“يريد قصف الجميع”.. غضب ترامب من نتنياهو يكشف كواليس الانفجار داخل التحالف الأمريكي الإسرائيلي
تسبب توقيع اتفاق أمريكا مع إيران في فجوة بين ترامب ونتنياهو وسربت من داخل كواليس البيت الأبيض عبارة قد تختصر حجم التوتر المتصاعد بين واشنطن وتل أبيب: “نتنياهو يريد قصف الجميع”.
العبارة المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، لا تبدو مجرد انفعال عابر في حديث مغلق، بل تعكس شرخًا متناميًا داخل التحالف الأمريكي الإسرائيلي، تزامنًا مع توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم جديدة فتحت الباب أمام مسار دبلوماسي واسع، ورفعت القيود المفروضة على بيع النفط الإيراني، بينما لا تزال المفاوضات مستمرة بين الطرفين.
وبينما كان ترامب يظهر في قمة مجموعة السبع في فرنسا إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مؤكدًا أن الوصول إلى التفاهم “لم يكن سهلاً”، كانت الكواليس تكشف أن أصعب ما يواجهه الرئيس الأمريكي ليس فقط طهران، بل أيضًا نتنياهو، الذي يرى ترامب أنه يدفع المنطقة دائمًا نحو مزيد من القصف والتصعيد.
“لا أحد يستطيع التوافق معه”.. ماذا قال ترامب عن نتنياهو؟
بحسب ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، أعرب ترامب خلال محادثات مغلقة مع مستشاريه عن استيائه من سلوك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقال عنه إنه “قائد عظيم، لكنه يبالغ في تصرفاته”.
لكن العبارة الأشد وقعًا كانت قوله: “لا أحد يستطيع التوافق معه.. إنه يريد قصف الجميع”.
هذه الجملة لم تأت في فراغ. فهي تعكس، وفق قراءة المشهد، قناعة بدأت تتشكل داخل دوائر القرار الأمريكية بأن نتنياهو لم يعد يتحرك فقط في إطار الدفاع عن إسرائيل، بل بات يدفع نحو سياسة تقوم على توسيع الضربات وإبقاء الجبهات مشتعلة، حتى في اللحظة التي تحاول فيها واشنطن إغلاق باب الحرب مع إيران وفتح باب التفاوض.

مذكرة التفاهم مع إيران.. اللحظة التي كشفت الخلاف
وقّعت الولايات المتحدة وإيران رسميًا مذكرة تفاهم بينهما مساء الخميس، في خطوة حملت دلالات سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة، خصوصًا بعد رفع العقوبات المفروضة على بيع النفط الإيراني، مع استمرار المفاوضات بين البلدين.
وبالنسبة لترامب، تمثل هذه المذكرة فرصة لإعادة ضبط المشهد الإقليمي: تهدئة مع إيران، استقرار في أسواق النفط، تقليل احتمالات الحرب الواسعة، وتقديم إنجاز سياسي كبير أمام الداخل الأمريكي والعالم.
لكن بالنسبة لنتنياهو، تبدو أي تسوية مع إيران مصدر قلق استراتيجي، لأنها قد تمنح طهران مساحة لالتقاط الأنفاس، وتعيد دمجها اقتصاديًا، وتخفف الضغط عنها في وقت ترى فيه إسرائيل أن الخطر الإيراني يجب أن يُواجه بالقوة لا بالتفاهمات.
وهنا تحديدًا ظهر الصدام: ترامب يريد اتفاقًا، ونتنياهو يريد استمرار الضغط العسكري.
“لماذا تفجرون المباني؟”.. رسالة أمريكية غاضبة إلى تل أبيب
وفي مكالمة هاتفية بين ترامب ونتنياهو، تساءل الرئيس الأمريكي، بحسب التقرير: “لماذا تفجرون المباني؟ توقفوا عن ذلك”.
هذه العبارة تكشف أن واشنطن لم تعد تنظر إلى كل ضربة إسرائيلية باعتبارها ورقة ضغط مفيدة، بل بدأت تراها كعامل تخريب محتمل لمسار سياسي تريد الإدارة الأمريكية تثبيته.
فكل قصف جديد قد يمنح إيران ذريعة للتراجع، أو يدفع المنطقة إلى ردود متبادلة، أو يرفع أسعار النفط، أو يعيد التوتر إلى مضيق هرمز، وهو ما يتعارض مع هدف ترامب في تحويل مذكرة التفاهم إلى إنجاز سياسي واقتصادي.
