الحرب مع إيران.. كابوس عسكري داخل واشنطن وخلافات أمريكية تتصاعد حول خيار المواجهة
واشنطن بين منطق القوة وحسابات الكلفة
عاد ملف المواجهة مع إيران ليشغل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، وسط تحذيرات عسكرية علنية من مغبة الانزلاق إلى حرب قد تتحول إلى “كابوس استراتيجي”.
التصريحات المنسوبة إلى وزير الدفاع الأمريكي السابق لويد أوستن، والتي حملت تحذيرًا واضحًا من مغامرة عسكرية ضد طهران، كشفت عمق الانقسام داخل المؤسسة الأمريكية بين تيار يدفع نحو الردع العسكري، وآخر يرى أن المواجهة مع إيران لن تكون عملية سريعة أو محدودة.
تحذير من البنتاجون: إيران ليست العراق 2003
الرسالة الأبرز في النقاش الأمريكي تتمثل في مقارنة القدرات الإيرانية اليوم بالسيناريوهات السابقة.
إيران، وفق التقديرات العسكرية الأمريكية، تختلف جذريًا عن العراق قبل غزو 2003 أو سوريا في 2010، لعدة أسباب:
-
منظومة عسكرية متعددة الطبقات تضم الحرس الثوري والجيش التقليدي وقوات الباسيج.
-
شبكة وكلاء إقليميين تمتد من العراق إلى لبنان واليمن.
-
ترسانة صواريخ باليستية وفرط صوتية متقدمة.
-
قدرة على استهداف المصالح الأمريكية في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
القلق الأكبر داخل البنتاجون يتمثل في التهديدات المتكررة باستهداف حاملات الطائرات الأمريكية، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة الردع الإقليمي.
الانقسام داخل أمريكا.. من يدفع للحرب ومن يحذر منها؟
المشهد السياسي الأمريكي منقسم إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية:
1. تيار الردع الصارم
يضم شخصيات محافظة وجماعات ضغط ترى أن إيران تمثل تهديدًا وجوديًا للمصالح الأمريكية وحلفائها، وتدفع نحو توجيه ضربة حاسمة لمنع طهران من تعزيز قدراتها العسكرية.
2. تيار الحذر العسكري
يمثل هذا الاتجاه شريحة واسعة من القيادات العسكرية والخبراء الاستراتيجيين الذين يرون أن الحرب مع إيران قد تخرج عن السيطرة، وتتحول إلى صراع إقليمي شامل.
3. تيار التفاوض
وهو التيار الذي يفضل خيار الصفقة السياسية، خاصة في ظل الإرهاق العسكري الأمريكي بعد تجربتي العراق وأفغانستان.
رأي الشارع الأمريكي.. تعب من الحروب
الرأي العام الأمريكي لم يعد متحمسًا لخوض حروب جديدة في الشرق الأوسط.
استطلاعات الرأي خلال السنوات الأخيرة تشير إلى:
-
انخفاض التأييد الشعبي للتدخلات العسكرية الخارجية.
-
أولوية القضايا الاقتصادية الداخلية على الصراعات الخارجية.
-
خوف من ارتفاع أسعار الوقود في حال اندلاع حرب في الخليج.
أي تصعيد عسكري مع إيران قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الأمريكي، وهو ما يشكل عامل ضغط إضافي على الإدارة الأمريكية.
هل يمكن إسقاط النظام الإيراني عسكريًا؟

حتى في حال تنفيذ عملية عسكرية محدودة أو اغتيال شخصية قيادية بارزة، تشير التقديرات إلى أن النظام الإيراني يمتلك آلية خلافة منظمة، تمنع حدوث فراغ مفاجئ في السلطة.
إيران نظام مؤسسي عقائدي، ما يعني أن المواجهة لن تنتهي بسيناريو “الضربة الواحدة”، بل قد تتحول إلى صراع ممتد.
كلفة الحرب المحتملة
أي مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى:
-
استهداف القواعد الأمريكية في الخليج.
-
تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
-
ضربات متبادلة عبر الوكلاء الإقليميين.
-
ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة عالميًا.
هذه العوامل تجعل الحرب خيارًا محفوفًا بالمخاطر الاقتصادية والسياسية.
خطاب ترامب.. صفقة أم مواجهة؟
في خطاب حال الاتحاد الأخير، ركز الرئيس الأمريكي على إمكانية إبرام صفقة مع إيران، دون تبني خطاب عسكري مباشر.
هذا التوجه أثار انقسامًا داخل التيار المحافظ، حيث يرى بعضهم أن المفاوضات تمنح طهران وقتًا إضافيًا لتعزيز قدراتها، بينما يرى آخرون أن الصفقة قد تكون أقل كلفة من الحرب.
السيناريوهات المحتملة
1. صفقة محدودة
اتفاق مرحلي يخفف التوتر مقابل قيود معينة.
2. تصعيد محسوب
ضربات محدودة دون انزلاق إلى حرب شاملة.
3. مواجهة مفتوحة
سيناريو الأقل احتمالًا لكنه الأكثر خطورة، قد يشعل المنطقة بأكملها.
هل تستطيع أمريكا إدارة صراع جديد؟
السؤال المطروح داخل واشنطن اليوم لا يتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على خوض حرب، بل بقدرتها على إدارتها سياسيًا واقتصاديًا في ظل تحديات داخلية وخارجية متزامنة.
الولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأكبر عالميًا، لكن كلفة الصراعات غير المحسوبة أصبحت أعلى من أي وقت مضى.
امريكا امام حسابات معقدة
الحرب مع إيران ليست “نزهة عسكرية”، كما يحذر بعض المسؤولين الأمريكيين، بل معادلة معقدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية.
الانقسام داخل واشنطن يعكس إدراكًا بأن المواجهة قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، فيما يفضل جزء من الشارع الأمريكي تجنب مغامرات عسكرية جديدة.
ويبقى الخيار النهائي مرهونًا بتوازن دقيق بين الردع والتفاوض، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.


