خرجت قمة بريكس الـ17 في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية برسائل سياسية واقتصادية واضحة، تؤكد أن العالم لم يعد قابلًا للإدارة بمنطق القطب الواحد، وأن صعود الجنوب العالمي لم يعد مجرد شعار دبلوماسي، بل أصبح واقعًا تحاول مجموعة بريكس تحويله إلى قوة مؤثرة في التجارة والتمويل والحكم الدولي.
وخلال القمة التي استضافتها البرازيل، شدد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا على أن إدارة الشؤون الدولية يجب أن تعكس الواقع الجديد متعدد الأقطاب في القرن الحادي والعشرين، معتبرًا أن على بريكس المساعدة في تحديث النظام العالمي إذا عجزت المؤسسات القائمة عن مواكبة هذا التحول.
بريكس تطرح نفسها وارثة لحركة عدم الانحياز
في كلمته الافتتاحية، شبّه لولا دا سيلفا مجموعة بريكس بحركة عدم الانحياز خلال الحرب الباردة، باعتبارها تجمعًا للدول النامية التي رفضت الارتهان الكامل لأي من طرفي النظام العالمي المنقسم.
وقال لولا إن بريكس تمثل اليوم مساحة جديدة للاستقلالية السياسية والاقتصادية، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد التعددية، وتتصاعد فيه الحروب التجارية والانقسامات بين القوى الكبرى. وتقول وكالة رويترز إن لولا وصف المجموعة بأنها وارثة حركة عدم الانحياز، مشيرًا إلى أنها باتت تمثل أكثر من نصف سكان العالم ونحو 40% من الناتج الاقتصادي العالمي.

أكثر من 30 دولة تطرق أبواب بريكس
أحد أبرز مؤشرات التحول في وزن المجموعة هو الاهتمام المتزايد من دول جديدة بالانضمام إليها، سواء كأعضاء كاملين أو كشركاء.
وبحسب تقارير القمة، أبدت أكثر من 30 دولة اهتمامها بالمشاركة في بريكس، وهو رقم يعكس اتساع جاذبية التكتل لدى دول الجنوب العالمي التي تبحث عن بدائل أوسع في التمويل والتجارة والتمثيل داخل المؤسسات الدولية.
وتوسعت بريكس خلال السنوات الأخيرة من نواتها الأولى، التي ضمت البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، لتشمل دولًا جديدة بينها مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات وإندونيسيا، ما أضاف ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا واضحًا للمجموعة.
ترامب يرد برسوم إضافية 10%
لم يمر صعود الخطاب الالبريكسي دون رد أمريكي مباشر، إذ هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10% على أي دولة تنحاز إلى ما وصفه بـ"السياسات المعادية لأمريكا" التي تتبناها بريكس.
وكتب ترامب عبر منصة "تروث سوشال" أن أي دولة تصطف مع سياسات بريكس المعادية لأمريكا ستواجه رسومًا إضافية بنسبة 10%، مؤكدًا أنه لن تكون هناك استثناءات.
هذا التهديد كشف أن واشنطن لا تتعامل مع بريكس باعتبارها مجرد تجمع اقتصادي رمزي، بل كتحدٍ سياسي وتجاري متصاعد قد يمس موقع الدولار والنفوذ الأمريكي في النظام المالي العالمي.
بريكس تحذر من الرسوم الجمركية
في المقابل، حذرت بريكس في بيانها المشترك من أن زيادة الرسوم الجمركية تهدد التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، في انتقاد واضح لنهج الحمائية التجارية، حتى وإن تجنبت المجموعة في بيانها تسمية واشنطن أو ترامب بشكل مباشر.
وتأتي هذه الرسالة في وقت تعاني فيه التجارة الدولية من اضطرابات متزايدة، نتيجة الحروب التجارية وسياسات الحماية وارتفاع كلفة النقل وتراجع الثقة في قواعد العولمة القديمة.

قمة بريكس وسط عالم منقسم
انعقدت القمة في ظل مشهد عالمي بالغ التعقيد، مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واستمرار تداعيات الحرب في أوكرانيا، وتزايد الخلافات التجارية بين الولايات المتحدة وعدد من الاقتصادات الكبرى.
وتقول وكالة أسوشيتد برس إن قمة ريو ركزت على قضايا التجارة والصحة العالمية والبيئة وتطوير مؤسسات بريكس، لكنها جاءت أيضًا تحت ظل توترات الشرق الأوسط وتهديدات ترامب بفرض رسوم إضافية على الدول المرتبطة بسياسات المجموعة.
إصلاح مجلس الأمن وصندوق النقد
يرتبط توسع بريكس بطموح سياسي أوسع يتمثل في المطالبة بإصلاح المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن وصندوق النقد الدولي، بما يمنح الدول النامية والاقتصادات الصاعدة تمثيلًا أكبر في القرارات العالمية.
