بدأت ملامح وخفايا الحرب التي شنتها كل من أمركا واسرائيل تخرج من تحت ركام الصواريخ والدخان: الحرب التي قيل إنها ستكسر إيران خلال أيام لم تُنهِ قدراتها، والقصف المكثف الذي رُوّج له كضربة قاصمة ترك وراءه خصمًا أكثر حذرًا وصلابة، لا دولة منهارة كما حاول البيت الأبيض أن يصور. تقارير وتحليلات غربية، بينها ما نُسب إلى تقييمات استخباراتية نقلتها صحف كبرى، كشفت أن إيران استعادت الوصول إلى معظم منشآتها الصاروخية تحت الأرض، وأن مواقع عديدة قرب مضيق هرمز عادت إلى العمل، بينما بقي جزء كبير من مخزون الصواريخ ومنصات الإطلاق المتحركة خارج دائرة التدمير الكامل. وهنا تنفجر المفارقة: ترامب الذي تحدث عن حسم سريع وجد نفسه أمام نسخة شرق أوسطية جديدة من كابوس «فيتنام»؛ قصف هائل، ضجيج سياسي، ثم خصم لا يسقط.
صدمة ما بعد القصف.. إيران لم تُكسر كما قيل
القراءة الصادمة التي خرجت من تقارير غربية حديثة تقول إن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الواسع لم يحقق الهدف المعلن بالكامل. فقد تحدثت تقارير عن أن إيران استعادت السيطرة أو الوصول إلى عدد كبير من منشآتها الصاروخية، خصوصًا المواقع المحصنة قرب مضيق هرمز، وأن نحو 30 من أصل 33 موقعًا صاروخيًا في تلك المنطقة عادت إلى دائرة الاستخدام أو السيطرة الإيرانية، بحسب مصادر نقلت عن تقييمات استخباراتية أمريكية.
الأخطر أن هذه المنشآت لم تكن أهدافًا عادية فوق سطح الأرض، بل «مدن صاروخية» أو مخازن محفورة في الجبال وتحت الأرض، صُممت أساسًا للبقاء بعد الضربة الأولى. وهذا يفسر لماذا نجح القصف في تدمير مداخل أو تعطيل الوصول مؤقتًا، لكنه لم ينهِ القدرة الإيرانية بالكامل، حسب ما عرضته تقارير تحليلية عن محدودية القوة الجوية أمام المنشآت العميقة.

جبال الجرانيت.. القلعة التي أحرجت الطائرات الأمريكية
النقطة المركزية في هذه القصة أن إيران لم تبنِ قوتها الصاروخية على منصات مكشوفة فقط، بل على شبكة منشآت تحت الأرض، بعضها في مناطق جبلية صلبة، وهو ما جعل تدميرها من الجو أكثر تعقيدًا. الضربة الجوية قد تغلق مدخلًا، أو تدمر منشأة مساعدة، أو تعطل حركة الإمداد، لكنها لا تضمن دائمًا القضاء على الصواريخ المخزنة في العمق.
وهنا يظهر الفارق بين «صورة الانفجار» و«نتيجة الحرب». فالمشهد التلفزيوني قد يبدو ساحقًا: صواريخ، قاذفات، نار، دخان، وبيانات عن أهداف دُمرت. لكن بعد أسابيع، تظهر الحقيقة: المداخل تُعاد فتحها، المعدات تُنقل، المواقع تُرمم، والمنظومة التي قيل إنها انهارت تبدأ في التنفس من جديد.
البنتاجون بين الدعاية والواقع
الرواية الرسمية الأمريكية حاولت تقديم عملية «الغضب الملحمي» باعتبارها ضربة تاريخية حققت أهدافها. وفي بيانات رسمية سابقة، تحدثت وزارة الدفاع الأمريكية عن اقتراب العملية من إكمال أهدافها، وعن إضعاف قدرات إيران العسكرية.
لكن التسريبات والتحليلات اللاحقة رسمت صورة أكثر تعقيدًا. فبعض المصادر الغربية تحدثت عن أن إيران احتفظت بنحو 70% من مخزونها ومنصات إطلاقها المتحركة، وأن قدرتها على تهديد الملاحة والطاقة لم تُمحَ كما أُعلن سياسيًا.
وهذا لا يعني أن القصف كان بلا أثر؛ فقد دمرت واشنطن وتل أبيب مواقع ومخازن وقدرات قيادة وسيطرة، وتحدثت تقارير عن خسائر كبيرة في البنية العسكرية الإيرانية. لكنه يعني أن «النصر الكامل» لم يكن كاملًا، وأن إيران خرجت مجروحة، لكنها لم تخرج عاجزة.
