السبت، ٢ مايو ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٤ م

ترامب يوقف حرب إيران.. كواليس القرار وصفقات الظل وسؤال الخليج الصعب

قرار ترامب بوقف الحرب مع إيران.. نهاية معركة أم بداية مساومة كبرى؟

الغموض اصاب السياسة الامريكية منذ بداية الحرب على ايران  وتركت امريكا العنان للمحللين  لرصد الاحداث وسط حرب تصريحات تفوقت على اصوات المدافع في الميدان  واستمرار لهذا المنحى قرر ترامب  بل وأعلم الكونجرس الامريكي بوقف الحرب   ...فلم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الأعمال القتالية مع إيران قد “انتهت” مجرد جملة سياسية عابرة، بل بدا كأنه محاولة لإغلاق فصل عسكري ساخن وفتح فصل أكثر تعقيدًا من الضغط الاقتصادي والتفاوض غير المباشر. ففي رسالة وجهها ترامب إلى قادة الكونجرس، أكد أن الأعمال القتالية ضد إيران توقفت، مستندًا إلى وقف إطلاق النار الذي بدأ في أبريل، ومعتبرًا أن مهلة الستين يومًا الخاصة بقانون صلاحيات الحرب لم تعد تنطبق على الوضع الحالي. لكن هذه الصيغة فتحت جدلًا واسعًا في واشنطن، لأن القوات الأمريكية لا تزال منتشرة في المنطقة، ولأن الحصار البحري والضغط على إيران مستمران بطرق أخرى.

اللافت أن قرار ترامب لم يأتِ في لحظة انتصار صافٍ، ولا في لحظة هزيمة واضحة، بل في منطقة رمادية: لا حرب شاملة، ولا سلام كامل. الولايات المتحدة وإسرائيل وجهتا ضربات قاسية لإيران، لكن طهران احتفظت بأوراق ضغط خطيرة، أبرزها مضيق هرمز، وأسواق الطاقة، وقدرتها على إرباك حلفاء واشنطن في الخليج. لذلك يمكن قراءة قرار وقف الحرب باعتباره “فرملة اضطرارية” أكثر من كونه نهاية سياسية محسومة.

كواليس القرار.. لماذا تراجع ترامب عن التصعيد؟

الكواليس التي يمكن رصدها من التقارير الأمريكية والغربية تشير إلى أن إدارة ترامب وجدت نفسها أمام معادلة صعبة: الاستمرار في الحرب قد يعني ارتفاعًا أكبر في أسعار الطاقة، وتهديدًا مباشرًا للملاحة في الخليج، واستنزافًا سياسيًا داخليًا بسبب غياب تفويض واضح من الكونجرس. في المقابل، وقف الحرب دون اتفاق نووي أو أمني شامل قد يظهر وكأنه تراجع أمام إيران.

لهذا اختار ترامب طريقًا ثالثًا: إعلان انتهاء الأعمال القتالية، مع إبقاء أدوات الضغط قائمة. فبحسب تقارير أمريكية، تسعى الإدارة إلى استخدام الحصار والضغط الاقتصادي لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في الملف النووي، بدل العودة الفورية إلى الضربات الجوية.

بمعنى آخر، ترامب لم يوقف الحرب ليمنح إيران انتصارًا، لكنه أوقف الضربات كي لا تتحول الحرب إلى مستنقع مفتوح. وهذا هو جوهر القرار: الخروج من دائرة النار، دون الخروج من دائرة الصراع.

مضيق هرمز.. الورقة التي غيّرت حسابات واشنطن

في قلب القرار يقف مضيق هرمز، الشريان الأخطر في معادلة النفط والغاز العالمية. فالتوتر في المضيق لم يكن مجرد تهديد إيراني نظري، بل تحول إلى أداة ضغط حقيقية على الأسواق وعلى حلفاء واشنطن في الخليج. وقد حذرت الولايات المتحدة شركات الشحن من دفع أموال لإيران مقابل العبور الآمن في المضيق، مؤكدة أن مثل هذه المدفوعات قد تعرض الشركات لعقوبات.