وترى دول المجموعة أن المؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد تعكس موازين القوى الحالية، وأن العالم متعدد الأقطاب يحتاج إلى نظام تمثيل أكثر عدالة، لا يظل محكومًا بهيمنة القوى الغربية التقليدية.
دعم منظمة التجارة العالمية
عبرت بريكس أيضًا عن دعمها لانضمام إثيوبيا وإيران إلى منظمة التجارة العالمية، ودعت إلى استعادة قدرة المنظمة على حل النزاعات التجارية بسرعة وفاعلية.
وتأتي هذه الدعوة في سياق أوسع تسعى فيه المجموعة إلى بناء نظام تجاري أقل خضوعًا للضغوط الأحادية، وأكثر قدرة على تمثيل مصالح الدول النامية.
بنك التنمية الجديد ومبادرة ضمانات بريكس
على المستوى المالي، أيد قادة بريكس خططًا لتجريب مبادرة ضمانات بريكس متعددة الأطراف داخل بنك التنمية الجديد التابع للمجموعة، بهدف خفض تكاليف التمويل وتعزيز الاستثمار في الدول الأعضاء.
وتعكس هذه الخطوة محاولة بريكس الانتقال من الخطاب السياسي إلى أدوات تمويل عملية، خاصة في ظل حاجة دول الجنوب العالمي إلى بدائل تمويلية أقل كلفة وأكثر استقلالًا عن المؤسسات الغربية التقليدية.
الذكاء الاصطناعي على طاولة بريكس
لم تقتصر أجندة القمة على التجارة والتمويل، بل شملت أيضًا ملف الذكاء الاصطناعي، حيث دعا القادة إلى حماية البيانات من الاستخدام غير المصرح به، ومنع الجمع المفرط للمعلومات، وضمان آليات عادلة للأجور والرواتب في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.
ويشير ذلك إلى رغبة بريكس في تقديم نفسها ليس فقط كتكتل اقتصادي، بل كمنصة لوضع قواعد بديلة في ملفات المستقبل، من التكنولوجيا إلى المناخ والصحة والتنمية.
حضور سعودي بصفة دولة مدعوة
شهدت القمة حضورًا سعوديًا لافتًا، حيث وصل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى ريو دي جانيرو، نيابة عن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ليرأس وفد المملكة في القمة السابعة عشرة لمجموعة بريكس، بصفتها دولة مدعوة للانضمام إلى المجموعة.
وشارك وزير الخارجية السعودي في أعمال اليوم الثاني من الاجتماع، الذي ضم الدول الشريكة والمدعوة من الرئاسة والمنظمات الدولية، وناقش قضايا التنمية الدولية والمناخ ومكافحة الأوبئة والأمراض.
بريكس بين الطموح والتعقيد
رغم صعودها الكبير، لا تخلو بريكس من التعقيدات. فالمجموعة تضم دولًا ذات مصالح متباينة وأحيانًا متعارضة، من الصين والهند، إلى إيران والإمارات، مرورًا بروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا ومصر.
وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن القمة أظهرت طموح بريكس في تقديم بديل قيادي عالمي، لكنها كشفت أيضًا حدود التماسك الداخلي، خاصة مع غياب بعض القادة الكبار وتباين مواقف الأعضاء من ملفات مثل أوكرانيا والشرق الأوسط.
هل بدأ فعليًا زمن ما بعد القطب الواحد؟
الأهم في قمة ريو لم يكن فقط البيانات أو التهديدات المتبادلة، بل الرمزية السياسية: بريكس تقول إن العالم لم يعد أحادي القطب، وواشنطن ترد بتهديدات جمركية، ودول جديدة تطرق أبواب المجموعة بحثًا عن مكان في نظام عالمي مختلف.
هذا المشهد لا يعني أن بريكس أصبحت بديلًا كاملًا عن الغرب، لكنه يؤكد أن عصر التسليم المطلق بقيادة قطب واحد يتراجع، وأن دول الجنوب العالمي باتت تبحث عن صوت جماعي أكثر جرأة في التجارة والتمويل والسياسة الدولية.
هل نحن أمام بداية نظام دولي جديد ؟
قمة بريكس الـ17 في البرازيل وضعت العالم أمام سؤال كبير: هل نحن أمام بداية نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، أم مجرد محاولة لإعادة التوازن داخل النظام القديم؟
تصريحات لولا دا سيلفا، وتهديدات ترامب، واهتمام أكثر من 30 دولة بالانضمام، وحضور السعودية كدولة مدعوة، كلها مؤشرات على أن بريكس لم تعد تجمعًا هامشيًا، بل منصة دولية صاعدة تثير قلق واشنطن وتمنح دول الجنوب العالمي فرصة لإعادة التفاوض على قواعد اللعبة.


