شهد الجهاز المصري للملكية الفكرية، برئاسة الدكتور هشام عزمي، اجتماعًا ثنائيًا رفيع المستوى مع وفد الإدارة الوطنية الصينية للملكية الفكرية، برئاسة السيد هو وينهوي، نائب المفوض، وذلك بمقر الجهاز في القاهرة، أمس الثلاثاء الموافق 12 مايو 2026.
ويأتي هذا اللقاء في توقيت تزداد فيه أهمية الملكية الفكرية كأحد أعمدة الاقتصاد الحديث، بعدما أصبحت براءات الاختراع والعلامات التجارية والأصول الفكرية عنصرًا رئيسيًا في جذب الاستثمار، ودعم الصناعة، وتشجيع الابتكار، وتعظيم القيمة الاقتصادية للمعرفة والتكنولوجيا.
الاجتماع لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي بين مؤسستين حكوميتين، بل حمل في تفاصيله ملامح شراكة أوسع تستهدف تطوير منظومة الملكية الفكرية في مصر، والاستفادة من الخبرات الصينية المتقدمة في إدارة الملفات الفنية والمؤسسية، خاصة في ظل الطفرة العالمية المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الحديثة.
محاور الاجتماع.. من فحص البراءات إلى تسويق الأصول الفكرية
ناقش الجانبان المصري والصيني عددًا من المحاور الرئيسية التي تعكس طبيعة المرحلة الجديدة في التعاون بين البلدين، وفي مقدمتها استعراض آخر التطورات المؤسسية داخل جهتي الملكية الفكرية في مصر والصين، إلى جانب بحث آليات تسويق واستثمار حقوق الملكية الفكرية، باعتبارها أصولًا اقتصادية قادرة على دعم التنمية والصناعة والبحث العلمي.
كما تطرق الاجتماع إلى ملف بالغ الأهمية، وهو فحص البراءات المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، في ظل ما يشهده العالم من نمو سريع في طلبات البراءات الخاصة بالخوارزميات، والنماذج الذكية، والتطبيقات التكنولوجية المتقدمة، وهي مجالات تحتاج إلى خبرات فنية دقيقة ومعايير فحص متطورة.
وشملت المناقشات أيضًا برامج تدريب وتأهيل فاحصي البراءات، وسبل تطوير القدرات الفنية داخل الجهاز المصري للملكية الفكرية، فضلًا عن بحث مسارات التعاون الثنائي خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن انتقال العلاقة من مستوى التنسيق العام إلى مستوى الشراكة العملية المنظمة.
هشام عزمي: التعاون مع الصين يعزز بناء القدرات ونقل التكنولوجيا
أكد الدكتور هشام عزمي، رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية، أهمية التعاون مع الجانب الصيني، خاصة في ظل التطور الكبير الذي تشهده منظومة الملكية الفكرية عالميًا، وما تفرضه التحولات التكنولوجية من ضرورة تطوير أدوات العمل المؤسسي والفني.
وأشار عزمي إلى حرص الجهاز على الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في مجالات بناء القدرات، ونقل التكنولوجيا، وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من الأصول الفكرية، بما يدعم توجه الدولة نحو تعزيز الابتكار وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية وتنموية ملموسة.
ويعكس هذا التوجه رغبة مصر في بناء منظومة ملكية فكرية أكثر قدرة على مواكبة التطورات العالمية، ليس فقط من خلال حماية الحقوق، ولكن أيضًا عبر توظيفها في دعم الاستثمار وريادة الأعمال والصناعات القائمة على المعرفة.

تحديث مذكرة التفاهم بين مصر والصين
من أبرز الملفات التي شهدها الاجتماع مناقشة تحديث مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، بما يتواكب مع التطورات المؤسسية الحالية داخل الجهاز المصري للملكية الفكرية والإدارة الوطنية الصينية للملكية الفكرية.
واتفق الطرفان على الانتهاء من الصيغة المحدثة للمذكرة، تمهيدًا لتوقيعها في أقرب وقت، بما يعزز آفاق التعاون المشترك في مختلف مجالات الملكية الفكرية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تمثل إطارًا مؤسسيًا منظمًا للتعاون المستقبلي، وتفتح الباب أمام برامج تدريبية وفنية ومشروعات مشتركة في مجالات الفحص، والتسجيل، والتوعية، وتسويق الحقوق، والاستفادة من الخبرات الصينية في إدارة منظومة الملكية الفكرية على نطاق واسع.
