في تطور دبلوماسي صادم يعكس اتساع الغضب الدولي من سلوك الحكومة الإسرائيلية، أعلنت فرنسا حظر دخول وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير إلى أراضيها، بعد موجة إدانة واسعة أثارها مقطع فيديو ظهر فيه وهو يواجه نشطاء أوروبيين من أسطول متجه إلى غزة بطريقة وُصفت بأنها مهينة ومرفوضة. القرار الفرنسي لم يأتِ منفردًا، بل انضم إلى خطوات أوروبية متصاعدة، بينها تحرك بولندي مماثل، وسط دعوات داخل الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات مباشرة على بن غفير، الذي تحول خلال أيام إلى عنوان جديد لعزلة سياسية متفاقمة تواجهها تل أبيب.
فرنسا تغلق الباب في وجه بن غفير
أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن فرنسا قررت منع إيتمار بن غفير من دخول أراضيها، مؤكدًا أن باريس لا يمكن أن تقبل تهديد أو ترهيب أو تعريض رعاياها للعنف، خصوصًا عندما يصدر ذلك عن مسؤول حكومي. كما دعا بارو الاتحاد الأوروبي إلى دراسة فرض عقوبات على الوزير الإسرائيلي، في خطوة تعكس انتقال الغضب من مستوى الاستنكار السياسي إلى إجراءات عقابية مباشرة.
وجاءت هذه الخطوة بعد أيام من استدعاء فرنسا للسفير الإسرائيلي في باريس، احتجاجًا على طريقة التعامل مع نشطاء أسطول الصمود المتجه إلى غزة، بعدما نشر بن غفير مقطعًا يظهر فيه عدد من النشطاء مقيدين ومجبرين على الانحناء أو النظر إلى الأرض.
الفيديو الذي فجّر العاصفة
القصة بدأت عندما نشر بن غفير مقطع فيديو من داخل موقع احتجاز نشطاء أسطول متجه إلى قطاع غزة، ظهر خلاله وهو يلوّح بالعلم الإسرائيلي ويتحدث أمام محتجزين مقيدين. ووصفت تقارير دولية المشهد بأنه استفزازي ومهين، خصوصًا أن بعض النشطاء كانوا مكبلين بأربطة بلاستيكية ومجبرين على الجلوس أو الانحناء، بينما كان الوزير الإسرائيلي يتفاخر أمامهم بطريقة أثارت موجة غضب واسعة.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، فإن الفيديو أثار انتقادات دولية حادة، بينما تحدث نشطاء أُفرج عنهم لاحقًا عن تعرضهم لسوء معاملة خلال احتجازهم، بينها الضرب والتفتيش المهين والحرمان من التواصل القانوني والقنصلي، في حين نفت مصلحة السجون الإسرائيلية هذه الاتهامات ووصفتها بأنها لا أساس لها.

بولندا تنضم إلى المقاطعة الأوروبية
لم تكن فرنسا وحدها في هذا المسار، إذ أعلنت بولندا أيضًا حظر دخول بن غفير إلى أراضيها لمدة خمس سنوات، بعد استنكارها لما اعتبرته احتفاءً علنيًا بمعاناة النشطاء المحتجزين. وتقول تقارير دولية إن وزير الخارجية البولندي استدعى القائم بالأعمال الإسرائيلي، مطالبًا بالإفراج عن النشطاء والاعتذار، قبل أن تتجه وارسو إلى قرار منع بن غفير من دخول البلاد.
هذا التزامن بين باريس ووارسو يكشف أن الأزمة لم تعد مجرد انتقاد عابر لتصرف فردي، بل تحولت إلى ضغط دبلوماسي أوروبي ضد واحد من أكثر الوجوه تطرفًا داخل الحكومة الإسرائيلية.
إدانة حتى من داخل إسرائيل
المفارقة أن موجة الغضب لم تأتِ من الخارج فقط، بل وصلت إلى داخل إسرائيل نفسها. فقد ذكرت رويترز أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دافع عن اعتراض الأسطول، لكنه قال إن طريقة تعامل بن غفير مع النشطاء لا تعكس قيم إسرائيل ومعاييرها. كما انتقد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تصرف بن غفير، معتبرًا أنه أضر بصورة إسرائيل في عرض وصفه بالمشين.
