الثلاثاء، ١٢ مايو ٢٠٢٦ في ٠٨:٤١ م

ترامب يرسل روبيو إلى الصين.. قمة أمريكية في بكين تختبر نفوذ واشنطن أمام بكين

تتجه الأنظار إلى بكين مع استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لزيارة الصين في مايو 2026، في واحدة من أكثر التحركات الدبلوماسية حساسية بين واشنطن وبكين، خاصة مع مشاركة شخصيات سياسية واقتصادية بارزة في الوفد الأمريكي، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي سبق أن فرضت الصين عليه عقوبات عام 2020 بسبب مواقفه من ملفات هونغ كونغ وشينجيانغ.

وتحمل الزيارة طابعًا مزدوجًا؛ فهي من جهة قمة سياسية عالية المخاطر بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، ومن جهة أخرى استعراض قوة اقتصادي وتكنولوجي، مع دعوة عدد من كبار رجال الأعمال الأمريكيين، بينهم إيلون ماسك وتيم كوك ورؤساء شركات كبرى في التكنولوجيا والطيران والمال والزراعة. وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن ترامب يستعد لزيارة الصين هذا الأسبوع لبحث ملفات التجارة والذكاء الاصطناعي مع شي جين بينغ، بحضور قيادات اقتصادية أمريكية بارزة.

روبيو في بكين.. رسالة سياسية تتجاوز البروتوكول

اختيار ماركو روبيو ليكون ضمن الوفد الأمريكي إلى الصين ليس تفصيلًا دبلوماسيًا عاديًا، بل رسالة سياسية مباشرة. فالرجل يُعد من أبرز الأصوات الأمريكية المتشددة تجاه بكين، وسبق أن تعرض لعقوبات صينية عام 2020 بعدما انتقد سياسات الصين في هونغ كونغ وشينجيانغ. وذكرت تقارير دولية أن الصين فرضت عقوبات على روبيو ضمن إجراءات انتقامية مرتبطة بملفات هونغ كونغ وحقوق الإنسان.

وهنا تصبح مشاركته في الزيارة بمثابة اختبار علني: هل تتعامل بكين مع روبيو باعتباره وزير خارجية الولايات المتحدة رغم العقوبات السابقة؟ أم أن الملف سيظل عبئًا رمزيًا على البروتوكول الصيني؟ وتشير رويترز إلى أن الصين كانت على تواصل مع واشنطن بشأن القمة، وأن عقوبات روبيو السابقة قد لا تمنع مشاركته في الزيارة.

أجندة الزيارة.. التجارة والذكاء الاصطناعي وتايوان

بحسب التقارير المنشورة، تتصدر ملفات التجارة والذكاء الاصطناعي أجندة الزيارة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إعادة ضبط ميزان العلاقة الاقتصادية مع بكين، خصوصًا مع استمرار التنافس على التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل الإمداد وأشباه الموصلات.

وتشير تقارير إلى أن ترامب يريد استخدام الزيارة للترويج للقوة التكنولوجية الأمريكية، بينما يرافقه وفد من كبار التنفيذيين في شركات التكنولوجيا والطيران والمال، في محاولة للجمع بين الضغط السياسي والنفوذ الاقتصادي. وذكرت الجارديان أن الزيارة تركز على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وأن الوفد يضم أسماء بارزة مثل إيلون ماسك وتيم كوك ومسؤولين من شركات كبرى.

أما ملف تايوان، فيبقى حاضرًا كواحد من أخطر ملفات التوتر بين واشنطن وبكين، حتى لو لم يكن العنوان الوحيد للقمة. فالصين تنظر إلى تايوان باعتبارها جزءًا من أراضيها، بينما تواصل الولايات المتحدة دعم الجزيرة عسكريًا وسياسيًا، ما يجعل أي قمة بين ترامب وشي محكومة بحذر شديد في هذا الملف.

إيلون ماسك وتيم كوك.. الدبلوماسية عبر رجال الأعمال

لا تعتمد الزيارة على الوزراء فقط، بل تأتي مصحوبة بثقل اقتصادي كبير. فقد تحدثت وكالة أسوشيتد برس عن دعوة عدد من كبار التنفيذيين الأمريكيين لمرافقة ترامب إلى الصين، بينهم إيلون ماسك، وتيم كوك، ومسؤولون من بوينغ وبلاك روك وبلاكووتر وكارجيل وسيتي وجولدمان ساكس وماستركارد وميكرون وكوالكوم وفيزا.

وجود هذه الأسماء يعني أن ترامب لا يريد قمة سياسية تقليدية فقط، بل يريد تحويل بكين إلى منصة تفاوض اقتصادي واسعة. فالشركات الأمريكية الكبرى تملك مصالح ضخمة في السوق الصينية، والصين بدورها تحتاج إلى الحفاظ على قنوات اقتصادية مفتوحة مع واشنطن رغم التصعيد السياسي والتجاري.

