ترامب يرد على منتقدي اتفاق إيران: الأسهم عند مستويات قياسية والنفط يتراجع
نفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتهامات التي تقول إنه لم يكن حازمًا بما يكفي مع إيران، معتبرًا أن حركة الأسواق بعد توقيع مذكرة التفاهم مع طهران تمثل الدليل الأقوى على نجاح سياسته.
ترامب لم يختر لغة الدبلوماسية التقليدية للرد، بل لجأ إلى لغته المفضلة: لغة الأرقام والأسواق. فقد استشهد بانخفاض أسعار النفط وصعود أسواق الأسهم إلى مستويات قياسية، ليؤكد أن الاتفاق مع إيران لم يكن تنازلًا، بل خطوة محسوبة أعادت الهدوء إلى الأسواق وفتحت الباب أمام مكاسب اقتصادية سريعة.
ترامب يهاجم منتقدي اتفاق إيران
كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” أن “أسواق الأسهم تسجل مستويات قياسية جديدة وأسعار النفط تنخفض”، في إشارة واضحة إلى أن نتائج مذكرة التفاهم مع إيران بدأت تظهر سريعًا على الاقتصاد والأسواق.
وأضاف ترامب، مهاجمًا من اتهموه باللين أو الضعف تجاه طهران: “لمن كان يظن أنني لم أكن حازمًا بما يكفي مع إيران، فإن أسواق الأسهم تسجل مستويات قياسية”.
ثم صعّد لهجته قائلًا إن من يعتقدون أنه لم يكن قويًا بما يكفي مع إيران “إما حسودون أو أناس سيئون”، في عبارة تعكس حجم الغضب داخل البيت الأبيض من حملة الانتقادات التي رافقت الاتفاق.
لماذا يستخدم ترامب النفط والأسهم للدفاع عن الاتفاق؟
يعرف ترامب جيدًا أن السياسة الخارجية لا تُقاس فقط بالبيانات والمؤتمرات الصحفية، بل أيضًا بما يحدث في الأسواق. لذلك اختار أن يقدم انخفاض أسعار النفط وصعود الأسهم باعتبارهما شهادة نجاح سياسية واقتصادية على اتفاقه مع إيران.
ففي الحسابات الأمريكية، تراجع أسعار النفط يعني تخفيف الضغط عن المستهلكين والشركات، وخفض تكلفة الطاقة، وتهدئة المخاوف من موجة تضخم جديدة. أما صعود الأسهم فيمنح ترامب فرصة للقول إن المستثمرين وثقوا في الاتفاق، وأن الأسواق رأت فيه بداية استقرار لا بداية ضعف.
وبهذا يحاول ترامب تحويل الهجوم عليه من سؤال: هل قدم تنازلات لإيران؟ إلى سؤال آخر: هل استفاد الاقتصاد الأمريكي من الاتفاق؟ ومن الواضح أنه يريد أن تكون الإجابة بنعم.
مذكرة التفاهم مع إيران.. اتفاق سياسي أم صفقة اقتصادية؟
رغم أن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران تُطرح باعتبارها خطوة سياسية لتخفيف التصعيد وفتح مسار تفاوضي جديد، فإن بعدها الاقتصادي حاضر بقوة.
فالاتفاق ارتبط بتخفيف القيود على بيع النفط الإيراني، وهو ما يعني احتمال زيادة المعروض في الأسواق العالمية، وبالتالي الضغط على الأسعار نحو الانخفاض. وهذه النقطة تحديدًا جعلت ترامب يتعامل مع الاتفاق باعتباره إنجازًا مزدوجًا: تهدئة مع إيران من جهة، وتراجع في أسعار الطاقة من جهة أخرى.
النفط الإيراني في قلب المعادلة
عودة النفط الإيراني إلى الأسواق، أو حتى مجرد توقع حدوث ذلك، تكفي غالبًا لتحريك الأسعار. فالأسواق لا تنتظر التنفيذ الكامل دائمًا، بل تتحرك بناءً على التوقعات.
ولهذا فإن إعلان مذكرة التفاهم أعطى إشارات للمستثمرين بأن خطر التصعيد في الخليج قد يتراجع، وأن إمدادات النفط قد تصبح أكثر استقرارًا، خصوصًا إذا ارتبط الاتفاق بتهدئة في مضيق هرمز أو تخفيف القيود على الصادرات الإيرانية.
ومن هنا جاء دفاع ترامب: إذا كان الاتفاق قد ساعد على خفض النفط وطمأنة الأسواق، فلماذا يُوصف بأنه ضعف؟

خصوم ترامب يرون الاتفاق تنازلًا خطيرًا
لكن منتقدي ترامب لا ينظرون إلى المسألة من زاوية أسعار النفط فقط. فبالنسبة للتيار المتشدد داخل واشنطن، أي تخفيف للعقوبات عن إيران قد يمنح طهران متنفسًا اقتصاديًا، ويتيح لها موارد مالية جديدة، بينما لا تزال الشكوك قائمة حول برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي.
ويرى هؤلاء أن ترامب تعجل في منح إيران مكاسب اقتصادية قبل الحصول على ضمانات نهائية وحاسمة. ومن هنا جاءت الاتهامات بأنه لم يكن حازمًا بما يكفي، وأنه اختار “صفقة سريعة” بدل سياسة ضغط طويلة.