تدريب فاحصي البراءات.. أولوية في التعاون المقبل
خصص الاجتماع جانبًا مهمًا لمناقشة تدريب الكوادر الفنية وفاحصي البراءات، حيث أعرب الوفد الصيني عن استعداده لتنظيم برامج تدريبية متخصصة لصالح كوادر الجهاز المصري للملكية الفكرية.
وتشمل هذه البرامج إمكانية استضافة مسؤولين وفاحصين مصريين في الصين، بما يتيح لهم الاطلاع المباشر على التجربة الصينية في فحص البراءات وإدارة الملفات الفنية، إلى جانب إمكانية إيفاد خبراء صينيين إلى مصر لتنفيذ برامج تدريبية متقدمة داخل الجهاز.
وتعد هذه الخطوة مهمة للغاية في ظل التحديات الجديدة التي تواجه مكاتب البراءات حول العالم، خاصة مع تصاعد الطلبات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة الجديدة، والتصنيع المتقدم، وهي مجالات تحتاج إلى فاحصين يمتلكون تأهيلًا فنيًا وقانونيًا عاليًا.
تسويق الملكية الفكرية وتحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية
لم يقتصر الاجتماع على الجوانب القانونية والفنية، بل امتد إلى بحث ملف تسويق الملكية الفكرية والاستفادة من التكنولوجيا والابتكار، وهو ملف أصبح محوريًا في اقتصاديات الدول الحديثة.
فالملكية الفكرية لم تعد مجرد أداة لحماية المخترعين والمبدعين، بل أصبحت وسيلة لجذب التمويل، وتحفيز الشركات الناشئة، ونقل التكنولوجيا من الجامعات ومراكز البحث إلى السوق، وتعزيز تنافسية المنتجات والخدمات.
ومن هنا، فإن تبادل الخبرات مع الجانب الصيني في هذا المجال يمكن أن يساهم في تطوير آليات مصرية أكثر فاعلية لاستثمار الأصول الفكرية، وربط الابتكار بالقطاع الصناعي، ودعم جهود التنمية المستدامة.

برنامج الفحص المعجل للبراءات PPH
تناول الاجتماع كذلك برنامج التعاون التجريبي للفحص المعجل للبراءات، المعروف اختصارًا باسم PPH، بين الجانبين المصري والصيني.
ويعد هذا البرنامج من الآليات المهمة التي تساعد على تسريع إجراءات فحص طلبات البراءات، من خلال الاستفادة من نتائج الفحص المتبادلة بين مكاتب الملكية الفكرية، بما يقلل الوقت والجهد، ويمنح المخترعين والشركات مسارًا أسرع للحصول على الحماية القانونية لاختراعاتهم.
كما ناقش الجانبان أفضل الممارسات الدولية في فحص طلبات البراءات، خاصة تلك المتعلقة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الحديثة، وهي قضية باتت تشغل مكاتب الملكية الفكرية عالميًا، بسبب تعقيد طبيعة الابتكارات الجديدة وتداخلها بين البرمجيات والبيانات والأنظمة الذكية.
الحضور المصري في الاجتماع
حضر الاجتماع من الجانب المصري عدد من قيادات الجهاز المصري للملكية الفكرية، وهم:
الدكتورة منى يحيى، نائب رئيس الجهاز، والمستشار شادي الوكيل، المستشار القانوني للجهاز، والدكتورة نرمين المليجي، قائم بأعمال الإدارة المركزية لخدمات الملكية الفكرية والتنمية بالجهاز، والدكتورة إيمان صالح، قائم بأعمال الإدارة المركزية لعمليات الملكية الفكرية بالجهاز.
كما حضر الدكتور أحمد حسام الصغير، مساعد رئيس الجهاز لشؤون الملكية الفكرية والتنمية، والدكتورة فاطمة سمير، قائم بأعمال الإدارة العامة لمركز التميز للملكية الفكرية بالجهاز، والدكتورة منة الله الكتامي، قائم بأعمال إدارة الصحة العامة بالجهاز.
