إسرائيل وأرض الصومال.. تحالف خفي مع إثيوبيا يفتح جبهة جديدة على البحر الأحمر
كشفت تقارير عن قيام إسرائيل بنشر قوة عسكرية صغيرة في الإقليم الانفصالي المعروف بأرض الصومال بالتزامن مع تصاعد التوتر بين تل أبيب وطهران، ووسط حديث متزايد عن رغبة إسرائيل في بناء موطئ قدم استراتيجي قرب البحر الأحمر وباب المندب.
التقرير الإعلامي أشار إلى أن إسرائيل أرسلت نحو 50 جنديًا من أصول إثيوبية إلى أرض الصومال، في خطوة قيل إنها تهدف إلى تجنب لفت الانتباه، بينما نفى مسؤول أمني إسرائيلي صحة هذه الأنباء، وأكد أن التقرير غير صحيح، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه يفحص الادعاءات الواردة فيه.
وبين النفي الإسرائيلي والحديث الإعلامي المتكرر عن وجود تعاون عسكري وأمني، تبدو أرض الصومال وكأنها أصبحت ساحة اختبار جديدة في صراع أوسع، لا يتعلق فقط بإيران أو الحوثيين، بل يمتد إلى أمن البحر الأحمر، وميناء بربرة، والتحالفات الجديدة في القرن الإفريقي.
أرض الصومال.. لماذا تهم إسرائيل؟
أرض الصومال ليست مجرد إقليم بعيد على خريطة إفريقيا، بل تقع في موقع شديد الحساسية قرب خليج عدن وباب المندب، وعلى مقربة من خطوط الملاحة المتصلة بالبحر الأحمر وقناة السويس.
هذا الموقع يجعلها ذات أهمية خاصة لأي دولة تريد مراقبة حركة الملاحة، أو امتلاك نقطة ارتكاز قريبة من اليمن والقرن الإفريقي وشرق إفريقيا.
بالنسبة لإسرائيل، تمثل أرض الصومال ثلاث مزايا استراتيجية في وقت واحد: قرب من البحر الأحمر، قرب من اليمن والحوثيين، وعمق جغرافي يمكن استخدامه في مراقبة التحركات الإيرانية أو دعم العمليات بعيدة المدى.
ميناء بربرة في قلب المعادلة
ميناء بربرة هو أحد أهم عناصر الجاذبية في أرض الصومال، لأنه يمنح منفذًا بحريًا مباشرًا على خليج عدن، ويشكل نقطة ربط بين إفريقيا والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
كما أن إثيوبيا، الدولة الحبيسة التي لا تملك منفذًا بحريًا، تنظر إلى بربرة باعتباره مخرجًا استراتيجيًا محتملًا لتجارتها ونفوذها الإقليمي.
وهنا تظهر نقطة التقاء المصالح بين إسرائيل وإثيوبيا: الأولى تبحث عن موطئ قدم أمني قرب باب المندب، والثانية تبحث عن منفذ بحري يخفف اعتمادها على جيبوتي ويمنحها دورًا أكبر في البحر الأحمر.

رئيس ارض الصومال مع وزير خاجية اسرائيل
التحالف مع إثيوبيا.. لماذا هو مهم لتل أبيب؟
لا يمكن قراءة التحرك الإسرائيلي في أرض الصومال بمعزل عن إثيوبيا، لأن أديس أبابا هي الطرف الإقليمي الأكثر اهتمامًا بإعادة تشكيل خرائط النفوذ حول بربرة وخليج عدن.
إثيوبيا تريد الوصول إلى البحر، وأرض الصومال تريد اعترافًا دوليًا، وإسرائيل تريد قاعدة نفوذ قريبة من البحر الأحمر واليمن وإيران.
هذه المصالح الثلاثة قد تشكل ما يمكن وصفه بمحور غير معلن: إسرائيل توفر الاعتراف والدعم الأمني والتكنولوجي، أرض الصومال تمنح الموقع والشرعية المحلية، وإثيوبيا توفر العمق الجغرافي والسياسي في القرن الإفريقي.
لماذا جنود من أصول إثيوبية؟
الحديث عن إرسال جنود إسرائيليين من أصول إثيوبية، إذا صح، يحمل دلالة أمنية مهمة.
فوجود عناصر ذات ملامح إفريقية قد يقلل لفت الانتباه داخل بيئة محلية إفريقية، ويجعل التحرك العسكري أقل حساسية مقارنة بظهور عناصر إسرائيلية بملامح أو هوية واضحة.
لكن هذه النقطة تبقى ضمن نطاق الرواية الإعلامية غير المؤكدة، خصوصًا مع النفي الإسرائيلي الرسمي، ولذلك يجب التعامل معها باعتبارها ادعاءً يحتاج إلى تحقق مستقل.
الهدف الأول: منصة لوجستية ضد إيران
أحد أبرز التفسيرات المطروحة هو أن إسرائيل قد تنظر إلى أرض الصومال باعتبارها نقطة لوجستية مساعدة في أي مواجهة بعيدة المدى مع إيران.
