وقتٍ لم تلتئم فيه بعد جراح الصدمة التي أحدثها هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول قبل عامين، تبدو دولة الاحتلال اليوم غارقة في انقسامات سياسية واجتماعية عميقة، تتقاطع مع تراجع غير مسبوق في شعور مواطنيها بالأمان داخل حدود الأراضي المحتلة نفسها، وسط استمرار الحكومة في فتح جبهات حرب متعددة، ما يضع مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو السياسي أمام اختبار مصيري.
من صدمة أمنية إلى انكشاف داخلي
بعد الهجوم الذي اعتُبر الأكبر من نوعه منذ عقود، شهد المجتمع الإسرائيلي لحظة وحدة عابرة، سرعان ما تلاشت مع تعمق الخلافات حول المسؤولية والإخفاقات الأمنية. ففي تل أبيب، وبينما كان الإسرائيليون لا يزالون تحت وطأة الصدمة، بادر مئات من خبراء التكنولوجيا إلى تشكيل غرفة عمليات مؤقتة داخل مبنى مهجور، مستخدمين تقنيات التعرف على الوجوه وأدوات الذكاء الاصطناعي لتعقب المفقودين ثم دعم جهود تحرير نحو 250 رهينة.
لكن مع عودة الرهائن إلى ديارهم وانحسار الطوارئ المباشرة، تحوّل التركيز من مواجهة الخطر الخارجي إلى الصراع الداخلي، حيث أعاد هؤلاء النشطاء أنفسهم تنظيم صفوفهم، وهذه المرة بهدف سياسي واضح: مواجهة نتنياهو في ساحة الانتخابات.

عام الحساب السياسي
يرى معارضو نتنياهو أن عام 2026 قد يكون «عام الحساب» لرئيس الوزراء، مع اقتراب نهاية ولاية حكومته والاستعداد للتوجه إلى صناديق الاقتراع. وتصف شخصيات أكاديمية وسياسية هذه الانتخابات بأنها معركة وجودية على «روح الدولة»، في ظل مخاوف متصاعدة من انزلاق إسرائيل نحو نموذج سلطوي.
وتحذر أصوات معارضة من أن فوز الائتلاف الحالي، الذي يُعد الأكثر يمينية في تاريخ دولة الاحتلال، سيقود إلى مزيد من تآكل القيم الديمقراطية، معتبرة أن المسار بدأ فعليًا مع خطة الإصلاح القضائي المثيرة للجدل عام 2023، والتي وُصفت من قبل منتقديها بأنها «انقلاب قضائي» يستهدف تقويض استقلال السلطة القضائية.
تآكل الإحساس بالأمن
في موازاة هذا الصراع السياسي، يبرز عامل بالغ الخطورة يتمثل في فقدان مواطني دولة الاحتلال الإحساس بالأمان داخل الأراضي المحتلة. ففتح جبهات متزامنة في غزة، وعلى الحدود الشمالية، إلى جانب التصعيد مع أطراف إقليمية أخرى، جعل الجبهة الداخلية عرضة للضغط المستمر.
صفارات الإنذار، وتعطّل المرافق الحيوية، وتراجع حركة الطيران، وانتقال الحياة اليومية إلى نمط الطوارئ، كلها مؤشرات على تحوّل الإحساس بعدم الاستقرار إلى واقع دائم، ما قوّض صورة «الدولة الآمنة» التي لطالما شكّلت أحد ركائز الخطاب الرسمي الإسرائيلي.
نتنياهو بين النجاة والمغامرة
رغم تحميله مسؤولية أكبر فشل استخباراتي منذ عقود، أظهر نتنياهو قدرة لافتة على المناورة السياسية. فقد ألقى باللوم على المؤسسة الأمنية، وشن حربًا واسعة على غزة بدعم جمهور يهودي مصدوم، متجاهلًا الانتقادات الدولية، بما في ذلك مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.
كما صعّد لاحقًا المواجهة مع حزب الله، ثم دخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران استمرت 12 يومًا، في مغامرات عسكرية يُروّج لها داخل إسرائيل باعتبارها «إنجازات استراتيجية» أعادت رسم ميزان القوى في المنطقة، وفق خطاب نتنياهو.
غير أن معارضيه يرون في هذه السياسات محاولة للهروب من الأزمات الداخلية، وتحويل الأنظار عن الإخفاقات السياسية والقضائية، مؤكدين أن تعدد الجبهات يزيد من إنهاك المجتمع والاقتصاد، ويعمّق الشعور بعدم الأمان.
معركة انتخابية معقدة
تزداد تعقيدات المشهد مع اقتراب الانتخابات، حيث تعافت شعبية حزب «الليكود» نسبيًا، فيما لا يزال معسكر المعارضة يعاني من التشتت. ورغم تسجيل عشرات الآلاف دعمهم لما يُعرف بـ«غرفة الحرب» الانتخابية المناهضة لنتنياهو، يبقى توحيد قوى المعارضة تحديًا كبيرًا في نظام سياسي قائم على الائتلافات.
ويحذر محللون من أن بقاء نتنياهو في الحكم لا يتطلب بالضرورة فوزًا واضحًا، بل يكفيه ألّا يخسر، إذ يمكنه الاستمرار رئيسًا لحكومة تصريف أعمال أو المناورة لتشكيل ائتلاف جديد، كما فعل مرارًا في السابق.
انقسامات تهدد المستقبل
في المحصلة، تقف دولة الاحتلال أمام مشهد داخلي بالغ الهشاشة: انقسامات سياسية وأيديولوجية عميقة، فقدان متزايد للإحساس بالأمن داخل الأراضي المحتلة، وحكومة تواصل فتح جبهات حرب متعددة دون رؤية خروج واضحة. وبين هذا وذاك، يبقى مصير نتنياهو السياسي معلقًا على نتائج معركة انتخابية قد تكون الأشد حسمًا في تاريخ الدولة، ليس فقط على مستوى السلطة، بل على شكل النظام السياسي نفسه ومستقبل المجتمع الإسرائيلي.