هنا أدركت واشنطن أن استمرار الحرب لا يضغط على إيران وحدها، بل يضغط أيضًا على الاقتصاد العالمي وعلى دول الخليج التي تعتمد على استقرار الممرات البحرية. وكلما طال أمد الأزمة، زادت كلفة التأمين والشحن والطاقة، وارتفع ثمن المغامرة العسكرية على الجميع.

لذلك كان وقف الحرب، أو على الأقل تجميدها، ضرورة اقتصادية بقدر ما هو قرار عسكري. فترامب الذي يحب تقديم نفسه كرئيس صفقات لا يريد حربًا ترفع الأسعار وتضرب الناخب الأمريكي في البنزين والتضخم، ولا يريد أيضًا أن يظهر كمن ترك إيران تغلق باب الخليج في وجه العالم.

هل حقق ترامب أهدافه؟

الإجابة المعقدة: حقق بعضها، وفشل في بعضها الآخر.

من ناحية، استطاعت واشنطن أن توجه ضربات عسكرية وتعلن أنها أضعفت القدرات الإيرانية، كما نجحت في حشد ضغط دولي واسع حول المضيق والبرنامج النووي. لكن من ناحية أخرى، لم تنتزع حتى الآن اتفاقًا شاملًا من طهران، ولم تنه قدرة إيران على استخدام الجغرافيا كسلاح سياسي واقتصادي. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الأزمة قد تترك ترامب في وضع أسوأ مما كان علىه قبل الحرب، إذا تحولت إلى “صراع مجمّد” بلا حسم وبلا اتفاق.

وهذا هو الخطر الأكبر: أن يعلن ترامب نهاية الحرب، بينما تبقى أسبابها قائمة. فلا الملف النووي أُغلق، ولا مضيق هرمز عاد إلى طبيعته الكاملة، ولا حلفاء الخليج شعروا بأن مظلة الأمن الأمريكية أصبحت أكثر وضوحًا.

صفقات الظل.. السلاح أولًا والسياسة لاحقًا

عندما نتحدث عن “صفقات الظل”، يجب التفريق بين أمرين: صفقات موثقة ومعلنة، وحسابات سياسية غير معلنة يمكن تحليلها من سياق الأحداث. الصفقة الأوضح حتى الآن هي تسريع واشنطن مبيعات عسكرية ضخمة لحلفاء في الشرق الأوسط، بقيمة تتجاوز 8.6 مليار دولار، شملت إسرائيل وقطر والكويت والإمارات، مع تجاوز المراجعة التقليدية في الكونجرس بحجة الظروف الطارئة المرتبطة بالصراع مع إيران.

هذه الصفقات تقول الكثير. فهي تكشف أن واشنطن لا تنوي الانسحاب من أمن الخليج، لكنها تريد تحويل الخوف من إيران إلى عقود دفاعية ضخمة، وأن تجعل الحلفاء يدفعون أكثر مقابل الحماية والقدرات الدفاعية. وهنا تظهر معادلة ترامب التقليدية: لا حماية مجانية، ولا تحالف بلا فاتورة.

الأسلحة التي شملتها الصفقات ترتبط بالدفاع الجوي والصاروخي ومنظومات القيادة والسيطرة والذخائر الدقيقة، وهي كلها أدوات تتناسب مع طبيعة الخطر الإيراني: صواريخ، مسيرات، هجمات بحرية، وضربات على منشآت الطاقة. وبالتالي فإن وقف الحرب لا يعني وقف سباق التسلح، بل ربما يعني العكس: تهدئة عسكرية مؤقتة تفتح بابًا أوسع للتسليح.

ماذا يدور خلف الستار؟

خلف الستار، تبدو هناك أربع مساومات كبرى:

الأولى هي مساومة النووي: واشنطن تريد اتفاقًا يقيّد البرنامج النووي الإيراني، بينما تحاول طهران ربط أي تنازل برفع العقوبات أو تخفيفها.

الثانية هي مساومة المضيق: إيران تريد تحويل أمن الملاحة إلى ورقة تفاوض، والولايات المتحدة تريد انتزاع ضمانات بعدم استخدام هرمز كسلاح.

