها عسكريًا. فتقرير رويترز حذر من أن الصراع مع إيران قد يؤدي إلى تحويل أو تأخير إمدادات الذخائر الأمريكية المخصصة لأوكرانيا، وخاصة الذخائر الدفاعية. كما كشفت رويترز في تقرير آخر أن طائرات F-16 الأوكرانية عانت بالفعل من نقص في الصواريخ الأمريكية لفترة امتدت لأسابيع، ما يظهر هشاشة الاعتماد على المخزون الغربي المحدود.
محاولة أوكرانية لتقليل الخسارة
من هذه الزاوية، تبدو خطوة زيلينسكي ذكية: إذا كانت الحرب الجديدة ستسحب الذخائر من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، فإن كييف تحاول على الأقل الدخول إلى المعادلة لا البقاء خارجها. بمعنى آخر، تريد أوكرانيا أن تكون شريكًا في الحل، حتى لا تصبح فقط ضحية لتحول الأولويات الأمريكية. وهذا يفسر اللهجة العملية في تصريحات زيلينسكي: هو لا يكتفي بالشكوى من نقص باتريوت، بل يعرض مقابلًا ملموسًا يتمثل في الخبرة والقدرة على إسقاط المسيّرات بكلفة أقل.
هل نشهد تحولا عالميًا في حروب الدفاع الجوي؟
من عصر الصاروخ الغالي إلى الدفاع الأرخص
ما يحدث الآن يتجاوز أوكرانيا والشرق الأوسط معًا. فالحروب الحديثة تكشف أن الاعتماد على صواريخ دفاعية باهظة الثمن لاعتراض أعداد ضخمة من المسيّرات والصواريخ الرخيصة قد لا يكون مستدامًا. ولهذا تتجه الجيوش أكثر فأكثر إلى حلول هجينة تجمع بين الدفاع الجوي التقليدي والتكنولوجيا الأرخص: مسيّرات اعتراضية، تشويش، مدافع، وأنظمة استشعار موزعة.
أوكرانيا تتحول من متلقٍ للسلاح إلى مصدّر للخبرة
التحول الأهم أن أوكرانيا بدأت تنتقل تدريجيًا من موقع “البلد الذي يطلب السلاح” إلى موقع “البلد الذي يملك خبرة قتالية قابلة للتصدير”. وهذا لا يعني أنها لم تعد بحاجة إلى السلاح الغربي، لكنها باتت تملك شيئًا يطلبه الآخرون أيضًا: خبرة ميدانية مجربة في مواجهة هجمات مسيّرة كثيفة وطويلة الأمد. وإذا استمر هذا المسار، فقد تصبح كييف لاعبًا حاضرًا في أسواق وتفاهمات الدفاع الجوي الدولية، لا مجرد ساحة حرب أوروبية.
أوكرانيا تساعد أمريكا الان
خلاصة المشهد أن زيلينسكي وجّه رسالة مزدوجة: الأولى تحذيرية، حين قال إن الشرق الأوسط استهلك خلال أيام عددًا هائلًا من صواريخ باتريوت يفوق ما امتلكته أوكرانيا طوال الحرب؛ والثانية عملية، حين أعلن استعداد كييف لإرسال خبرائها لمواجهة المسيّرات الإيرانية. المؤكد حتى الآن أن أوكرانيا ستساعد الولايات المتحدة في هذا الملف، وأن الطلب على الدفاعات الجوية في الخليج يتصاعد، وأن نقص الذخائر بات مشكلة حقيقية. أما ما يتردد عن صفقات تبادل واسعة ومباشرة بين كييف ودول الخليج، فما يزال بحاجة إلى تأكيدات إضافية.


