دخلت العلاقات الأمريكية الأوروبية واحدة من أكثر مراحلها توترًا، بعدما لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، ليس فقط في ألمانيا، بل أيضًا في إيطاليا وإسبانيا، على خلفية ما تعتبره واشنطن تخليًا من بعض الحلفاء عن دعمها في مواجهة إيران وتأمين مضيق هرمز. التصريحات التي نقلتها رويترز جاءت في لحظة شديدة الحساسية، وسط حرب أمريكية إسرائيلية ضد إيران، وتعثر المفاوضات، وارتفاع كلفة الأزمة على أسواق الطاقة العالمية. وهنا لم يعد الخلاف مجرد تباين في الرأي داخل حلف الناتو، بل تحول إلى اختبار حقيقي لفكرة القيادة الأمريكية للنظام الغربي كله.
ترامب يهدد بسحب القوات من أوروبا
بحسب رويترز، قال ترامب إنه “على الأرجح” قد يسحب قوات أمريكية من إيطاليا وإسبانيا، بعد تهديدات سابقة بتقليص الوجود العسكري في ألمانيا، في إطار غضبه من مواقف بعض حلفاء الناتو تجاه أزمة إيران ومضيق هرمز.
هذا التهديد لا يمكن التعامل معه كتصريح عابر، لأنه يمس جوهر العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة وأوروبا، وهي العلاقة التي قامت لعقود على معادلة واضحة: أمريكا توفر المظلة العسكرية، وأوروبا توفر الشراكة السياسية والتمركز الجغرافي والدعم داخل حلف الناتو.
لكن ترامب يرى أن هذه المعادلة اختلت، وأن واشنطن تدفع الثمن الأكبر عسكريًا وماليًا، بينما تتردد بعض العواصم الأوروبية عندما تحتاجها الولايات المتحدة في لحظة مواجهة حقيقية.
إيطاليا وإسبانيا وألمانيا في قلب العاصفة
تتركز الأزمة الحالية حول ثلاث دول أوروبية كبرى: ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.
ألمانيا تستضيف أكبر وجود أمريكي في أوروبا تقريبًا، إذ تشير بيانات نقلتها رويترز إلى وجود أكثر من 68 ألف جندي أمريكي في أوروبا بنهاية 2023، أكثر من نصفهم في ألمانيا، مع نحو 36.4 ألف عسكري أمريكي داخل الأراضي الألمانية.
أما إيطاليا وإسبانيا، فتمثلان أهمية استراتيجية خاصة بسبب قربهما من البحر المتوسط وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، ما يجعل قواعدهما العسكرية ذات قيمة كبيرة لأي تحرك أمريكي باتجاه الخليج أو إيران.
من هنا، فإن تهديد ترامب لا يستهدف فقط معاقبة الحلفاء سياسيًا، بل يعيد فتح ملف أعمق: هل يجب أن تبقى القوات الأمريكية في دول لا تمنح واشنطن دعمًا كاملًا عند لحظة الحرب؟

أزمة إيران تكشف هشاشة الموقف الأوروبي
الحرب مع إيران وضعت أوروبا أمام امتحان صعب. فبعض الدول الأوروبية لا تريد أن تبدو تابعة بالكامل لواشنطن، ولا تريد الانخراط في عمليات عسكرية قد تزيد اشتعال الشرق الأوسط أو تهدد مصالحها الاقتصادية والطاقة.
لكن من وجهة نظر ترامب، هذا الموقف يُقرأ كخذلان. فواشنطن تعتبر أن إغلاق أو تهديد مضيق هرمز ليس أزمة أمريكية فقط، بل أزمة عالمية تمس تدفق النفط والغاز والتجارة الدولية.
وتشير تقارير دولية إلى أن ترامب انتقد حلفاءه بسبب عدم مشاركتهم في جهود إعادة فتح مضيق هرمز، كما نقلت رويترز أن واشنطن درست إجراءات عقابية ضد بعض الحلفاء غير الداعمين، بما في ذلك الحديث عن تعليق وضع إسبانيا داخل الناتو.
العلاقات الأوروبية الإيرانية في أسوأ حالاتها
الأزمة لا تقف عند حدود علاقة أمريكا بأوروبا، بل تمتد إلى العلاقة بين أوروبا وإيران نفسها. فالتصعيد حول البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ، ومضيق هرمز، جعل أوروبا في موقف بالغ التعقيد.
من ناحية، تخشى العواصم الأوروبية من تمدد النفوذ الإيراني وتهديد الملاحة والطاقة. ومن ناحية أخرى، لا تريد الانجراف وراء حرب مفتوحة تقودها واشنطن وتل أبيب، خاصة أن أوروبا ستكون من أكثر المتضررين من ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب طرق التجارة.
وهذا ما يجعل العلاقات الأوروبية الإيرانية في حالة شبه انهيار سياسي: لا ثقة في طهران، ولا حماس أوروبي لحرب مباشرة، ولا قدرة واضحة على بناء مسار تفاوضي مستقل بعيدًا عن القرار الأمريكي.
ترامب يريد تحالفًا يدفع ثمن الحماية
منذ عودة إلى البيت الأبيض، يتعامل ترامب مع الناتو بمنطق الصفقة المباشرة: من يريد الحماية الأمريكية عليه أن يدفع، ومن يريد المظلة العسكرية الأمريكية عليه أن يقف مع واشنطن وقت الأزمات.
