الاثنين، ١٢ يناير ٢٠٢٦ في ١٢:١٩ م

تكرار هجوم ترامب على الصحافة يعيد الجدل حول حرية الإعلام في أمريكا

لم يعد هجوم دونالد ترامب على الصحافة حدثًا استثنائيًا في المشهد السياسي الأمريكي، بل تحوّل إلى نمط متكرر يطل برأسه مع كل مواجهة إعلامية تقريبًا. أحدث هذه الوقائع جاء خلال جلسة إعلامية على متن الطائرة الرئاسية، عندما هاجم ترامب مراسلة بعد سؤال حول إيران، واصفًا إياه بـ«الغبي»، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في السياسة الأمريكية المعاصرة: العلاقة المتوترة بين ترامب والصحفيين، وحدود الخطاب السياسي تجاه الإعلام.

هذا التقرير يرصد الواقعة الأخيرة، ويضعها في سياقها الأوسع، محللًا كيف يتعامل المجتمع الأمريكي ومؤسساته الإعلامية مع هذا السلوك المتكرر، وما إذا كان يُنظر إليه كجزء من شخصية ترامب أم كتهديد مباشر لقيم حرية الصحافة.


الواقعة الأخيرة: هجوم جديد على متن الطائرة الرئاسية

خلال حديثه مع الصحفيين، سُئل ترامب عمّا إذا كان يعتقد أن إيران تأخذ تهديداته على محمل الجد. ردّه لم يذهب مباشرة إلى جوهر السؤال، بل انصرف إلى مهاجمة مصدره، مشيرًا بسخرية إلى أن السؤال صادر عن مراسلة CNN.

وقال ترامب بأسلوب تهكمي:

«أعتقد ذلك، أليس كذلك، CNN؟»

ثم أعاد السؤال بصيغة ساخرة، قبل أن يطلق عبارته الشهيرة:

«يا له من سؤال غبي».

                 


استعراض القوة بدل الإجابة

بدل تقديم رد سياسي مباشر، استعرض ترامب قائمة من العمليات العسكرية الأمريكية السابقة، من بينها:

  • اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني عام 2020

  • الضربة الجوية التي أودت بحياة زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي في سوريا عام 2019

  • العملية التي قال إنها انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو

ثم عاد ليسخر مجددًا من السؤال، معتبرًا أن هذه الوقائع وحدها كافية لإثبات أن تهديداته «مأخوذة على محمل الجد».


سجل طويل من الهجمات على الصحفيين

الواقعة الأخيرة ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواجهات بين ترامب والصحافة الأمريكية، خصوصًا الصحفيات.

هجمات متكررة على مراسلات بارزات

خلال الأشهر والسنوات الماضية، شن ترامب هجمات لفظية مباشرة على عدد من الصحفيات، من بينهن:

  • مراسلة CNN كايتلان كولينز، التي وصفها مرارًا بأنها «غبية وحقيرة» عبر منصته «تروث سوشيال»، مع تعمد كتابة اسمها بشكل خاطئ.

  • مراسلة CBS نانسي كورديس، التي خاطبها خلال مؤتمر صحفي قائلًا: «هل أنتِ غبية؟».

  • صحفية نيويورك تايمز كاتي روجرز، التي وصفها بأنها «قبيحة» عقب تقرير عن جدول أعماله.

  • مراسلة ABC ABC News ماري بروس، واصفًا سؤالها بأنه «فظيع وتمردي وسيئ جدًا».

  • صحفية بلومبيرغ Bloomberg كاثرين لوسي، التي خاطبها بعبارة مهينة: «اهدئي، يا خنزيرة!».


لماذا يهاجم ترامب الصحافة؟

استراتيجية سياسية محسوبة

يرى محللون أن هجمات ترامب على الإعلام ليست انفعالية فقط، بل جزء من استراتيجية سياسية تهدف إلى:

  • تصوير الصحافة كخصم سياسي

  • تعزيز صورته كزعيم «يتحدى المؤسسة»

  • مخاطبة قاعدته الشعبية التي تشكك في الإعلام التقليدي

لغة الصدام بدل الرسائل

يعتمد ترامب على الصدام اللفظي لجذب الانتباه وتحويل النقاش من مضمون الأسئلة إلى شخص الصحفي نفسه، وهو ما ينجح غالبًا في تصدر العناوين.

 


كيف يتعامل المجتمع الأمريكي مع هذه الوقائع؟

انقسام واضح

ينقسم المجتمع الأمريكي حيال هذه السلوكيات:

  • مؤيدو ترامب يرون أن الصحافة «متحيزة» وتستحق الرد القاسي

  • المدافعون عن حرية الإعلام يعتبرون هذه الهجمات تهديدًا مباشرًا للديمقراطية

موقف المؤسسات الإعلامية

ترد المؤسسات الصحفية عادة عبر:

  • بيانات إدانة رسمية

  • التضامن المهني مع الصحفيين المستهدفين

  • مواصلة التغطية دون تغيير نبرة النقد


حرية الصحافة على المحك

تثير هذه الوقائع تساؤلات أعمق حول:

  • حدود الخطاب السياسي تجاه الإعلام

  • تأثير التنمر اللفظي على سلامة الصحفيين

  • ترسيخ ثقافة التشكيك في الصحافة كمؤسسة

ويرى خبراء أن تكرار هذا السلوك، خاصة من شخصية بحجم رئيس سابق أو مرشح محتمل، قد يخلق مناخًا عدائيًا يؤثر سلبًا على حرية العمل الصحفي.


المواجهه مع الصحافة

الهجوم الأخير لدونالد ترامب على مراسلة ليس حادثة معزولة، بل امتداد لنهج طويل قائم على المواجهة مع الصحافة، خاصة الصحفيات. وبين من يراه أسلوبًا شعبويًا ناجحًا، ومن يعتبره خطرًا على القيم الديمقراطية، يبقى السؤال مطروحًا داخل المجتمع الأمريكي:
هل يتحمل الإعلام هذا النوع من الخطاب بوصفه جزءًا من اللعبة السياسية، أم أن الوقت قد حان لوضع حدود واضحة تحمي الصحافة من الإهانة والتجريح؟