الثالثة هي مساومة الخليج: دول الخليج تريد ضمانات أمنية أمريكية أقوى، لكنها لا تريد أن تتحول أراضيها إلى مسرح انتقام إيراني دائم.

الرابعة هي مساومة السلاح: واشنطن تعرض الحماية والتكنولوجيا والأنظمة الدفاعية، مقابل عقود ضخمة واصطفاف سياسي أوضح.

هذه ليست “مؤامرة” بالمعنى الساذج، لكنها سياسة مصالح صلبة. في الشرق الأوسط، الهدنة لا تعني نهاية الصفقات، بل غالبًا تعني بدايتها.

هل تخلت أمريكا عن حلفائها في الخليج؟

الإجابة المختصرة: لم تتخلَّ عنهم بالكامل، لكنها لم تعد تمنحهم ضمانًا مطلقًا بلا ثمن.

الولايات المتحدة لم تغادر الخليج، ولم توقف الدعم العسكري، بل على العكس مررت صفقات سلاح كبيرة لحلفاء إقليميين. لكنها في الوقت نفسه أظهرت أن قرار الحرب والسلم سيبقى أمريكيًا أولًا، حتى لو دفعت دول الخليج جزءًا كبيرًا من الثمن الأمني والاقتصادي.

وهنا يشعر بعض الحلفاء بالقلق: واشنطن قد تضرب إيران، ثم توقف الحرب، ثم تترك دول الخليج أمام تبعات الردود الإيرانية أو اضطراب الملاحة أو ارتفاع كلفة الدفاع. وهذا لا يعني “خيانة” مباشرة، لكنه يعني أن الخليج أمام حقيقة قديمة جديدة: أمريكا تحمي مصالحها أولًا، ثم تأتي مصالح الحلفاء ضمن هذه الدائرة، لا فوقها.

الخليج بين الحماية الأمريكية والخوف من الفاتورة

دول الخليج لا تريد حربًا شاملة مع إيران، لأنها تعرف أن الجغرافيا تجعلها في مرمى النيران قبل واشنطن. المنشآت النفطية، الموانئ، المطارات، المدن الاقتصادية، وممرات الطاقة كلها أهداف حساسة في أي مواجهة. وقد أشارت تحليلات إلى أن الحرب رفعت كلفة الأمن على حلفاء واشنطن الخليجيين، وأضرت بصورة المنطقة كواحة استقرار اقتصادي.

لهذا فإن كثيرًا من العواصم الخليجية قد تكون رحبت بوقف الحرب، لكنها لا تثق تمامًا في أن الهدنة ستصمد. فالخطر لم ينتهِ، بل انتقل من السماء إلى البحر، ومن الصواريخ إلى المفاوضات، ومن ساحات القتال إلى غرف الصفقات.

إسرائيل في المعادلة.. هل ربحت أم خسرت؟

إسرائيل تبدو في موقع معقد. من ناحية، حصلت على دعم عسكري أمريكي واضح، وشاركت في ضربات هدفت إلى إضعاف إيران. ومن ناحية أخرى، وقف الحرب قد لا يكون ما تريده تل أبيب إذا كانت ترغب في استكمال الضغط العسكري حتى نهاية أبعد.

ترامب هنا لا يدير الحرب وفق الحساب الإسرائيلي وحده. هو يريد أن يمنع إيران من امتلاك أوراق خطيرة، لكنه لا يريد حربًا أبدية تنفجر في وجه الاقتصاد الأمريكي. ولذلك قد تشعر إسرائيل أن واشنطن أوقفت المعركة قبل الوصول إلى “النهاية الحاسمة”، بينما يرى ترامب أنه حقق ما يكفي عسكريًا للانتقال إلى الضغط السياسي.

