نفت وزارة الخارجية الباكستانية بشكل قاطع ما ورد في تقرير لشبكة CBS News بشأن سماح إسلام آباد لطائرات عسكرية إيرانية باستخدام قاعدة نور خان الجوية قرب العاصمة الباكستانية. وجاء النفي الباكستاني في توقيت شديد الحساسية، بعد اتهامات أمريكية وإعلامية تحدثت عن أن طهران ربما استخدمت الأراضي الباكستانية كملاذ آمن لطائراتها بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار.
القصة لم تعد مجرد خلاف حول طائرات أو قاعدة جوية، بل تحولت إلى اختبار سياسي كبير لثقة واشنطن في باكستان، التي قدمت نفسها خلال الأزمة باعتبارها وسيطًا دبلوماسيًا بين الولايات المتحدة وإيران. وبين رواية أمريكية تتحدث عن “لعبة مزدوجة”، ورواية باكستانية تنفي أي غطاء عسكري لطهران، يبقى السؤال الأهم: هل كانت إسلام آباد وسيطًا محايدًا أم طرفًا يحاول إدارة توازنات خطيرة بين واشنطن وطهران؟
ماذا قالت CBS News عن الطائرات الإيرانية؟
ذكرت شبكة CBS News، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، أن باكستان سمحت لإيران بإبقاء طائرات عسكرية في قواعدها الجوية، بما في ذلك قاعدة نور خان، بعد إعلان وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. ووفق التقرير، فإن الطائرات الإيرانية نُقلت إلى باكستان بعد أيام من التهدئة، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لحمايتها من ضربات أمريكية محتملة إذا انهار وقف إطلاق النار.
وأشار التقرير إلى أن الرواية أثارت غضبًا داخل واشنطن، خصوصًا لأن باكستان كانت تقدم نفسها في الوقت نفسه كوسيط محتمل أو قناة تواصل بين الطرفين، ما فتح الباب أمام اتهامات بإدارة دور مزدوج في الأزمة.
باكستان ترد: التقرير مضلل ومثير
وزارة الخارجية الباكستانية أصدرت بيانًا رسميًا وصفت فيه تقرير CBS بأنه “مضلل” و“مثير”، مؤكدة أن مثل هذه الروايات من شأنها تقويض الجهود الجارية لتحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة. وقالت الخارجية إن الطائرات الإيرانية والأمريكية التي وصلت إلى باكستان جاءت لتسهيل تحركات الوفود الدبلوماسية والأمنية المرتبطة بجهود السلام، وليس ضمن أي خطة عسكرية لإخفاء أو حماية طائرات إيرانية.
وبحسب الرواية الباكستانية، فإن بقاء بعض الطائرات داخل البلاد كان مرتبطًا بتمديد إقامة بعض أعضاء الوفد الإيراني، وليس بإيواء عسكري أو ترتيبات حماية من ضربات أمريكية.

هل اعترفت باكستان بوجود طائرات إيرانية؟
النقطة اللافتة أن باكستان لم تنفِ بالكامل وجود طائرات إيرانية على أراضيها، لكنها رفضت تفسير CBS لطبيعة هذا الوجود. فقد أكدت تقارير لاحقة أن إسلام آباد أقرت بوصول طائرات إيرانية، لكنها قالت إن الأمر مرتبط بالحركة الدبلوماسية واللوجستية للوفود، لا بتمركز عسكري أو حماية أصول قتالية لطهران.
وهنا تكمن جوهر الأزمة: هل كانت الطائرات جزءًا من ترتيبات دبلوماسية طبيعية؟ أم أن وجودها حمل بعدًا عسكريًا غير معلن؟ حتى الآن، لا توجد أدلة علنية حاسمة تقطع بالرواية الأمريكية أو الرواية الباكستانية، لكن حجم الجدل يكشف أن الثقة بين واشنطن وإسلام آباد تعرضت لهزة واضحة.
قاعدة نور خان.. لماذا أثارت كل هذا الجدل؟
قاعدة نور خان الجوية تقع قرب إسلام آباد، ما يجعلها موقعًا حساسًا يصعب التعامل معه كمساحة عسكرية عابرة أو بعيدة عن أنظار الدولة. مسؤول باكستاني قال لـCBS إن القاعدة تقع في قلب المدينة، وإن وجود “أسطول كبير” من الطائرات لا يمكن إخفاؤه عن الناس بسهولة، في محاولة لتفنيد فكرة أن باكستان كانت تخفي طائرات إيرانية سرًا داخل القاعدة.
لكن منتقدي باكستان يرون أن قرب القاعدة من العاصمة لا يلغي احتمالية استخدامها لأغراض دبلوماسية أو عسكرية محدودة، بل يزيد حساسية أي نشاط يتم داخلها، خاصة في ظل حرب مفتوحة أو شبه مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران.
