أسبوع رمضان الأول في مصر.. جرائم عنف صادمة تكشف أزمة غضب مجتمعية والصيام منها براء
في الأيام الأولى من شهر رمضان 2026، حيث يُفترض أن تتقدم قيم الرحمة وكظم الغيظ، خلال شهر رمضان المبارك شهدت عدة محافظات مصرية وقائع عنف متباينة في الشكل ومتشابهة في الجوهر: اندفاع لحظي، سلاح حاضر، وعواقب لا رجعة فيها.
من اعتداء رجل أعمال على فرد أمن داخل كمبوند بالقاهرة الجديدة، إلى إطلاق نار على طفل ووالده في باسوس بالقليوبية بعد صلاة التراويح، مرورًا بمقتل شاب داخل صالون حلاقة في كفر الشيخ بسبب مبلغ زهيد، ثم جريمة عائلية في كفر السنابسة بالمنوفية انتهت بطعنة قاتلة في الرقبة… تتشكل صورة واحدة: “العنف أسرع من العقل” إذا غابت منظومة الردع الاجتماعي والنفسي والقانوني.
والأهم: الصيام بريء من هذه الجرائم؛ فالصيام عبادة تهذب السلوك، ولا يُقبل أن يُستعمل كذريعة لتبرير الاعتداء أو الانفعال أو إيذاء الناس. بل على العكس، رمضان يضع الإنسان أمام اختبار واضح: هل يملك نفسه عند الغضب؟
واقعة القاهرة الجديدة.. اعتداء على فرد أمن “داخل كمبوند” والداخلية تتدخل
تداولت منصات التواصل فيديو يظهر اعتداء أحد السكان (وُصف في بعض التغطيات بأنه “صاحب مصنع/رجل أعمال”) على فرد أمن إداري داخل مجمع سكني شهير في منطقة القاهرة الجديدة، قبل أن تتدخل الأجهزة الأمنية لضبط المتهم وكشف ملابسات الواقعة.
ماذا تقول هذه الواقعة؟
هذه ليست “خناقة” عابرة فقط؛ إنها تعبير عن خلل مزدوج:
-
اختلال مفهوم السلطة لدى البعض: تحويل النفوذ أو المال إلى حق في الإهانة والاعتداء.
-
انهيار ضوابط التعامل اليومي: موظف يؤدي عمله يتحول إلى “هدف” لغضب شخصي.
رمضان هنا لا يدخل كسبب، بل كـ”مفارقة” مؤلمة: أن يحدث الاعتداء في وقت يُفترض فيه تهذيب النفس، لا إطلاقها على الآخرين.
باسوس بالقليوبية.. رصاص وخرطوش بعد التراويح وطفل يصرخ أمام الكاميرا
في قرية باسوس التابعة لمركز القناطر الخيرية بالقليوبية، أثار مقطع متداول صدمة واسعة؛ حيث ظهر اعتداء على أب ونجله باستخدام سلاح ناري (خرطوش) وأسلحة بيضاء، عقب صلاة التراويح بحسب ما ورد في التغطيات، قبل أن تعلن الأجهزة الأمنية ضبط المتهمين وبدء الإجراءات القانونية.
لماذا تُعد هذه الواقعة “أخطر” من غيرها؟
لأنها تمس خطًا أحمر اجتماعيًا:
-
استهداف طفل، بما يحمله من تهديد مباشر لإحساس المجتمع بالأمان.
-
وقوع الاعتداء في نطاق “ما بعد العبادة” مباشرة، ما يزيد أثره الرمزي والوجداني.
-
استخدام سلاح ناري في نزاع محلي، وهو انتقال خطير من العنف الأبيض إلى العنف الناري.
هذه الواقعة تقول إن العنف لم يعد “لحظة غضب” فقط، بل قد يتحول إلى سلوك عدواني منظم حين تتوافر الأدوات وتغيب الرداعة.
كفر الشيخ.. “الحلاقة الأخيرة” ومقتل شاب داخل صالون بسبب 400 جنيه

