في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا، تلقّى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي رسالة لافتة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حملت إشادة واضحة بالدور المصري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة، إلى جانب تركيز خاص على قضية نهر النيل باعتبارها «شريان الحياة للشعب المصري».
الرسالة لم تكن بروتوكولية فحسب، بل تضمنت عرضًا أمريكيًا صريحًا لاستئناف دور الوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصل إلى حل نهائي ومسؤول لأزمة سد النهضة، في خطوة أعادت الملف إلى صدارة الاهتمام الدولي.
السيسي يرد: ثوابت مصر لا تتغير
أكد الرئيس عبدالفتاح السيسي أنه بعث برسالة رد إلى الرئيس ترامب، عبّر فيها عن الشكر والتقدير لما تضمنته من إشادة بالدور المصري، مشددًا على ثوابت الموقف المصري القائم على:
-
التعاون الجاد والبنّاء مع دول حوض النيل
-
الالتزام بمبادئ القانون الدولي
-
تحقيق المصالح المشتركة دون الإضرار بأي طرف
وأوضح السيسي أن الأمن المائي المصري خط أحمر، وأن القاهرة منفتحة على أي مسار تفاوضي عادل يضمن الحقوق التاريخية لمصر، مع دعم الجهود الأمريكية الرامية إلى تعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط وأفريقيا.
رسالة ترامب: نهر النيل أولوية وأمريكا مستعدة للوساطة
وجاءت تصريحات السيسي بعد ساعات من رسالة نشرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة تروث سوشيال، توجّه فيها بالشكر للرئيس المصري على دوره في الوساطة لوقف الحرب في غزة، مشيدًا بقيادته في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر 2023.
وأعلن ترامب، في الرسالة التي اطلعت عليها وسائل إعلام، استعداد الولايات المتحدة لاستئناف دورها كوسيط بين مصر وإثيوبيا للتوصل إلى حل «مسؤول ونهائي» بشأن تقاسم مياه نهر النيل.
موقف أمريكي واضح: لا سيطرة منفردة على النيل
شدّد الرئيس الأمريكي في رسالته على أنه:
«لا ينبغي لأي دولة في هذه المنطقة أن تسيطر بشكل منفرد على موارد نهر النيل الثمينة بما يضر بجيرانها».
وأكد أن الوصول إلى اتفاق دائم يتطلب:
-
خبرة فنية متخصصة
-
مفاوضات عادلة وشفافة
-
دورًا أمريكيًا قويًا في المراقبة والتنسيق بين دول حوض النيل
وهو موقف اعتبره مراقبون تحولًا لافتًا في اللهجة الأمريكية تجاه الملف، مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بالحذر أو الغياب النسبي.
معادلة المصالح: مياه لمصر والسودان وكهرباء لإثيوبيا
أوضح ترامب أن الاتفاق المنشود يمكن أن يحقق منفعة متبادلة، عبر:
-
ضمان تدفقات مائية يمكن التنبؤ بها خلال فترات الجفاف لمصر والسودان
-
تمكين إثيوبيا من توليد كميات كبيرة من الكهرباء
-
إمكانية توجيه جزء من الكهرباء المولدة للاستخدام أو البيع لمصر أو السودان
وهي رؤية تقوم على مبدأ الربح المشترك بدل الصراع الصفري.
سد النهضة ضمن أولويات ترامب الإقليمية
اختتم الرئيس الأمريكي رسالته بالتأكيد على أن حل التوترات المرتبطة بـ سد النهضة الإثيوبي يأتي ضمن أولوياته، بالتوازي مع مساعيه لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط وأفريقيا، مشيدًا بما وصفه بـ«الصداقة والشراكة» التي تجمعه بالرئيس السيسي وبالشعب المصري.

الموقف الإثيوبي: تعهدات بعدم الإضرار
من جانبها، كانت إثيوبيا قد أكدت، على لسان رئيس وزرائها آبي أحمد، في أكثر من مناسبة، التزامها بعدم الإضرار بحصص مياه دول المصب.
وأوضح آبي أحمد أن:
-
عملية ملء السد لم تعطل تدفق المياه «ولو ليوم واحد»
-
الأنهار واصلت جريانها نحو «الأشقاء»
-
الهدف الأساسي هو توليد الكهرباء ودفع التنمية دون المساس بحقوق الآخرين
غير أن القاهرة تؤكد دائمًا أن التعهدات السياسية وحدها لا تكفي، وأن المطلوب اتفاق قانوني ملزم يضمن الحقوق المائية على المدى الطويل.
عودة الملف إلى الطاولة الدولية
تعكس رسالة ترامب إلى السيسي عودة ملف سد النهضة إلى دائرة الاهتمام الدولي المباشر، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الأزمة دون حل قد يهدد استقرار منطقة شديدة الحساسية.
وبين إشادة بالدور المصري، وعرض وساطة أمريكية، وتشديد على عدم الإضرار بدول المصب، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على تحركات دبلوماسية مكثفة، سيكون نجاحها مرهونًا بمدى استعداد الأطراف لتحويل التصريحات إلى التزامات واضحة.