وهذا المنطق ظهر سابقًا في تهديداته لألمانيا، لكنه الآن يتوسع ليشمل دولًا أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا. وتوضح تقارير أمريكية أن ترامب سبق أن طرح خفض القوات في ألمانيا خلال ولايته الأولى، لكن القرار واجه معارضة داخلية وتم إيقافه لاحقًا في عهد جو بايدن.
اليوم، يعود الملف بقوة أكبر، لأن الأزمة الإيرانية منحت ترامب ذريعة سياسية واضحة: الحلفاء لم يقفوا معنا كما ينبغي، فلماذا نبقى عندهم؟
هل يضعف الانسحاب أمريكا أم يقويها؟
هنا يظهر السؤال الأهم: هل سحب القوات الأمريكية من أوروبا يجعل أمريكا أقوى أم أضعف؟
من زاوية ترامب، الانسحاب أو إعادة التموضع يعني إنهاء “الرحلات المجانية” للحلفاء، وتقليل تكلفة الدفاع عن أوروبا، وإعادة توجيه الموارد إلى الداخل الأمريكي أو إلى مناطق أكثر أهمية.
لكن من زاوية استراتيجية أوسع، فإن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا ليس خدمة مجانية للحلفاء فقط، بل أداة نفوذ أمريكية ضخمة. قواعد ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا تمنح واشنطن قدرة على التحرك السريع في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. وتذكر تقارير أمريكية أن قواعد مثل رامشتاين في ألمانيا ومقار القيادة الأمريكية في شتوتغارت تمثل مراكز حيوية للعمليات الأمريكية عالميًا.
بمعنى آخر، تقليص القوات قد يرسل رسالة قوة سياسية، لكنه قد يقلل أيضًا من مرونة أمريكا العسكرية حول العالم.
أوروبا أمام اختبار الدفاع عن نفسها
تهديد ترامب يضع أوروبا أمام لحظة صعبة: إما أن تزيد إنفاقها الدفاعي وتثبت أنها شريك حقيقي في الناتو، أو تواجه احتمال تراجع المظلة الأمريكية التي اعتمدت عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقد حاول المستشار الألماني فريدريش ميرتس تهدئة الموقف، مؤكدًا التزام بلاده بالشراكة عبر الأطلسي وبالناتو، وذلك بعد تصريحات ترامب بشأن تقليص القوات الأمريكية في ألمانيا. كما أشار إلى استعداد ألمانيا للمشاركة في مهمة مرتبطة بمضيق هرمز، لكن بشروط محددة.
هذا الرد يكشف أن أوروبا تدرك خطورة اللحظة، لكنها لا تزال تبحث عن توازن بين دعم واشنطن وتجنب الانجرار الكامل إلى حرب إيران.
أثر الأزمة على صورة أمريكا كقوة عظمى
القوة العظمى لا تقاس فقط بعدد حاملات الطائرات أو القواعد العسكرية، بل بقدرتها على قيادة التحالفات. وهنا تكمن خطورة الأزمة الحالية على الولايات المتحدة.
إذا نجح ترامب في إجبار أوروبا على زيادة دعمها وتحمل تكاليف أكبر، فسيظهر أمام الداخل الأمريكي كزعيم أعاد الهيبة للولايات المتحدة وفرض احترام الحلفاء.
أما إذا تحولت التهديدات إلى انسحابات واسعة وفوضى داخل الناتو، فقد تبدو أمريكا وكأنها تفقد قدرتها على إدارة التحالف الغربي، وهو ما سيمنح خصومها، خصوصًا الصين وروسيا وإيران، فرصة لتصوير واشنطن كقوة عظمى لم تعد قادرة على جمع حلفائها حول قرار واحد.

إيران المستفيد الأكبر من الخلاف الغربي
بالنسبة لطهران، فإن الخلاف بين واشنطن وأوروبا يمثل فرصة سياسية ثمينة. فكلما ظهر الغرب منقسمًا، استطاعت إيران أن تراهن على الوقت، وتستثمر التباينات بين أمريكا وحلفائها، وتظهر نفسها كطرف قادر على الصمود أمام جبهة غير موحدة.
وهذا بالضبط ما يقلق واشنطن. فالحرب أو التفاوض مع إيران يحتاجان إلى جبهة ضغط متماسكة، أما الخلاف داخل الناتو فيمنح طهران هامش مناورة أوسع، سواء في الملف النووي أو الصاروخي أو في مضيق هرمز.
أزمة عميقة داخل التحالف الغربي
تصريحات ترامب بشأن سحب قوات أمريكية من إيطاليا وإسبانيا وألمانيا ليست مجرد تهديدات انتخابية أو انفعالات سياسية، بل تعبير عن أزمة عميقة داخل التحالف الغربي. فحرب إيران كشفت أن أوروبا لا تريد دائمًا السير خلف واشنطن، وأن أمريكا في عهد ترامب لم تعد تقبل بتحالفات لا تمنحها دعمًا كاملًا وقت المواجهة.
وبين غضب ترامب، وحذر أوروبا، ومناورة إيران، تدخل العلاقات عبر الأطلسي مرحلة شديدة الحساسية. فإذا لم تنجح واشنطن في إعادة ضبط العلاقة مع حلفائها، فقد تجد نفسها أمام معضلة خطيرة: قوة عظمى تملك السلاح والقواعد، لكنها تواجه صعوبة في إقناع أقرب حلفائها بالوقوف خلفها عندما تشتعل الحرب.