الصين تحاول تقليل أثر العقوبات القديمة

تحاول بكين، وفق ما يظهر من تصريحات وتقارير، التعامل مع ملف روبيو بطريقة عملية. فالصين تعرف أن منع وزير الخارجية الأمريكي من دخول البلاد أو تصعيد قضية العقوبات قد يفجر القمة قبل أن تبدأ. لذلك جاءت الإشارات الصينية أكثر مرونة، باعتبار أن العقوبات السابقة كانت مرتبطة بمواقف روبيو حين كان عضوًا في مجلس الشيوخ، بينما هو الآن وزير الخارجية الأمريكي.

هذه المرونة لا تعني أن الصين تراجعت سياسيًا، لكنها تعني أنها لا تريد تحويل القمة إلى معركة بروتوكولية حول شخص روبيو، خصوصًا أن الملفات الأكبر تتعلق بالتجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتوازن النفوذ في آسيا.

هل يذهب ترامب إلى بكين من موقع قوة؟

الخطاب المؤيد لترامب يصور الزيارة باعتبارها “لعبة قوة أمريكية” داخل بكين، وأن الرئيس الأمريكي يجبر الصين على الجلوس إلى الطاولة بشروط واشنطن. لكن القراءة الواقعية أكثر تعقيدًا؛ فالصين تدخل القمة وهي تملك أوراقًا اقتصادية وتجارية ضخمة، بينما تحاول واشنطن استخدام ثقل شركاتها الكبرى لتعزيز موقفها التفاوضي.

وتشير تقارير تحليلية إلى أن العلاقة التجارية بين واشنطن وبكين لا تزال شديدة التوتر، وأن ترامب يحاول استخدام وفد رجال الأعمال كجزء من موازنة القوة أمام شي جين بينغ. وذكرت ديلي بيست أن الوفد الواسع من المليارديرات والمديرين التنفيذيين قد يشكل “حاجزًا اقتصاديًا” لترامب في مواجهة شي، وسط علاقة تجارية متوترة بين البلدين.

إيران ضمن حسابات القمة

رغم أن عنوان الزيارة الاقتصادي والتكنولوجي يبدو الأبرز، فإن ملف إيران يظل حاضرًا في الخلفية، خاصة أن الصين من أكبر المستوردين للنفط الإيراني، ولها مصالح مباشرة في استقرار الممرات البحرية وأسعار الطاقة. وقد أشار تقرير سابق لرويترز إلى أن توقيت القمة كان محل نقاش في ظل ارتباطه بموقف الصين من تأمين مضيق هرمز، حيث تستورد بكين جزءًا كبيرًا من احتياجاتها النفطية عبر هذه المنطقة الحساسة.

وبالتالي، قد تستخدم واشنطن القمة للضغط على الصين كي تلعب دورًا أكثر وضوحًا في كبح إيران أو على الأقل ضمان عدم تحول التوتر في الخليج إلى تهديد مباشر للملاحة والطاقة العالمية.

قراءة سياسية.. قمة مصالح لا قمة صداقة

هذه الزيارة لا تعني أن العلاقات الأمريكية الصينية تتجه إلى تهدئة كاملة، بل إنها أقرب إلى قمة مصالح قسرية بين قوتين لا تستطيع إحداهما تجاهل الأخرى. فالولايات المتحدة تريد تقليص العجز التجاري، وحماية تفوقها التكنولوجي، وضمان أمن تايوان، والضغط في ملف إيران. والصين تريد حماية تجارتها، ومنع خنقها تكنولوجيًا، والحفاظ على صورتها كقوة عظمى لا تخضع للضغوط الأمريكية.

لذلك فإن نجاح القمة لن يُقاس بالصور البروتوكولية أو بيانات المجاملة، بل بما إذا كانت ستنتج تفاهمات حقيقية حول التجارة والذكاء الاصطناعي والاستثمار وأمن المنطقة.

اختبار العلاقة بين واشنطن وبكين

زيارة ترامب المرتقبة إلى الصين في مايو 2026 تبدو واحدة من أهم لحظات اختبار العلاقة بين واشنطن وبكين. فإرسال ماركو روبيو، رغم العقوبات الصينية السابقة، يحمل رسالة سياسية واضحة، بينما مشاركة إيلون ماسك وتيم كوك وكبار رجال الأعمال تكشف أن البيت الأبيض يريد استخدام القوة الاقتصادية بجانب الدبلوماسية الصلبة.

لكن القمة، مهما بدت استعراضًا للقوة الأمريكية، ستظل محكومة بحقيقة أساسية: الصين ليست خصمًا يمكن عزله بسهولة، وأمريكا ليست قوة يمكن تجاهلها. وبين التجارة والتكنولوجيا وتايوان وإيران، تبدو بكين وواشنطن أمام مواجهة تفاوضية كبرى، عنوانها الحقيقي ليس الصداقة، بل إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.