لذلك، فإن سؤال ترامب لنتنياهو لم يكن سؤالًا عسكريًا فقط، بل كان سؤالًا سياسيًا: إلى أين تريدون الذهاب بكل هذا التصعيد؟
نتنياهو بين الأمن والسياسة.. لماذا يريد استمرار التصعيد؟
القراءة الأعمق للموقف تكشف أن نتنياهو لا يتحرك فقط من زاوية الأمن الإسرائيلي، بل أيضًا من زاوية حساباته الداخلية.
فاستمرار التوتر مع إيران والجبهات المرتبطة بها يمنحه مساحة سياسية داخلية، ويعيد توحيد جزء من المجتمع الإسرائيلي حول فكرة “الخطر الوجودي”، كما يؤخر أو يضعف النقاشات المتعلقة بمسؤوليته السياسية عن الأزمات المتراكمة.
ومن هنا تأتي حساسية العبارة المنسوبة إلى ترامب: “إنه يريد قصف الجميع”. فهي لا تصف فقط رغبة في استخدام القوة، بل تتهم نتنياهو ضمنيًا بأنه يرى القصف حلًا دائمًا لكل أزمة، سواء مع إيران أو لبنان أو غزة أو أي طرف آخر.
لماذا بدأ ترامب يشعر بالملل من نتنياهو؟
بحسب ما نقله التقرير، قال مسؤول أمريكي رفيع إن نتنياهو، خلال محادثاته مع ترامب، يميل إلى تكرار الحديث عن ضرورة اتخاذ إجراءات عسكرية إضافية، بينما بدأ ترامب “يشعر بالملل من ذلك”.
هذا التعبير مهم للغاية. فالملل هنا لا يعني ضيقًا شخصيًا فقط، بل يعني أن الخطاب الإسرائيلي التقليدي لم يعد يحقق التأثير نفسه داخل البيت الأبيض.
ترامب، الذي يحب الظهور كصانع صفقات كبرى، لا يريد أن يتحول إلى رئيس حرب مفتوحة. يريد أن يقول إنه أجبر إيران على التفاهم، وخفّض أسعار النفط، وأنقذ الأسواق من صدمة كبرى. أما نتنياهو فيعيده في كل مرة إلى منطق الضربات والردود والتهديدات.
وبهذا المعنى، بات نتنياهو بالنسبة لترامب عائقًا أمام صورة “الرئيس الذي يصنع الاتفاقات”.

هل يعرقل نتنياهو اتفاق ترامب مع إيران؟
السؤال الأكثر حضورًا الآن هو: هل يحاول نتنياهو تعطيل أو إضعاف مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية؟
من وجهة نظر إسرائيلية، أي تخفيف للعقوبات عن إيران، خصوصًا في ملف النفط، يعني منح طهران موارد مالية جديدة قد تستخدمها في تعزيز نفوذها الإقليمي. لذلك لا ترى حكومة نتنياهو في الاتفاق فرصة، بل خطرًا.
لكن من وجهة نظر واشنطن، فإن استمرار الحرب أو التهديد بالحرب قد يكون أكثر خطرًا من التفاهم نفسه. فالإدارة الأمريكية تدرك أن المواجهة المفتوحة مع إيران قد تجر المنطقة إلى انفجار واسع، وترفع أسعار الطاقة، وتضع القوات الأمريكية والمصالح الغربية في الشرق الأوسط أمام تهديدات مباشرة.
لذلك يتعامل ترامب مع نتنياهو الآن باعتباره حليفًا ضروريًا، لكنه حليف صعب يريد جرّ المسار إلى القصف كلما اقتربت الدبلوماسية من تحقيق اختراق.
إسرائيل غاضبة من مستشاري ترامب
في المقابل، أفادت تقارير بوجود استياء داخل الأوساط الإسرائيلية من عدد من مستشاري ترامب، إذ يعتقد مسؤولون إسرائيليون أنهم يزودونه بمعلومات سلبية عن إسرائيل، أو يدفعونه إلى التشدد في التعامل مع نتنياهو.
وهذه النقطة تكشف أن تل أبيب تدرك تغير المزاج داخل واشنطن. فبدل أن يكون نتنياهو قادرًا على التأثير المباشر في ترامب كما كان يأمل، بات يواجه دائرة أمريكية ترى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يبالغ في التصعيد، ويدفع نحو حرب لا تريدها الإدارة في هذه المرحلة.