ويعكس هذا الحضور الموسع اهتمام الجهاز بمختلف محاور التعاون، سواء القانونية أو الفنية أو المؤسسية أو التدريبية، بما يضمن تحويل نتائج الاجتماع إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.
الوفد الصيني المشارك
ضم الوفد الصيني عددًا من المسؤولين المتخصصين في مجالات استخدام الملكية الفكرية، وفحص البراءات، والتعاون الدولي، والتعليم والتدريب.
وشارك في الوفد كل من السيدة هان أيبنج، المدير العام لإدارة تعزيز استخدام الملكية الفكرية، والسيد تشاو ييلي، نائب المدير العام لإدارة فحص البراءات بمكتب البراءات، والسيد يانج تشنغروي، مدير إدارة التعاون الدولي.
كما ضم الوفد السيدة فو جيان، مدير إدارة شؤون الأفراد والتعليم بمكتب البراءات، والسيدة شينغ هانيو، مستشار بدرجة نائب مدير بإدارة التعاون الدولي.
ويشير تنوع تشكيل الوفد الصيني إلى أن اللقاء لم يكن مقتصرًا على ملف واحد، بل شمل أبعادًا متعددة ترتبط بالاستخدام الاقتصادي للملكية الفكرية، والتدريب، والفحص الفني، والتعاون المؤسسي الدولي.
دلالة اللقاء في مسار العلاقات المصرية الصينية
يأتي هذا الاجتماع في إطار العلاقات المتنامية بين مصر والصين، وحرص الجهاز المصري للملكية الفكرية على توسيع آفاق التعاون الدولي وبناء شراكات فعالة مع المؤسسات الدولية المعنية بالملكية الفكرية.
وتكتسب الشراكة مع الصين أهمية خاصة، نظرًا لما تمتلكه بكين من تجربة واسعة في إدارة منظومة ضخمة للملكية الفكرية، مرتبطة بتوسع صناعي وتكنولوجي كبير، وارتفاع معدلات الابتكار وتسجيل البراءات والعلامات التجارية.
وبالنسبة لمصر، فإن تطوير منظومة الملكية الفكرية يمثل خطوة ضرورية لدعم بيئة الاستثمار، وتشجيع البحث العلمي، وحماية الإبداع، وتحويل الأفكار والاختراعات إلى مشروعات ومنتجات وخدمات قابلة للنمو والمنافسة.
الملكية الفكرية بوابة لتعزيز الابتكار والتنمية المستدامة
يعكس اللقاء المصري الصيني إدراكًا متزايدًا بأن الملكية الفكرية لم تعد ملفًا قانونيًا تقليديًا، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة التنمية المستدامة، خصوصًا مع ارتباطها المباشر بالابتكار، والصناعة، والتكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي.
ومن خلال تطوير التعاون مع الجانب الصيني، يمكن للجهاز المصري للملكية الفكرية أن يعزز قدراته في مجالات الفحص الفني، وتدريب الكوادر، وتسويق الحقوق، ودعم الشركات والمبتكرين، بما ينعكس على بيئة الابتكار في مصر خلال السنوات المقبلة.
وفي ظل توجه الدولة نحو تعظيم دور المعرفة في الاقتصاد، تبدو مثل هذه اللقاءات خطوة مهمة نحو بناء منظومة ملكية فكرية أكثر كفاءة وحداثة، قادرة على حماية الإبداع من جهة، وتحويله إلى قوة اقتصادية من جهة أخرى.
محطة مهمة في مسار التعاون بين مصر والصين
يمثل اجتماع الجهاز المصري للملكية الفكرية مع وفد الإدارة الوطنية الصينية للملكية الفكرية محطة مهمة في مسار التعاون بين مصر والصين، خاصة أنه جمع بين البعد المؤسسي والفني والاقتصادي في ملف بالغ الأهمية لمستقبل الابتكار.
ومن تحديث مذكرة التفاهم، إلى تدريب فاحصي البراءات، مرورًا ببرنامج الفحص المعجل وتسويق حقوق الملكية الفكرية، تبدو مخرجات اللقاء مرشحة لأن تفتح مرحلة أكثر عمقًا من التعاون بين البلدين، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة، ويدعم الاقتصاد القائم على المعرفة، ويعزز قدرة مصر على الاستفادة من أصولها الفكرية والتكنولوجية.