فالرحلات العسكرية الطويلة تحتاج إلى مسارات آمنة، ونقاط توقف، ومجالات بديلة للطوارئ، خاصة إذا كانت العمليات مرتبطة بمسافات بعيدة أو تحتاج إلى دعم استخباراتي واتصالاتي.
ومن هنا، فإن وجود نقطة في أرض الصومال قد يمنح إسرائيل هامش حركة إضافيًا، حتى لو لم تكن هناك قاعدة ضخمة بالمعنى التقليدي.
نقطة توقف لا قاعدة كاملة
الفرق مهم بين «قاعدة عسكرية» و«تسهيلات لوجستية».
القاعدة تعني وجودًا دائمًا ومعلنًا أو شبه دائم، أما التسهيلات فقد تكون محدودة وأكثر سرية، مثل نقطة عبور، أو محطة دعم، أو مركز اتصالات، أو مكان للطائرات في ظروف معينة.
لهذا قد تنفي الأطراف وجود قاعدة، بينما يبقى احتمال وجود تعاون أمني أو لوجستي محدود قائمًا في التحليلات والتقارير.

جيش صومال لاند
الهدف الثاني: مراقبة الحوثيين وباب المندب
الهدف الثاني يرتبط بالحوثيين في اليمن، وبالهجمات التي طالت الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة.
إسرائيل تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم امتدادًا مباشرًا للنفوذ الإيراني، وتهديدًا لموانئها وملاحتها ومصالحها في البحر الأحمر.
وجود موقع قريب من خليج عدن وباب المندب يمنح تل أبيب قدرة أفضل على المراقبة، وجمع المعلومات، وربما التنسيق مع شركاء إقليميين في أي عمليات مرتبطة بأمن الملاحة.
البحر الأحمر لم يعد ممرًا تجاريًا فقط
لم يعد البحر الأحمر مجرد طريق للسفن والطاقة، بل تحول إلى ساحة صراع استخباراتي وعسكري بين قوى متعددة.
إسرائيل، إيران، الحوثيون، الإمارات، تركيا، مصر، السعودية، إثيوبيا، الصومال، والولايات المتحدة، كلها أطراف لها مصالح مباشرة أو غير مباشرة في هذه المنطقة.
لذلك، فإن أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال، حتى لو كان محدودًا، سيُقرأ باعتباره جزءًا من معركة أوسع على النفوذ في البحر الأحمر.
الهدف الثالث: الضغط على مصر والصومال
يمثل التحرك الإسرائيلي في أرض الصومال مصدر قلق مباشر لمصر والصومال.
بالنسبة للصومال، الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يُعد تحديًا لوحدة الدولة وسيادتها، ويفتح الباب أمام دول أخرى للتعامل مع الإقليم الانفصالي ككيان مستقل.
أما بالنسبة لمصر، فالمسألة تتجاوز الصومال إلى التوازن الإقليمي مع إثيوبيا، خصوصًا في ظل الخلافات التاريخية حول مياه النيل وسد النهضة، وحساسية أي تمدد إثيوبي نحو البحر الأحمر.
رسالة غير مباشرة إلى القاهرة
إذا كانت إسرائيل تعمل على تقوية محور مع إثيوبيا وأرض الصومال، فإن ذلك قد يُفهم في القاهرة كرسالة ضغط غير مباشرة.
فإثيوبيا التي تمتلك خلافًا حادًا مع مصر بشأن مياه النيل قد تجد في الدعم الإسرائيلي والإماراتي والغربي نافذة لتعزيز موقعها الإقليمي.
وفي المقابل، ترى مصر أن استقرار الصومال ووحدة أراضيه جزء من أمن البحر الأحمر، وأن أي محاولة لتكريس انفصال أرض الصومال قد تفتح بابًا لتفكيك دول أخرى في المنطقة.
الهدف الرابع: ضرب النفوذ التركي في القرن الإفريقي
تركيا تُعد من أبرز الداعمين للحكومة الصومالية في مقديشو، ولها وجود عسكري واقتصادي واسع في الصومال.
ولهذا، فإن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، أو دعمها أمنيًا، يضع تل أبيب في مواجهة غير مباشرة مع النفوذ التركي.
إسرائيل لا تريد أن تترك القرن الإفريقي ساحة مفتوحة لأنقرة، خصوصًا أن تركيا توسعت في إفريقيا والبحر الأحمر عبر موانئ واتفاقيات دفاعية واستثمارات عسكرية.
أرض الصومال كورقة مضادة لتركيا
من هذا المنظور، يمكن أن تتحول أرض الصومال إلى ورقة مضادة للنفوذ التركي في مقديشو.
فبينما تدعم تركيا الحكومة الصومالية المركزية، قد تجد إسرائيل في أرض الصومال شريكًا محليًا يبحث عن الاعتراف، ويقبل بتعاون أمني واقتصادي أعمق مقابل دعم سياسي ودبلوماسي.