هذه الانتقادات الداخلية لا تعني بالضرورة تغيرًا جوهريًا في السياسة الإسرائيلية تجاه غزة أو الأساطيل المتجهة إليها، لكنها تؤكد أن الفيديو وضع الحكومة الإسرائيلية في موقف دبلوماسي بالغ الحرج، خصوصًا مع اتساع دائرة الإدانة الغربية.
أسطول غزة يعيد ملف الحصار إلى الواجهة
الواقعة أعادت فتح ملف الحصار البحري على قطاع غزة، بعدما اعترضت البحرية الإسرائيلية أسطولًا كان يحمل نشطاء ومساعدات إنسانية في اتجاه القطاع. ووفق تقارير دولية، قالت جهات منظمة للأسطول إن عملية الاعتراض تمت في المياه الدولية، بينما تقول إسرائيل إنها تتحرك لمنع خرق الحصار البحري المفروض على غزة.
لكن الأزمة هذه المرة لم تتوقف عند اعتراض السفن، بل انفجرت بسبب طريقة التعامل مع النشطاء بعد احتجازهم، وبسبب قرار بن غفير تحويل لحظة الاحتجاز إلى استعراض سياسي مصور، وهو ما اعتبرته عواصم أوروبية سلوكًا غير مقبول من مسؤول رسمي.
لماذا أصبح بن غفير عبئًا على إسرائيل؟
منذ دخوله الحكومة الإسرائيلية نهاية عام 2022، ظل إيتمار بن غفير أحد أكثر الوزراء إثارة للجدل، بسبب خطابه المتشدد ومواقفه اليمينية المتطرفة تجاه الفلسطينيين. وتؤكد تغطيات دولية أن بن غفير لم يعد يُنظر إليه فقط كسياسي داخلي مثير للجدل، بل كرمز لتصاعد التيار المتطرف داخل السلطة الإسرائيلية، وهو ما جعل العديد من العواصم الغربية تتجنب استقباله أو التعامل معه سياسيًا.
والأزمة الأخيرة زادت من هذا العبء، لأنها لم تكن تصريحًا إعلاميًا يمكن احتواؤه، بل مشهدًا مصورًا انتشر عالميًا، وظهر فيه الوزير الإسرائيلي وهو يتعامل مع محتجزين أجانب بطريقة فتحت الباب أمام اتهامات بالإهانة والترهيب وسوء المعاملة.
دلالات القرار الفرنسي
قرار فرنسا يحمل أكثر من رسالة. الأولى أن باريس تريد حماية مواطنيها المشاركين في الأسطول، وترفض أن يتحول احتجازهم إلى مشهد إهانة علنية. والثانية أن أوروبا بدأت تبحث عن أدوات ضغط شخصية ضد مسؤولين إسرائيليين بعينهم، بدل الاكتفاء ببيانات الإدانة العامة. والثالثة أن حكومة نتنياهو تواجه أزمة صورة متصاعدة، ليس فقط بسبب الحرب والحصار، بل بسبب أداء بعض رموزها الأكثر تطرفًا.
وإذا نجحت فرنسا في دفع الاتحاد الأوروبي نحو عقوبات أوسع، فقد يجد بن غفير نفسه أمام عزلة دبلوماسية أكبر، قد تشمل قيود سفر وتجميد أصول أو إجراءات سياسية أخرى، بحسب ما ستقرره المؤسسات الأوروبية.
لحظة كاشفة في العلاقة المتوترة بين إسرائيل وأوروبا.
تحول فيديو بن غفير مع نشطاء أسطول غزة إلى لحظة كاشفة في العلاقة المتوترة بين إسرائيل وأوروبا. فالمشهد الذي أراده الوزير الإسرائيلي استعراضًا للقوة، انقلب إلى عاصفة دبلوماسية وضعت اسمه على قوائم المنع، وفتحت الباب أمام عقوبات أوروبية محتملة. وبين قرار فرنسا، وتحرك بولندا، والغضب الدولي، تبدو الرسالة واضحة: العالم لم يعد يتعامل مع بن غفير كوزير عادي في حكومة حليفة، بل كرمز سياسي متطرف يضع إسرائيل في مواجهة متزايدة مع شركائها قبل خصومها.