لكن ترامب يرد على هذه الانتقادات بمنطق مختلف: النتائج الاقتصادية ظهرت فورًا، والأسواق كافأت الاتفاق، وهذا في رأيه دليل على صواب القرار.

لغة ترامب الحادة.. رسالة للداخل لا للخارج فقط
وصف ترامب منتقديه بأنهم “حسودون أو أناس سيئون” لا يستهدف إيران بقدر ما يستهدف خصومه داخل الولايات المتحدة.
فالرئيس الأمريكي يحاول أن يمنع خصومه من احتكار رواية الاتفاق. هو لا يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي قدم تنازلات لطهران، بل يريد أن يظهر كرجل ضغط على إيران، ثم انتزع اتفاقًا، وخفّض النفط، ورفع الأسهم.
لذلك جاءت رسالته هجومية وسريعة، قبل أن تتحول الانتقادات إلى موجة سياسية أكبر داخل الحزب الجمهوري أو بين حلفاء إسرائيل في واشنطن.
هل هبوط النفط يعني نجاح الاتفاق فعلًا؟
هبوط النفط يمنح ترامب دفعة سياسية، لكنه لا يكفي وحده للحكم النهائي على نجاح الاتفاق. فالأسواق قد تتحرك سريعًا بناءً على التفاؤل، لكنها قد تتراجع بنفس السرعة إذا ظهرت عراقيل في التنفيذ أو إذا تجدد التصعيد العسكري.
نجاح مذكرة التفاهم سيعتمد على عدة عوامل، أبرزها مدى التزام إيران ببنود التفاهم، وطبيعة الرقابة على البرنامج النووي، وموقف إسرائيل من التهدئة، وقدرة واشنطن على منع أي تصعيد جديد ينسف المسار الدبلوماسي.
بمعنى آخر، الأسواق أعطت ترامب انتصارًا مؤقتًا، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في تنفيذ الاتفاق لا في رد الفعل الأولي عليه.
ترامب بين الحزم والصفقة
يحاول ترامب الآن إعادة تعريف معنى الحزم مع إيران. فالحزم في خطابه لا يعني بالضرورة استمرار العقوبات أو التصعيد العسكري، بل يعني الوصول إلى نتيجة تحقق مصلحة أمريكية واضحة.
ومن وجهة نظره، إذا أدى الاتفاق إلى خفض النفط ورفع الأسهم وتهدئة المنطقة، فهو اتفاق قوي لا ضعيف. أما خصومه فيرون أن الحزم الحقيقي هو استمرار الضغط حتى تحصل واشنطن على تنازلات إيرانية أكبر.
وهنا يدور جوهر الخلاف: ترامب يرى الصفقة انتصارًا، بينما يرى خصومه أنها مكافأة مبكرة لطهران.
ماذا تعني تصريحات ترامب لإسرائيل وحلفاء واشنطن؟
تصريحات ترامب لا تخاطب الداخل الأمريكي فقط، بل تحمل أيضًا رسالة إلى إسرائيل وحلفاء واشنطن في المنطقة. فالرسالة الضمنية تقول إن الإدارة الأمريكية لن تقيس نجاح سياستها فقط بمستوى التصعيد ضد إيران، بل بمقدار ما تحققه من استقرار اقتصادي وسياسي.
وهذا قد يزعج تل أبيب، التي ترى أن أي تخفيف للضغط على إيران يشكل خطرًا استراتيجيًا. لكن ترامب يبدو مصممًا على تقديم الاتفاق باعتباره نجاحًا أمريكيًا، حتى لو أثار غضب حلفاء أو متشددين.
الأسواق تتحول إلى ساحة معركة سياسية
المثير في تصريحات ترامب أنه جعل الأسواق طرفًا في المعركة السياسية. فبدل أن يكتفي بالدفاع عن بنود الاتفاق، قال عمليًا إن المستثمرين وأسعار النفط يقفون في صفه.
وهذه طريقة مألوفة في خطاب ترامب، إذ يستخدم مؤشرات البورصة وأسعار الطاقة كأدلة مباشرة على نجاح قراراته، حتى في الملفات المعقدة مثل إيران والشرق الأوسط.
لكن خصومه قد يردون بأن الأسواق لا تكشف كل شيء، وأن انخفاض النفط اليوم لا يعني أن إيران لن تكسب سياسيًا أو استراتيجيًا غدًا.
دفاع ترامب عن الاتفاق
تصريحات ترامب الأخيرة تكشف أنه يدرك حجم الجدل الذي أثارته مذكرة التفاهم مع إيران، لكنه لا يريد الدفاع عنها بلغة تقليدية. اختار أن يقول للمنتقدين إن الأسواق ردت بدلًا منه: الأسهم صعدت، والنفط هبط، والاقتصاد تلقى الاتفاق بإيجابية.
غير أن المعركة لم تنته بعد. فبين من يرى الاتفاق إنجازًا يخفض التصعيد ويهدئ الأسواق، ومن يراه تنازلًا خطيرًا يمنح إيران متنفسًا، ستظل مذكرة التفاهم اختبارًا سياسيًا كبيرًا لترامب.
والثابت حتى الآن أن الرئيس الأمريكي يحاول تحويل هبوط النفط وصعود الأسهم إلى شهادة براءة سياسية، في مواجهة اتهام واحد يطارده من خصومه: هل كان حازمًا بما يكفي مع إيران؟