«خصم أكثر صلابة».. النتيجة التي تخيف واشنطن
أخطر ما في التقييمات الغربية ليس فقط أن إيران أعادت تشغيل مواقع، بل أن الحرب ربما صنعت خصمًا أكثر قدرة على التعلم. فبحسب تقارير تحليلية، أعادت طهران ترتيب أولوياتها بعد الضربات، وركزت على استعادة البنية الصاروخية ورفع قدرة المنشآت تحت الأرض على الصمود.
بمعنى آخر، القصف قد يقتل قادة، ويدمر مباني، ويؤخر إنتاجًا، لكنه أحيانًا يمنح الخصم درسًا مجانيًا في كيفية البقاء. وهذا هو الكابوس الحقيقي لأي قوة عظمى: ألا تخرج من الحرب بانهيار الخصم، بل بخبرته الجديدة.
هل درست إيران أنماط الطيران الأمريكي؟
النص المتداول يتحدث عن أن القادة الإيرانيين درسوا أنماط طيران الطائرات الأمريكية واكتشفوا ثغراتها، وأن إسقاط طائرة F-15E وتضرر F-35 كانا مؤشرين تحذيريين. هذه النقطة شديدة الخطورة، لكنها تحتاج إلى ضبط مهني: لم أجد في المصادر المفتوحة الموثوقة التي ظهرت في البحث تأكيدًا مستقلًا واضحًا لإسقاط F-15E أو تضرر F-35 بهذه الصيغة، لذلك يجب عرضها في التقرير كـ«رواية متداولة أو مزاعم عسكرية» لا كحقيقة قاطعة.
لكن المؤكد أن الحرب الحديثة ليست قصفًا فقط، بل دراسة متبادلة. إيران تراقب مسارات الطائرات، توقيتات الطلعات، أنماط التشويش، نقاط الدخول والخروج، وطريقة استخدام الطائرات الشبحية والمسيّرات. وكل جولة قصف تمنحها بيانات جديدة. وهذه بالضبط نقطة الارتباك الأمريكي: الضربة التي لا تنهي الخصم قد تجعله أقدر على توقع الضربة التالية.
ترامب وحلم الحرب الخاطفة
كان ترامب يريد أن يقدم العملية كحرب خاطفة: ثلاثة أيام من الصدمة والنار، ثم إيران تعود إلى طاولة التفاوض بشروط أمريكية. لكن الواقع بدا أكثر تعقيدًا. فالحرب طالت، وتكلفة الذخائر والدفاعات ارتفعت، والقلق من استنزاف مخزون الأسلحة الأمريكية صار حاضرًا في التحليلات العسكرية، خاصة مع إبقاء واشنطن حساباتها مفتوحة تجاه الصين وكوريا الشمالية. وقد أشارت تقارير إلى أن البنتاغون كان حذرًا في إدارة بعض الذخائر الثقيلة والنادرة بسبب احتمالات طوارئ أخرى في آسيا.
هنا تظهر أزمة ترامب: هو يريد صورة الرئيس الذي لا يتردد، لكنه لا يستطيع تجاهل أن أمريكا ليست في مواجهة إيران وحدها. هناك الصين في الخلفية، وكوريا الشمالية في الحساب، وروسيا في المشهد، وأسواق النفط فوق الطاولة، والانتخابات والداخل الأمريكي تحت قدميه.
شبح «لاينباكر الثانية».. هل يفكر ترامب في نسخة إيرانية؟
المقارنة مع عملية Linebacker II في فيتنام ليست بعيدة عن ذهن صقور واشنطن. في ديسمبر 1972، نفذت الولايات المتحدة حملة قصف مكثفة بطائرات B-52 ضد هانوي وهايفونغ لإجبار فيتنام الشمالية على العودة إلى المفاوضات، قبل أن تُوقّع اتفاقيات باريس لاحقًا. لكن الفارق أن إيران اليوم ليست فيتنام 1972، والمنطقة ليست جنوب شرق آسيا، ومضيق هرمز ليس مجرد جبهة بعيدة عن الاقتصاد العالمي.
ترامب قد يحلم بنسخة إيرانية من «قصف الصدمة»: ضربات ساحقة خلال أيام، ثم طهران ترفع الراية وتعود للمفاوضات. لكن مفاجآت إيران تجعل القرار أكثر رعبًا. ماذا لو لم تنكسر؟ ماذا لو ضربت الخليج؟ ماذا لو أغلقت أو عطلت هرمز؟ ماذا لو تحولت الحرب إلى استنزاف مفتوح؟ هنا لا يعود السؤال: هل تستطيع أمريكا القصف؟ بل: هل تستطيع تحمل ما بعد القصف؟

إيران بين الخسارة والصمود
التقرير لا يجب أن يقع في فخ تصوير إيران كمنتصر كامل. إيران تعرضت لضربات قاسية، وخسرت قادة ومواقع وبنية عسكرية، وتضررت صورتها الردعية في بعض المراحل. لكن الصدمة أن كل ذلك لم يكن كافيًا لإخراجها من المعادلة.