إيران.. خسرت عسكريًا لكنها لم تسقط سياسيًا

إيران تلقت ضربات مؤلمة، لكنها لم تفقد قدرتها على المناورة. ما زالت تملك أوراقًا في المضيق، وفي شبكة الحلفاء الإقليميين، وفي الملف النووي، وفي قدرتها على الصمود الداخلي أمام العقوبات. بعض التحليلات تشير إلى أن الاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطًا خطيرة، لكن الانهيار السريع ليس مضمونًا، وهو ما يجعل رهان ترامب على الضغط الاقتصادي محفوفًا بالوقت والمخاطر.

وهنا تكمن معضلة واشنطن: إذا لم تنهار إيران سريعًا، وإذا لم تقدم تنازلات كبيرة، فقد تتحول الهدنة إلى مأزق طويل. فلا ترامب يريد استئناف حرب مكلفة، ولا إيران تريد اتفاقًا يبدو كاستسلام، ولا الخليج يريد أن يبقى رهينة لهذا الشد والجذب.

قانون الحرب في واشنطن.. أزمة داخلية لا تقل خطورة

قرار ترامب أثار جدلًا داخليًا أمريكيًا حول صلاحيات الرئيس في شن الحرب دون تفويض من الكونجرس. فقد اعتبر منتقدون أن إعلان انتهاء الأعمال القتالية لا يلغي حقيقة أن القوات الأمريكية لا تزال في منطقة خطر، وأن الحصار البحري نفسه قد يُعد عملًا عدائيًا أو جزءًا من الصراع.

هذا الجدل مهم لأنه يكشف أن قرار وقف الحرب لم يكن موجهًا إلى إيران فقط، بل إلى الداخل الأمريكي أيضًا. ترامب أراد أن يقول للكونجرس والرأي العام: المهمة انتهت، ولا حاجة لتفويض جديد. لكن خصومه يرون أن الإدارة تلعب بالكلمات، وتستبدل الحرب المباشرة بحرب حصار وضغط دون رقابة تشريعية كافية.

السيناريوهات المقبلة

السيناريو الأول هو نجاح التهدئة وتحولها إلى مفاوضات جدية حول النووي والمضيق والعقوبات. هذا هو السيناريو الأفضل للأسواق ولدول الخليج، لكنه يحتاج تنازلات صعبة من الطرفين.

السيناريو الثاني هو بقاء الوضع في حالة صراع مجمّد: لا ضربات كبرى، ولا اتفاق، ولا استقرار كامل في المضيق. هذا السيناريو مرجح إذا تمسك كل طرف بأوراقه دون تقديم تنازلات.

السيناريو الثالث هو انهيار الهدنة وعودة الضربات، خاصة إذا حدثت واقعة بحرية كبيرة أو هجوم على منشأة نفطية أو قوات أمريكية أو حلفاء واشنطن. وهنا ستكون المنطقة أمام تصعيد أخطر، لأن كل طرف سيعود إلى الحرب وهو أكثر تشددًا.

التحليل النهائي.. ترامب لم ينهِ الحرب بل غيّر شكلها

قرار ترامب بوقف الحرب مع إيران لا يمكن قراءته كسلام كامل، بل كتحول في أدوات الصراع. الضربات العسكرية تراجعت، لكن الحصار والضغط الاقتصادي والصفقات الدفاعية والمفاوضات الخلفية تقدمت إلى الواجهة.

الحماية مستمرة، لكن بثمن أعلى

أما الخليج، فلم تتخلَّ عنه أمريكا بالمعنى الكامل، لكنها أرسلت له رسالة قاسية، : الحماية مستمرة، لكن بثمن أعلى ووفق الأولويات الأمريكية، وليس وفق مخاوف الحلفاء وحدهم. ولذلك ستتجه دول الخليج غالبًا إلى تنويع علاقاتها، وفتح قنوات تهدئة مع إيران، وفي الوقت نفسه شراء مزيد من الدفاعات الأمريكية والغربية.

في النهاية، وقف الحرب ليس نهاية القصة. إنه فقط انتقال من حرب الصواريخ إلى حرب الأعصاب، ومن المعركة المكشوفة إلى الصفقات المغلقة. وبين واشنطن وطهران وتل أبيب والخليج، لا تزال الطاولة مليئة بالأوراق، ولا أحد يريد أن يحرقها كلها مرة واحدة.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.