الهدف الخامس: بناء محور جديد في القرن الإفريقي
تسعى إسرائيل إلى توسيع حضورها في إفريقيا، ليس فقط عبر العلاقات الدبلوماسية، بل أيضًا عبر الأمن والتكنولوجيا والزراعة والمياه والطاقة.
أرض الصومال تقدم لتل أبيب فرصة نادرة: كيان يبحث عن شرعية دولية، وموقع استراتيجي حساس، واحتياج واضح للدعم الأمني والاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، تشكل إثيوبيا عمقًا إقليميًا لهذا المسار، بحكم وزنها السكاني والسياسي والعسكري في القرن الإفريقي.
محور إسرائيل وإثيوبيا وأرض الصومال
قد يكون الهدف النهائي هو بناء محور جديد يقوم على ثلاثة أعمدة:
إسرائيل: التكنولوجيا والدعم الأمني والاعتراف السياسي.
إثيوبيا: الثقل الإقليمي والحاجة إلى البحر.
أرض الصومال: الموقع الجغرافي والبوابة البحرية.
هذا المحور، إذا ترسخ، قد يغير توازنات البحر الأحمر، ويضع ضغوطًا جديدة على مصر والصومال وتركيا وجيبوتي.
النفي الإسرائيلي.. لماذا لا ينهي الجدل؟
النفي الإسرائيلي للتقرير لا ينهي الجدل، لأن طبيعة هذه الملفات غالبًا لا تكون معلنة بالكامل.
الدول لا تعترف عادة بالتسهيلات العسكرية السرية أو العمليات اللوجستية الحساسة، خاصة إذا كانت مرتبطة بإيران أو الحوثيين أو البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار كل تقرير إعلامي حقيقة ثابتة دون أدلة مادية واضحة أو تأكيد رسمي من أكثر من طرف.
لذلك، القراءة المهنية تضع المسألة في منطقة وسطى: لا يوجد تأكيد قاطع بوجود قاعدة إسرائيلية، لكن هناك مؤشرات واضحة على تعميق التعاون الأمني بين إسرائيل وأرض الصومال.
ما الثابت حتى الآن؟
الثابت أن إسرائيل اعترفت بأرض الصومال.
والثابت أن أرض الصومال تريد استثمارًا واعترافًا ودعمًا أمنيًا.
والثابت أن وزير دفاع أرض الصومال أقر بوجود تدريب إسرائيلي لقوات محلية.
والثابت أن موقع الإقليم يجعله مهمًا لإسرائيل في البحر الأحمر.
أما غير الثابت فهو حجم الوجود العسكري الإسرائيلي، وطبيعته، وما إذا كان يتضمن قاعدة كاملة أو فقط تسهيلات محدودة.
المخاطر على المنطقة
إذا ثبت وجود عسكري إسرائيلي في أرض الصومال، فقد تواجه المنطقة عدة مخاطر.
أولها زيادة التوتر بين الصومال وأرض الصومال، لأن مقديشو ستعتبر ذلك انتهاكًا مباشرًا للسيادة.
ثانيها تصعيد التنافس بين مصر وإثيوبيا، خصوصًا إذا شعرت القاهرة بأن إسرائيل تساعد أديس أبابا في تثبيت موطئ قدم على البحر الأحمر.
ثالثها احتمال جذب الحوثيين أو إيران إلى ساحة القرن الإفريقي، إذا اعتبروا أن أرض الصومال أصبحت جزءًا من البنية العسكرية الإسرائيلية.
رابعها تعقيد علاقات إسرائيل مع بعض الدول العربية والإفريقية التي ترفض الاعتراف بأرض الصومال.
إعادة تموضع أوسع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي
التحرك الإسرائيلي تجاه أرض الصومال لا يبدو مجرد علاقة دبلوماسية ناشئة، بل قد يكون جزءًا من إعادة تموضع أوسع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
فإسرائيل تبحث عن عمق استراتيجي بعيد عن جبهاتها التقليدية، وإثيوبيا تبحث عن منفذ بحري، وأرض الصومال تبحث عن اعتراف دولي. هذه المصالح المتقاطعة تفسر لماذا أصبح هذا الإقليم الصغير محل اهتمام كبير.
لكن الخطر الحقيقي أن يتحول البحث عن النفوذ إلى تفجير توازنات هشة في منطقة تعاني أصلًا من صراعات داخلية، ونزاعات حدودية، وتنافس دولي على الموانئ والممرات البحرية.
وبين الرواية التي تتحدث عن وجود عسكري إسرائيلي، والنفي الرسمي الذي يقلل من حجم المسألة، تبقى الحقيقة الأهم أن أرض الصومال دخلت فعليًا في قلب لعبة إقليمية كبرى، عنوانها: من يسيطر على مداخل البحر الأحمر، يملك ورقة ضغط مؤثرة في الشرق الأوسط وإفريقيا.