وهذا هو جوهر المأزق: أمريكا لا تحتاج فقط إلى إحداث أضرار، بل إلى تحويل الأضرار إلى نتيجة سياسية. وإذا خرجت إيران قادرة على إعادة تشغيل المنشآت، والتمسك بمواقع تحت الأرض، وفرض نفسها طرفًا تفاوضيًا لا طرفًا مستسلمًا، فإن العملية تفقد جزءًا كبيرًا من معناها السياسي.
لماذا يخاف ترامب من الضربة الثانية؟
الضربة الأولى يمكن تبريرها بأنها مفاجأة، أو ردع، أو حماية للأمن القومي. أما الضربة الثانية، فهي إعلان أن الأولى لم تكفِ. وهذا أخطر سياسيًا. لأن تكرار القصف يعني ضمنيًا أن النصر السابق لم يكن حاسمًا، وأن الخصم لا يزال قادرًا على المقاومة.
لذلك يظهر ترامب مترددًا بين نبرة التهديد ونبرة البحث عن اتفاق. يريد أن يقول إن السلاح جاهز، لكنه لا يريد أن يدخل حربًا مفتوحة تكشف حدود القوة الأمريكية. ويريد أن يخيف إيران، لكنه يخشى أن ترد إيران بطريقة تكشف أن الردع الأمريكي لم يعد مطلقًا.
نيويورك تايمز والإعلام الأمريكي.. من يكشف الفشل؟
الضربة السياسية الأخرى لترامب تأتي من الإعلام الأمريكي نفسه. فالتقارير التي تشكك في الرواية الرسمية لا تخدم خصومه الخارجيين فقط، بل تضغط عليه داخليًا، وتضعه أمام سؤال صعب: هل بالغت الإدارة في إعلان النصر؟ وهل خُدعت القاعدة الجمهورية بصورة حرب خاطفة لم تحقق أهدافها بالكامل؟
وقد نقلت تقارير دولية، اعتمادًا على تقييمات استخباراتية وصحفية، أن إيران استعادت قدرات مهمة بعد القصف، ما يناقض خطاب الحسم السريع الذي روجت له الإدارة.
هذه ليست مجرد معركة إعلامية؛ إنها معركة على الذاكرة السياسية للحرب. هل ستُكتب العملية كضربة أمريكية ناجحة؟ أم كحملة ضخمة كشفت أن الجبال والمنشآت تحت الأرض والصواريخ المتحركة قادرة على ابتلاع الغضب الأمريكي؟
ترامب في مأزق القوة الناقصة
المشهد الآن يمكن تلخيصه في معادلة صادمة: أمريكا تملك قدرة تدمير هائلة، لكنها لم تملك بعد قدرة إنهاء كاملة. إيران تلقت ضربات موجعة، لكنها لم تفقد قدرتها على الصمود. ترامب يريد تكرار نموذج «القصف ثم التفاوض»، لكنه يعرف أن ضربة جديدة قد تكون بداية حرب أكبر، لا نهاية أزمة.
وبين جبال الجرانيت الإيرانية، ومخازن الصواريخ تحت الأرض، وحسابات الصين وكوريا الشمالية، يجد ترامب نفسه في منطقة رمادية: لا يستطيع إعلان الانتصار بلا شكوك، ولا يستطيع العودة إلى الحرب بلا كلفة، ولا يستطيع الاعتراف بأن الخصم الذي توقع إسقاطه في أيام خرج أكثر صلابة.
الضربة التي كشفت حدود القوة
عملية «الغضب الملحمي» لم تكن مجرد حرب على إيران، بل اختبارًا لصورة القوة الأمريكية نفسها. لقد أظهرت أن القاذفات العملاقة والصواريخ الخارقة لا تكفي وحدها عندما يكون الخصم قد بنى استراتيجيته على الاختباء، والمرونة، وتعدد المواقع، والتعلم من الضربة الأولى.
تقرير نيويورك تايمز وما تبعه من تحليلات لا يقول إن إيران انتصرت بلا خسائر، لكنه يقول شيئًا أخطر على ترامب: إن أمريكا لم تنتصر كما وعدت. وهذا هو سبب القلق الحقيقي في واشنطن. فالرئيس الذي كان يحلم بثلاثة أيام من النار وجد نفسه أمام حرب أعادت طرح سؤال قديم منذ فيتنام: ماذا يحدث عندما تقصف قوة عظمى كثيرًا، ولا تحصل في النهاية على الاستسلام؟
وفي النهاية، يبقى التفاعل والشير مهمين حتى تستمر الصفحة في تغطية آخر التطورات وتصل الصورة الكاملة للقراء بعيدًا عن القيود والتعتيم.
.