ولهذا لا تهاجم إسرائيل ترامب مباشرة، بل تهاجم مستشاريه. فهي تريد الحفاظ على العلاقة مع الرئيس، لكنها تحاول إضعاف الأصوات التي تحذره من أن نتنياهو يريد إبقاء المنطقة تحت النار.
النفط الإيراني في قلب الصفقة
رفع العقوبات المفروضة على بيع النفط الإيراني يمثل أحد أهم بنود مذكرة التفاهم، لأنه يمنح طهران مكسبًا اقتصاديًا واضحًا، وفي الوقت نفسه يمنح ترامب ورقة قوية أمام الأسواق.
فعودة النفط الإيراني إلى الأسواق تعني زيادة المعروض، واحتمال تراجع الأسعار، وتخفيف الضغط على الاقتصاد العالمي. ومن هنا يصبح الاتفاق مع إيران ليس مجرد تفاهم سياسي، بل صفقة اقتصادية كبرى أيضًا.
لكن هذا البند تحديدًا يثير غضب إسرائيل، لأنه يعني أن إيران قد تحصل على أموال جديدة في وقت ترى فيه تل أبيب أنها يجب أن تبقى تحت أقصى درجات الضغط.
هل بدأ التحالف الأمريكي الإسرائيلي يتغير؟
لا يمكن القول إن واشنطن انقلبت على إسرائيل. فالولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بأمن إسرائيل وتفوقها العسكري. لكن الجديد أن ترامب بدأ، على ما يبدو، يميز بين دعم إسرائيل ودعم نتنياهو بلا شروط.
وهذا فارق كبير.
ترامب لا يريد كسر التحالف مع تل أبيب، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن تتحول قرارات نتنياهو إلى قيد على السياسة الأمريكية. بمعنى آخر: واشنطن تريد أن تظل إسرائيل حليفًا، لا أن تصبح صاحبة القرار في توقيت الحرب والسلام مع إيران.
ما خلف عبارة “يريد قصف الجميع”
العبارة تحمل ثلاث رسائل أساسية:
الرسالة الأولى: واشنطن ضاقت ذرعًا بالتصعيد
لم تعد الإدارة الأمريكية ترى أن القصف المستمر يخدم مصالحها. بل أصبح التصعيد عبئًا على خطتها الجديدة مع إيران.
الرسالة الثانية: نتنياهو فقد جزءًا من رصيده لدى ترامب
ترامب لا يزال يعتبر نتنياهو “قائدًا عظيمًا”، لكنه يراه قائدًا يبالغ، ويضغط، ويدفع دائمًا نحو الخيار العسكري.
الرسالة الثالثة: الصفقة مع إيران أكبر من رغبة إسرائيل
ترامب يريد تثبيت تفاهمه مع طهران، ولن يسمح بسهولة بأن تتحول الضربات الإسرائيلية إلى أداة لإسقاط الاتفاق قبل أن يكتمل.
ماذا ينتظر المنطقة؟
إذا صمدت مذكرة التفاهم، فقد تدخل المنطقة مرحلة تهدئة نسبية، مع استمرار مفاوضات صعبة حول البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي وسلوك طهران في المنطقة.
أما إذا قرر نتنياهو أو أي طرف آخر دفع الأمور نحو ضربات جديدة، فقد تعود المنطقة سريعًا إلى مربع التصعيد، وربما تكون المواجهة المقبلة أوسع وأكثر خطورة.
وبين هذين المسارين، يبدو ترامب مصممًا على أن يضع حدودًا واضحة لنتنياهو: لا مزيد من القصف الذي يفسد الصفقة، ولا حرب بلا نهاية تحت شعار الأمن.
توتر بين حليفين
تصريحات ترامب عن نتنياهو، وخصوصًا عبارة “إنه يريد قصف الجميع”، تكشف لحظة نادرة من التوتر العلني غير المباشر بين الحليفين الأقرب في الشرق الأوسط.
فالرئيس الأمريكي يرى أن الوقت حان للصفقات والتفاهمات وتهدئة أسواق النفط، بينما يرى نتنياهو أن القصف والضغط العسكري هما الطريق الوحيد لمنع إيران من استعادة قوتها.
وبين عقلية الصفقة وعقلية القصف، تقف المنطقة كلها أمام سؤال خطير: هل ينجح ترامب في كبح نتنياهو وفرض مسار التفاهم مع إيران؟ أم ينجح نتنياهو في جرّ الجميع إلى جولة جديدة من النار؟
الثابت حتى الآن أن عبارة واحدة خرجت من الكواليس الأمريكية تكفي لفهم المشهد كله: نتنياهو يريد قصف الجميع.