ليندسي غراهام يشكك في دور باكستان
الأزمة زادت اشتعالًا بعد تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي قال إن التقارير، إذا ثبتت صحتها، تستوجب إعادة تقييم كاملة لدور باكستان كوسيط بين إيران والولايات المتحدة. كما عبّر غراهام عن عدم ثقته في باكستان، مشيرًا إلى أن واشنطن قد تحتاج إلى البحث عن وسيط آخر.
هذا الموقف لا يمثل مجرد تعليق إعلامي، بل يعكس تيارًا داخل واشنطن ينظر بحذر إلى الدور الباكستاني، خصوصًا في ظل تاريخ طويل من الشكوك الأمريكية تجاه إسلام آباد، سواء في ملفات أفغانستان أو الإرهاب أو التوازنات الإقليمية.
سجل باكستان يزيد الشكوك
رغم النفي الرسمي الباكستاني، فإن الشكوك الأمريكية لا تأتي من فراغ كامل. فباكستان عانت لسنوات من صورة مزدوجة في العقل السياسي الأمريكي: حليف رسمي في بعض الملفات، وشريك صعب المراس في ملفات أخرى. ويستحضر منتقدوها دائمًا واقعة اختباء أسامة بن لادن في مدينة أبوت آباد الباكستانية قبل مقتله في عملية أمريكية عام 2011، باعتبارها مثالًا تاريخيًا على فجوة الثقة بين الطرفين.
لذلك، حتى لو كان النفي الباكستاني صحيحًا في هذه الواقعة، فإن أزمة السمعة تجعل أي تقرير من هذا النوع قابلًا للاشتعال سريعًا داخل واشنطن.
هل تحتاج CBS إلى أدلة أقوى؟
تحريريًا، تبقى رواية CBS بحاجة إلى أدلة أوضح إذا أُريد لها أن تتحول من اتهام إعلامي إلى حقيقة سياسية راسخة. فالتقرير اعتمد على مسؤولين أمريكيين، بينما قدّمت باكستان نفيًا رسميًا وتفسيرًا بديلًا لوجود الطائرات. وفي مثل هذه القضايا الحساسة، لا يكفي وجود “مصادر” وحدها لحسم المشهد، خاصة عندما يتعلق الأمر باتهام دولة بلعب دور مزدوج خلال أزمة عسكرية.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن CBS ليست منصة هامشية، وأن نشر تقرير بهذا الحجم يعني أن هناك رواية متداولة داخل دوائر أمريكية تستحق المتابعة والتمحيص.
قراءة سياسية.. إسلام آباد تحاول إنقاذ دور الوسيط
من الواضح أن باكستان تسعى الآن إلى منع انهيار صورتها كوسيط بين واشنطن وطهران. فإسلام آباد تدرك أن فقدان الثقة الأمريكية سيحرمها من دور دبلوماسي مهم، وقد يعيد توتر العلاقات مع واشنطن في وقت لا تتحمل فيه مزيدًا من الضغوط الاقتصادية والسياسية.
وفي الوقت نفسه، لا تريد باكستان خسارة إيران أو الظهور كأنها مجرد أداة أمريكية في الأزمة. لذلك تحاول الرواية الرسمية الباكستانية أن تضع وجود الطائرات في إطار “دبلوماسي ولوجستي”، لا في إطار عسكري أو استخباراتي.
هل تتأثر مفاوضات إيران؟
إذا تصاعدت الشكوك الأمريكية، فقد يتراجع الاعتماد على باكستان كوسيط في أي مفاوضات مقبلة مع إيران، لصالح أطراف أخرى تحظى بثقة أكبر نسبيًا، مثل سلطنة عمان أو قطر أو تركيا. وهذا قد يمثل خسارة سياسية لإسلام آباد، التي حاولت استثمار الأزمة لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية.
أما إيران، فقد تستفيد من الجدل إذا نجحت في إظهار أن واشنطن تشكك في كل وسيط، لكنها قد تتضرر أيضًا إذا ثبت أن طائراتها استخدمت أراضي دولة أخرى لحماية أصول عسكرية، لأن ذلك سيمنح خصومها مادة سياسية وإعلامية قوية.
الطائرات مرتبطة بحركة الوفود الدبلوماسية والأمنية
تنفي باكستان أن تكون قد أخفت طائرات حربية إيرانية في قاعدة نور خان، وتؤكد أن الطائرات التي وصلت إلى أراضيها كانت مرتبطة بحركة الوفود الدبلوماسية والأمنية الخاصة بجهود السلام. لكن تقرير CBS News فتح بابًا واسعًا للشكوك داخل واشنطن، خصوصًا مع تدخل ليندسي غراهام وتشكيكه العلني في حياد إسلام آباد.
وبين النفي الباكستاني والاتهام الأمريكي، تبدو الحقيقة النهائية بحاجة إلى أدلة أوضح. غير أن الضرر السياسي بدأ بالفعل: ثقة واشنطن في الوسيط الباكستاني تعرضت لهزة، وباكستان تجد نفسها مطالبة بإثبات أن دورها في الأزمة كان دبلوماسيًا لا مزدوجًا.


