لم يصمد الهدوء الهش طويلًا في الغرب الليبي، إذ عادت الاشتباكات المسلحة لتفرض نفسها على المشهد الأمني، كاشفة عن صراع نفوذ أعمق من مجرد خلافات محلية، ومؤذنة بمرحلة أكثر تعقيدًا في مدينة تعج بالسلاح والتجاذبات السياسية.
ماذا يحدث في مدينة الزاوية؟
فجر السبت، شهدت منطقة السيدة زينب في مدينة الزاوية غرب ليبيا تصعيدًا أمنيًا خطيرًا، بعد تجدد الاشتباكات بين مليشيات مسلحة متنازعة، عقب وصول تعزيزات عسكرية جديدة دعماً لأطراف الصراع.
ووفق مصادر محلية، اندلعت المواجهات داخل أحياء سكنية مكتظة، استخدمت خلالها الأسلحة المتوسطة والثقيلة، ما رفع منسوب القلق بشأن سلامة المدنيين واتساع رقعة الاشتباكات خلال الساعات المقبلة.
خريطة المليشيات المتصارعة
بحسب المعلومات المتداولة ميدانيًا، انخرطت مليشيات «القصب» إلى جانب مليشيات «المرتاح»، في مواجهة مليشيات «الفار» الداعمة لمليشيات «أبوزريبة».
وتشير المصادر إلى أن مليشيات «أبوزريبة» تضم تشكيلات متعددة الولاءات، يُعتقد أنها ترتبط بحكومة «الوحدة الوطنية» منتهية الولاية في طرابلس، ما يمنح الاشتباكات بعدًا سياسيًا يتجاوز الإطار المحلي.
تحذيرات إنسانية عاجلة
في ظل التدهور السريع للأوضاع، أصدر الهلال الأحمر الليبي – فرع الزاوية تحذيرات عاجلة لسكان منطقة السيدة زينب، داعيًا الأهالي إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، والابتعاد عن النوافذ ومناطق الاشتباكات.
كما طالب الهلال الأحمر بوقف فوري لإطلاق النار، وفتح ممرات آمنة تتيح لفرق الطوارئ إجلاء العائلات العالقة داخل مناطق الخطر، في ظل صعوبة الوصول الإنساني إلى الأحياء المتضررة.
لماذا الآن؟ صراع نفوذ بلا شرارة واضحة
لا تبدو هناك حادثة مباشرة أو شرارة واضحة فجّرت هذا التصعيد، إلا أن حجم التحشيد العسكري والاستعراض بالقوة يشير إلى أن الاشتباكات تعكس صراعًا أوسع على النفوذ والسيطرة داخل المدينة.
ويرجح مصدر مطلع أن تكون حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى في الزاوية، على غرار عمليات أمنية سابقة شهدتها العاصمة طرابلس، استهدفت تفكيك مليشيات معارضة خلال العام الماضي.
وتشير المعطيات إلى أن مليشيات «المرتاح» تتمتع بعلاقات قوية مع قيادات عسكرية داخل الحكومة، في حين تُعرف مليشيات «أبوزريبة» بمواقفها المعارضة وارتباطاتها بتيارات سياسية منافسة.
فوضى السلاح.. خطر مزمن يهدد الاستقرار
منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تعيش ليبيا حالة من الانقسام الأمني وانتشار السلاح خارج سيطرة الدولة، إذ تقدّر مصادر غير رسمية عدد قطع السلاح المتداولة بأكثر من 29 مليون قطعة.
وتُعد مدينة الزاوية واحدة من أبرز بؤر هذه الفوضى، خاصة مع وجود مصفاة الزاوية النفطية، التي تمثل هدفًا استراتيجيًا حساسًا، وتظل عرضة لمخاطر أي تصعيد مسلح أو صراع نفوذ طويل الأمد.
ماذا بعد؟ سيناريوهات مفتوحة
في ظل غياب سلطة أمنية موحدة، واستمرار تداخل السياسي بالعسكري، تبدو الأوضاع في غرب ليبيا مرشحة لمزيد من التصعيد، ما لم تُفرض تهدئة حقيقية تضع حدًا لصراع المليشيات.
فهل تنجح جهود الوساطة والضغط المحلي في احتواء الموقف، أم تتحول الزاوية إلى ساحة صراع أوسع يعيد خلط أوراق النفوذ في الغرب الليبي؟