في كفر الشيخ، تصدر خبر مقتل شاب داخل صالون حلاقة إثر اعتداء عنيف مرتبط بخلاف على مبلغ مالي بسيط (نحو 400 جنيه) موجة غضب وتعاطف واسعة، مع إشارة لتفاصيل الضبط والتحقيقات في أكثر من تغطية.
ما الذي تكشفه هذه الجريمة؟
-
تفاهة الشرارة أمام ضخامة النتيجة: مبلغ صغير يتحول إلى “سبب” لإنهاء حياة.
-
الانتقام أسرع من التسوية: بدلًا من حل النزاع عبر كبار القرية/الصلح، يُستدعى السلاح.
-
المكان الآمن لم يعد آمنًا: صالون حلاقة في قرية يفترض أنه مساحة اجتماعية طبيعية، يتحول إلى مسرح جريمة.
هذه الجرائم لا تُقرأ منفصلة عن واقع اقتصادي وضغوط معيشية قد تؤجج التوتر، لكنها لا تبرر القتل مطلقًا؛ الضغوط تفسير محتمل، وليست عذرًا.
كفر السنابسة – منوف – المنوفية.. خلاف عائلي ينتهي بطعنة قاتلة في الرقبة
في المنوفية، لقي شاب (19 عامًا) مصرعه متأثرًا بطعنة نافذة في الرقبة بعد اعتداء أحد أقاربه (ابن عمته) عليه بسلاح أبيض، وفق ما نشرته منصات إخبارية عن الواقعة وإجراءات الضبط والتحقيق.
“العائلة” حين تتحول إلى ساحة نزاع
الخلافات داخل العائلة ليست جديدة، لكن الخطير هو:
-
تضاؤل مساحة “التهدئة” وغياب منطق الاحتواء.
-
انتقال النزاع من كلام إلى سلاح في دقائق.
-
تحول الروابط الأسرية إلى وقود للخصومة بدل أن تكون شبكة أمان.
وهنا تظهر مفارقة رمضان مرة أخرى: شهر صلة الرحم، تقع فيه جريمة تقطع الرحم نهائيًا.

تحليل مهني جامع.. لماذا تتكرر جرائم العنف في بدايات رمضان؟
لا يوجد سبب واحد، لكن هناك “مزيج” يتكرر في الوقائع الأربع:
1) ضغط الأعصاب لا يخلق الجريمة وحده… لكنه يسرّع الانفجار
تغير إيقاع اليوم، السهر، ضغط العمل، المصروفات… كلها عوامل توتر. لكنها تصبح خطيرة حين تقترن بـ:
-
ضعف مهارات إدارة الغضب.
-
تطبيع حمل السلاح الأبيض/الناري في النزاعات.
2) السلاح حاضر.. والردع الاجتماعي يتراجع
حين يصبح السكين “أقرب” من كلمة العقل، يتحول أي خلاف إلى تهديد وجودي.
الردع لا يعني الشرطة فقط؛ بل يعني أيضًا:
-
تدخل عقلاء العائلة والحي مبكرًا.
-
رفض اجتماعي صريح للتبرير من نوع “كان صائم” أو “اتعصب”.
3) تبريرات خطيرة تُغذي العنف
أخطر ما في هذه الوقائع هو محاولة البعض ربطها بالصيام:
الصيام لا يبرر الاعتداء؛ بل يجرّمه أخلاقيًا أكثر لأنه يفترض تهذيب النفس.
منطق “أنا صائم ومتوتر” إذا تحول إلى شماعة، سيفتح بابًا لتبرير كل شيء.

4) السوشيال ميديا: تكشف الجريمة بسرعة… وقد تعيد إنتاج غضبها
الانتشار السريع للفيديوهات يساعد في سرعة التحرك الأمني أحيانًا، كما حدث في باسوس وواقعة الكمبوند.
لكن في المقابل، قد يضاعف:
-
الغضب الجمعي غير المنضبط.
-
التشهير والشائعات.
لذلك يحتاج الخطاب العام إلى توازن بين المطالبة بالعدالة وعدم الانزلاق إلى التحريض أو معلومات غير مؤكدة.
ما المطلوب؟ حلول واقعية قصيرة وطويلة المدى
إجراءات عاجلة
-
تشديد التعامل مع حمل السلاح الأبيض/الناري في النزاعات اليومية.
-
سرعة الحسم القانوني في الوقائع المتداولة لردع التقليد.
مسار مجتمعي
-
دعم مبادرات الصلح العائلي والوساطة المجتمعية.
-
برامج توعية مدرسية وشبابية عن إدارة الغضب والعواقب القانونية.
خطاب ديني مسؤول
-
إعادة التأكيد في المنابر على معنى الصيام الحقيقي: “كف الأذى”، وحرمة الدم، وأن العبادة لا تنفصل عن السلوك.
العدالة تُنجز بالقانون
أسبوع رمضان الأول في 2026 قدّم إنذارًا قاسيًا: العنف لا يحتاج أسبابًا كبيرة إذا كانت أدواته متاحة وضوابطه غائبة.
لكن الرسالة الأوضح يجب أن تكون: لا صيام يبرئ جريمة، ولا دين يغطي اعتداء.
العدالة تُنجز بالقانون، والوقاية تبدأ من البيت والشارع والمدرسة، ومن قرار فردي بسيط: أن نختار العقل قبل السلاح.


