في لحظة إقليمية مشحونة، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع مسارات السياسة والدبلوماسية، أطلقت طهران واحدة من أشد رسائلها التحذيرية تجاه واشنطن منذ سنوات. رسالة لا تقف عند حدود الردع اللفظي، بل تُعيد تعريف طبيعة أي مواجهة محتملة باعتبارها تهديدًا وجوديًا يستدعي ردًا حاسمًا قد يفتح أبواب حرب شاملة، مختلفة جذريًا عمّا سبقها من جولات توتر أو مواجهات محدودة.
التحذير الإيراني، الذي جاء على لسان مسؤول رفيع المستوى خلال إحاطة مغلقة لوسائل إعلام دولية، لا ينفصل عن مشهد أوسع يشهد إعادة تموضع للقوى، وتغيّرًا في قواعد الاشتباك غير المعلنة، وتراجعًا في مساحات المناورة التقليدية التي كانت تسمح باحتواء الأزمات دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. فهل نحن أمام منعطف جديد في الصراع الأمريكي الإيراني؟ أم مجرد تصعيد محسوب في حرب الرسائل؟
تحذير إيراني صريح: أي هجوم أمريكي «حرب شاملة»
أكد المسؤول الإيراني أن بلاده ستتعامل مع أي هجوم أمريكي مباشر باعتباره انتهاكًا للسيادة ووحدة الأراضي، و«تهديدًا وجوديًا» لا يترك مجالًا للتدرج في الرد. وشدد على أن طهران لا تبحث عن مواجهة عسكرية غير ضرورية، لكنها في الوقت ذاته لن تقبل بسياسة فرض الأمر الواقع أو اختبار حدود الصبر الإيراني.
هذا الخطاب يعكس تحولًا واضحًا من لغة «ضبط النفس» إلى لغة الردع الصريح، في إشارة إلى أن معادلة كلفة التصعيد لم تعد كما كانت، وأن أي ضربة – مهما كانت طبيعتها – ستُقابل برد واسع النطاق، لا يقتصر على ردود موضعية أو محسوبة.

إسرائيل في قلب المعادلة: الرد على المعتدي دون تردد
وحين طُرح السؤال حول احتمال أن تكون إسرائيل هي الطرف المنفذ لأي هجوم بدلًا من الولايات المتحدة، جاء الرد الإيراني قاطعًا: «لن نتردد ولو للحظة في الرد على المعتدي». هذه العبارة تختصر رؤية إيرانية ترى في أي عمل عسكري، سواء نُفّذ مباشرة من واشنطن أو عبر حلفائها، جزءًا من منظومة تهديد واحدة.
هذا الموقف يُعيد التأكيد على أن طهران لا تفصل بين الفاعلين في ساحة الصراع، وأنها تعتبر أي ضربة موجهة إليها امتدادًا لاستراتيجية معادية مشتركة، ما يرفع مستوى المخاطر ويزيد احتمالات التوسع الإقليمي لأي مواجهة.
مقارنة بحرب الأيام الاثني عشر: اختلاف جذري في طبيعة التهديد
استحضر المسؤول الإيراني تجربة حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران الماضي، موضحًا أن طهران آنذاك لم تعتبر ما جرى تهديدًا وجوديًا، وتعاملت مع التطورات بمنطق التهدئة وضبط النفس، حتى في ذروة التصعيد.
لكن «التهديد الحالي مختلف تمامًا»، بحسب تعبيره، ما يعني أن إيران ترى تغيرًا نوعيًا في طبيعة السيناريوهات المطروحة، سواء من حيث الأهداف المحتملة أو مستوى الانخراط العسكري. هذا التوصيف يلمّح إلى أن خطوطًا حمراء جديدة قد رُسمت، وأن تجاوزها سيؤدي إلى ردود غير مسبوقة.
قنوات الاتصال السرية: دبلوماسية تحت الضغط
رغم لهجة التحذير الحادة، كشف المسؤول الإيراني عن استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة مع الجانب الأمريكي، مؤكدًا وجود تواصل بين وزير الخارجية الإيراني والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف. وتشمل النقاشات، بحسب التصريحات، سبل إحياء المحادثات حول الملف النووي.
غير أن طهران شددت في الوقت ذاته على أنها لا ترغب في الدخول في مفاوضات محكوم عليها بالفشل، يمكن استخدامها لاحقًا كغطاء سياسي لتبرير حرب جديدة. هذا التناقض الظاهري بين التصعيد العسكري والانفتاح الدبلوماسي يعكس استراتيجية مزدوجة: إبقاء باب السياسة مواربًا، مع رفع سقف الردع إلى أقصى حد.
أبعاد إقليمية ودولية: من الخليج إلى الساحة العالمية
أي تصعيد عسكري بين إيران والولايات المتحدة لن يبقى محصورًا بين الطرفين. فالمنطقة بأكملها، من الخليج إلى شرق المتوسط، تقف على خطوط تماس قد تشتعل في حال اندلاع مواجهة واسعة. كما أن الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة تحديدًا، سيكونان أول المتأثرين بأي اضطراب في ممرات الشحن أو إمدادات النفط.
دوليًا، يأتي هذا التصعيد في ظل انشغال القوى الكبرى بأزمات متزامنة، ما يقلص فرص الوساطة السريعة ويزيد احتمالات سوء التقدير. وفي هذا السياق، يبدو التحذير الإيراني بمثابة رسالة موجهة ليس فقط إلى واشنطن، بل إلى المجتمع الدولي بأسره، مفادها أن كلفة المغامرة العسكرية ستكون باهظة وغير قابلة للاحتواء.
قراءة تحليلية: ردع أم تمهيد لمرحلة أخطر؟
يطرح الخطاب الإيراني تساؤلًا جوهريًا: هل نحن أمام ردع استباقي يهدف إلى منع أي هجوم محتمل؟ أم أن المنطقة تقترب بالفعل من مرحلة أكثر خطورة، حيث تصبح الحسابات العسكرية أقرب إلى الواقع منها إلى التهديدات النظرية؟
المرجح أن طهران تسعى إلى إعادة ضبط ميزان الردع، عبر رفع كلفة أي قرار بالتصعيد إلى مستوى يجعل التفكير فيه غير عقلاني. لكن في المقابل، فإن تضييق هامش الخطأ وزيادة حدة الخطاب قد يفتحان الباب أمام سوء تقدير أو حادث غير محسوب، يشعل فتيل مواجهة أوسع مما يريد أي طرف.
العلاقات الأمريكية الإيرانية عند مفترق طرق بالغ الحساسية.
بين التحذير الصريح والرسائل الدبلوماسية المشروطة، تقف العلاقات الأمريكية الإيرانية عند مفترق طرق بالغ الحساسية. فإيران، التي تعلن استعدادها للرد الحاسم واعتبار أي هجوم حربًا شاملة، ترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع، أقل قابلية للاحتواء وأكثر عرضة للانفجار. وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح لغة الردع في منع الحرب، أم أننا نقترب خطوة إضافية نحو مواجهة قد تعيد تشكيل المنطقة بأسرها؟


